«السردية» والعلاقات الدولية

«السردية» والعلاقات الدولية

المغرب اليوم -

«السردية» والعلاقات الدولية

بقلم:مأمون فندي

جلستُ إلى أحد الإعلاميين ممن يدّعون أنَّهم من أساطين الواقعية في العلاقات الدولية، فتحدّث كثيراً عن رونالد ريغان ومارغريت ثاتشر والمحافظين من أهل الواقعية السياسية، وبدا كأنه قرأ السيرة الذاتية لكليهما، وكيف تعاملا مع الاتحاد السوفياتي، ثم كيف تعاملت مارغريت ثاتشر وحليفها جورج هيربرت ووكر بوش مع صدام حسين، وحررا الكويت عام 1991، ولولاهما ما تحرر ذلك البلد. ثم تطرّق الحديث إلى الحرب الدائرة الآن بين أميركا وإسرائيل من ناحية وإيران من ناحية أخرى، وتركتُ له حبل الحديث، ثم فاجأني بالقول إنَّ المعركة اليوم هي «معركة سرديات». وقفتُ من مكاني كمن لسعته عقرب، وقلت: كيف؟ وشرح لي عن الإعلام ودوره، وكيف تسوّق الدول نفسها ومشروعاتها الآيديولوجية بالرموز والصور وإعلام السوشيال ميديا. وهذه المرة لم تكن قد لسعتني عقرب، بل لدغني ثعبان. قلت له: كيف تقول هذا وأنت، ومنذ لحظات، كنت تحدثني عن الواقعية في العلاقات الدولية وعن المحافظين وعن ريغان وبوش وثاتشر، وتقول لي إنك من أنصار الواقعية والمؤمنين بها؟

وحاولت أن أحكي له، دون أن أتسبب في حرج أو أبدو أستاذاً متعالياً، عن رحلتي منذ الماجستير والدكتوراه التي أنهيتها عام 1993، وعن السياسة والعلاقات الدولية التي تعلمتها بوصفها تجربة شخصية، دون أن أواجهه مباشرة في موضوع «السردية».

قلت له: أنا كنت مثلك تماماً في الثمانينات عندما بدأت دراسة الماجستير، واقعياً حتى النخاع، ومن تلاميذ كينيث والتز والواقعية الجديدة. حضرت له محاضرة كبرى في الاجتماع السنوي لجمعية العلوم السياسية الأميركية، وهناك شاهدت بداية المعركة الفكرية التي يتحدث الناس عنها اليوم وكأنها اكتشاف جديد.

يومها وقف مجموعة من الشباب المتأثرين بفوكو ودريدا وإدوارد سعيد وناقد مصري لا يعرفه كثيرون اسمه إيهاب حسن، وكان أستاذاً في جامعة ويسكنسون، وقفوا يهاجمون الواقعية الجديدة، ويقولون إنَّ العالم ليس مجرد صواريخ وردع وتحالفات، بل أيضاً صور وخطابات ورموز وسرديات. بعدها ظهرت كتب أصبحت لاحقاً مراجع لما يُسمى ما بعد البنيوية في العلاقات الدولية. لم أقل هذا لصاحبي بهذه الطريقة، بل كنت أكثر تبسيطاً.

وحكيت له عن مقالة ريتشارد آشلي الشهيرة «فقر الواقعية الجديدة»، التي هاجم فيها حياد المدرسة الواقعية. وقلت له عن كتاب ب. ج. ووكر «داخل/خارج: العلاقات الدولية كنظرية سياسية»، ليقول إن تقسيم العالم إلى «داخل آمن» و«خارج فوضوي» مجرد بناء ذهني صنعته الدولة الحديثة.

ثم حدثته عن صدمتي الكبرى عن جيمس دير ديريان وكتاب «العلاقات الدولية/النصية»، والذي كتبه مع مايكل شابيرو. والذي كان بمثابة البيان الأول لدخول ما بعد الحداثة في العلاقات الدولية، وهو كتاب من ضمن الكتب التي عرضتها للطلاب في جامعة جورجتاون كنقد لستيف والت تحديداً. ولم يستجب الطلاب كثيراً أيامها لفكرة أن الحرب ليست فقط دبابات وطائرات، بل أيضاً كاميرات وشاشات وصور وشعارات ومؤتمرات صحافية. كان ذلك عام 1997.

كان كينيث والتز يسخر من هذه الطروحات، ويصفها بأنها غموض فلسفي لا يقدم بديلاً حقيقياً. لكن المفارقة أن العالم اليوم يبدو أقرب إلى عالم دير ديريان منه إلى عالم والتز.

الحرب الحالية بين أميركا وإسرائيل من ناحية، وإيران من ناحية أخرى هي واحدة من تجليات عالم ما بعد الحداثة، فلو استمعت إلى بعض المحللين لظننت أن مضيق هرمز يُغلق ويفتح كل ساعتين. لكن الحقيقة أن الأسواق لا تتحرك وفق الواقع البحري على سواحل عُمان وإيران، بقدر ما تتحرك وفق السردية التي تُبنى حول ذلك الواقع.

قد لا يتغير شيء فعلياً في حركة الملاحة أو تدفق النفط، لكن الأسعار تقفز لأنَّ شريطاً عاجلاً قال إن إيران «قد» تغلق المضيق، أو أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد كتب منشوراً على منصته «تروث سوشيال»، ولمّح إلى «خيارات أخرى مطروحة»، أو لأن صورة ناقلة نفط مشتعلة اجتاحت مواقع التواصل. هنا تصبح السردية نفسها حدثاً اقتصادياً.

وهذه بالضبط كانت فكرة دير ديريان منذ الثمانينات: القوة ليست فقط في الصاروخ والأسطول، بل في القدرة على إنتاج صورة ذهنية عن الصاروخ والخطر المقبل. المستثمر لا يشتري النفط؛ لأنه رأى سفينة تتوقف في هرمز، بل لأنه يخاف من الرواية التي تقول إن شيئاً كبيراً قد يحدث غداً.

ولهذا أصبح الحديث عن «فتح» و«إغلاق» مضيق هرمز جزءاً من المعركة نفسها. فالمضيق يُغلق إعلامياً قبل أن يُغلق بحرياً، وتتحرك الأسواق بالمخيلة قبل أن تتحرك بالسفن.

كثير ممن يتحدثون اليوم عن «السردية» في العالم العربي يقدمون أنفسهم باعتبارهم واقعيين من مدرسة كيسنجر أو ميرشايمر أو والت، في حين مفهوم السردية نفسه جاء من نقد هؤلاء. الجمع بين والتز ودريدا في طبق واحد يُشبه خلط السوشي بالفسيخ، ثم الحديث عن الأصالة الفكرية.

الواقعية كانت ترى العالم باعتباره صراع قوى ومصالح. أمَّا جماعة ما بعد البنيوية فقالوا إنَّ تعريف «المصلحة» و«التهديد» نفسه جزء من المعركة. مَن يصنع الرواية يملك جزءاً من القوة.

ولهذا كنت أصعّد وأنا أستمع لذلك الإعلامي «الواقعي جداً»، وهو يشرح لي بحماس نظريات «السردية». الرجل، دون أن يدري، كان يتحدث بلغة خصوم الواقعية الذين كان والتز يسخر منهم قبل أربعين عاماً باعتبارهم مجرد فلاسفة غامضين متفرجين على الطريقة الأوروبية في الفلسفة. يبدو أن أفكار الثمانينات احتاجت نصف قرن كامل حتى تصل إلى بعضنا في الشرق الأوسط، لكنها وصلت أخيراً، بعد أن تحولت من مدرسة دراسات الاتساق الفكرية على الطريقة ما بعد الحداثية وما بعد البنيوية إلى موضة إعلامية. المهم أنها وصلت والسلام.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«السردية» والعلاقات الدولية «السردية» والعلاقات الدولية



GMT 05:20 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

في يوم قائظ

GMT 05:19 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

بائع الشاي

GMT 05:18 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

من قلعة الشقيف إلى هرمز

GMT 05:17 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

حجارة «الشقيف»... لو تكلمت

GMT 05:15 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

مونيكا بين عمر الشريف وأحمد عز

GMT 05:13 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

الذين سحبوا.. وأنفقوا

GMT 05:05 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

ثورات تكنولوجية !

GMT 04:58 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

الفراعنة مرة أخرى!

أناقة البدلات تسيطر على إطلالات النجمات في عيد الأضحى

دبي - المغرب اليوم

GMT 12:22 2012 الثلاثاء ,30 تشرين الأول / أكتوبر

رحلة إلى العصور الوسطى في بروغ البلجيكية

GMT 03:03 2017 الخميس ,13 إبريل / نيسان

تناول الفاكهة ليس سببًا للاصابة بمرض السكري

GMT 13:37 2024 السبت ,13 كانون الثاني / يناير

من أي معدن سُكب هذا الدحدوح!

GMT 09:45 2021 الثلاثاء ,16 شباط / فبراير

عيب خطير في ساعات أبل و الشركة تعرض الإصلاح مجانا

GMT 10:33 2020 الأربعاء ,29 كانون الثاني / يناير

روسيا تعزز قدرات مطار "فوستوتشني" الفضائي

GMT 03:41 2018 الأربعاء ,19 أيلول / سبتمبر

ميلانيا ترامب ترتدي معطفًا لغوتشي بقيمة 4000 دولار

GMT 07:47 2024 الخميس ,21 تشرين الثاني / نوفمبر

أفكار في الديكور للحصول على غرفة معيشة مميزة في 2025

GMT 09:51 2024 الثلاثاء ,09 تموز / يوليو

أمن طنجة يفكك شبكة متخصصة في سرقة دراجات نارية

GMT 10:45 2023 الجمعة ,08 كانون الأول / ديسمبر

هزة أرضية بقوة 5.1 درجات تضرب شرق خليج عدن

GMT 13:08 2023 الثلاثاء ,18 إبريل / نيسان

الشهب الاصطناعية تغرم نادي أولمبيك خريبكة

GMT 18:31 2023 الإثنين ,23 كانون الثاني / يناير

أسعار النفط تُسجل 87.47 دولار لبرنت و81.49 دولار للخام الأميركي

GMT 21:31 2022 الثلاثاء ,05 تموز / يوليو

الشرطة الأميركية تكشف خطة هروب مسلح شيكاغو
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib