ليبيا بين توحيد الميزانية والنَّهب الهائل

ليبيا بين توحيد الميزانية والنَّهب الهائل

المغرب اليوم -

ليبيا بين توحيد الميزانية والنَّهب الهائل

بقلم : د. جبريل العبيدي

لعلَّ توحيد ميزانية البلاد في ليبيا بعد عشرة أعوام عجافٍ يكون هو الخطوة الجادة في حلحلة الاقتصاد المنهار الذي يعتبر من أهم هموم المواطن الليبي. ولكن يبقى استقرار سعر صرف الدينار أمام العملات الأجنبية هو التحدي الأكبر لإعادة بناء الاقتصاد الليبي بشكل صحيح، بعيداً عن الاقتصاد الريعي الذي أنتج مجتمعاً كسولاً ينتظر المرتبات مطلع كل شهر من الحكومة، وكأنَّها هبات وصدقات وليست مقابل ونظير عمل يجب أن يُقدَّم أو يُنتَج.

ليبيا من دون نفط لن يلتفت إليها أحدٌ من سماسرة تجارة البترول، فهي صحراء مترامية الأطراف باستثناء مشاريع زراعية خجولة في الجبلين الأخضر والغربي، لا تصلح أن تكون مصدراً بديلاً في حال نضوب النفط.

ورغم أنَّ الاحتياطيات النفطية في ليبيا هي الكبرى في قارة أفريقيا، إضافة إلى قربها من الأسواق الأوروبية وزهد تكاليف إنتاج النفط وجودته، فإنَّ بعض معالجات الاقتصاد الريعي في ليبيا يكمن في الاستثمار في الطاقة الشمسية والنفط الصخري والسياحة والصيد البحري، والتي قد تكون مصادر بديلة ممكنة عند نضوب النفط، ولكن كل هذا لن يُحدث نقلة نوعية إلا إذا تم الاستثمار فيه منذ الآن، وقبل نضوب النفط، لتحقيق تنمية مستدامة، وتحقيق اقتصاد إنتاجي بدل الاقتصاد الريعي الحالي الذي أفلس البلاد، وخلق حالة من الكسل والتكاسل في المجتمع.

إنَّ ليبيا اليوم بسبب الفوضى فيها تُنهب بشكل لا مثيل له. والدليل على ذلك تصريحات المبعوث الدولي الأسبق غسان سلامة؛ حيث قال: «لا يمكن حل الصراع في ليبيا من دون القضاء على نهب المال العام والاقتصاد الأسود في البلاد». وأضاف سلامة: «مليونير جديد يظهر كل يوم في ليبيا نتيجة فساد يندى له الجبين». كما تأتي تصريحات مصطفى عبد الله صنع الله، رئيس مؤسسة النفط الليبية، بأن البنك المركزي أهدر نصف تريليون دولار خلال السنوات الماضية من عائدات النفط، لتؤكَّد المنهبة.

ومن أسباب أزمة الدينار الليبي الأموال التي تُنهب من الداخل ومن الخارج؛ سواء المجمد منها أو المسال؛ إذ بدأ ذلك منذ أن أصدر مجلس الأمن الدولي قراراً بتجميد أرصدة ليبيا. ووفقاً لموقع «دويتشه فيلَّه» الألماني: «يقدر حجم الأموال الليبية التي جنتها البلاد من عائدات النفط منذ عام 1969 بثلاثة تريليونات دولار»، ولا أحد يعلم كم صُرف منها طيلة 42 عاماً؛ الحقبة التي لم تشهد فيها ليبيا أي نهضة يمكن أن تُقبل تفسيراً لصرف تلك الأموال، ناهيك مما نُهب من أموال بعد فبراير (شباط) 2011، وعن محاولات الاعتداء على الأموال الليبية المجمدة في بلدان كثيرة حول العالم بعد سقوط النظام والدولة في ليبيا.

منذ أن أصبحَ البنك المركزي طرفاً في الصراع السياسي، وأصبح محافظ البنك المركزي مسؤولاً عن السياسة الاقتصادية من دون إشراك وزارة التخطيط والمالية، أصبحت سيطرته على البنك متكاملة. فالمصرف المركزي الليبي يزعم حاكمه أنه تجاوز الانقسام الشديد في الماضي؛ حيث طُبعت العملة شرقاً وغرباً، ورغم ذلك لا يزال دينار الشرق المعدني لا يُشترَى به في الغرب الليبي، وكذلك الدينار الورقي في الغرب لا يُشترَى به في الشرق الليبي.

محاولات الاستيلاء على أموال وودائع للدولة الليبية بالدولار الأميركي في بعض البلدان التي أودعت في بنوكها وتحولت إلى أموال مجمدة، تنهشها سياسات البلدان المودَعة فيها تحت مبررات مختلفة لشراء مديونيتها الداخلية، الأمر الذي تسبب في صدمة في الشارع الليبي قبل الصدمة السياسية.

وتبقى حقيقة أن أزمة الدينار الليبي هي نتيجة سوء إدارة الاقتصاد، وتبعات سياسات خاطئة، ولن يفلح في حلها القفز عليها بالهروب إلى الأمام، أو سحب فئات من العملات الورقية من التداول، زعماً أن فيها تزويراً رغم أنها طُبعت بشكل قانوني ورسمي.

مسألة إنقاذ الدينار من الانهيار المدوي أولوية قصوى للمواطن قبل صانع القرار الغارق في سبات عميق من قبل حكومتَي البلاد غرباً وشرقاً، وجشع الكلبتوقراطيين في نهب البلاد وجيوب العباد.

ولعلَّ من الأخبار المفرحة لحل أزمة الدينار الليبي المنهار هو توحيد ميزانية البلاد، بعد 13 عاماً من الصرف والصرف الموازي بين حكومات متنازعة الشرعية في البلاد. صحيح أن هذا سيوحد أبواب الصرف، ولكنه لن يمنع من نهب الخزينة العامة، ولن يحل أزمة الاقتصاد الريعي الذي يعتمد فقط على عوائد النفط؛ حيث لا وجود لإنتاج ولا لصناعة قابلة أن تكون بديلة للدخل القادم من بيع النفط، وهنا مكمن المشكلة الحقيقية في ليبيا؛ بل والسبب الرئيسي في انهيار الدينار وضعفه؛ لأنَّه رهين لسعر برميل النفط.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ليبيا بين توحيد الميزانية والنَّهب الهائل ليبيا بين توحيد الميزانية والنَّهب الهائل



GMT 05:20 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

في يوم قائظ

GMT 05:19 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

بائع الشاي

GMT 05:18 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

من قلعة الشقيف إلى هرمز

GMT 05:17 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

حجارة «الشقيف»... لو تكلمت

GMT 05:16 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

«السردية» والعلاقات الدولية

GMT 05:15 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

مونيكا بين عمر الشريف وأحمد عز

GMT 05:13 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

الذين سحبوا.. وأنفقوا

GMT 05:05 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

ثورات تكنولوجية !

أناقة البدلات تسيطر على إطلالات النجمات في عيد الأضحى

دبي - المغرب اليوم

GMT 23:46 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

مصطفى شعبان يخوض سباق رمضان 2027 بمسلسل شعبي
المغرب اليوم - مصطفى شعبان يخوض سباق رمضان 2027 بمسلسل شعبي

GMT 13:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 05:58 2020 السبت ,29 شباط / فبراير

مناخا جيد على الرغم من بعض المعاكسات

GMT 16:17 2019 الإثنين ,02 كانون الأول / ديسمبر

أبرز الأحداث اليوميّة لمواليد برج"القوس" في كانون الأول 2019

GMT 15:42 2023 السبت ,09 أيلول / سبتمبر

أطعمة تحتوي على الكالسيوم أكثر من الحليب

GMT 16:27 2023 الأربعاء ,19 تموز / يوليو

أبرز مواد الديكور الرائجة في العام الجاري

GMT 03:51 2021 الثلاثاء ,07 كانون الأول / ديسمبر

نمو تدفق الاستثمار الأجنبي المباشر في المغرب

GMT 17:49 2019 الثلاثاء ,31 كانون الأول / ديسمبر

"فرانس فوتبول" تثير الجدل بعد تجاهلها بيكيه في تشكيلة العقد

GMT 06:33 2019 الأحد ,22 كانون الأول / ديسمبر

حكم قراءة القرآن من المصحف أثناء الصلاة

GMT 00:12 2018 الإثنين ,26 تشرين الثاني / نوفمبر

الرجاء يقترب من مواجهة الترجي في السوبر الإفريقي
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib