أزمة المُتلقي العربي

أزمة المُتلقي العربي

المغرب اليوم -

أزمة المُتلقي العربي

محمد الرميحي
بقلم : محمد الرميحي

 

استقر رأي الكثير من الساسة على حقيقة التغير الجذري في وسائل الحرب، كانت الحروب بالسيف، ثم البندقية ثم الطائرة، واليوم الحروب تخاض من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، وتلخص الفكرة طبيعة التحول الجذري في مفهوم الصراع في القرن الحادي والعشرين، إذ لم تعد المعركة تدور حول الأرض أو السلاح، بل حول العقل والرأي والوعي.

ما يجعل هذا التحول أكثر خطورة في الفضاء السياسي العربي هو هشاشة المناعة الثقافية لدى المتلقي العربي، مما يجعله مستقبلاً يسمح للأفكار والمقولات التي قد تكون غير ناضجة أو غير حقيقية أو ملفقة أو خاضعة للهوى، أن ترسخ في عقله دون مقاومة فكرية أو تحليل نقدي.

الحرب الحديثة لم تعد فقط عسكرية، بل تحولت إلى حرب الإدراك، والهدف فيها ليس تدمير الجيوش بل توجيه العقول، وصناعة الرأي العام بما يخدم أهدافاً سياسية واقتصادية وآيديولوجية، ومع ثورة وسائل التواصل الاجتماعي، وهي الساحة الأوسع لهذه الحرب، حيث يتم عبرها بث الشائعات والأقوال وتركيب المشاهد وتشكيل المواقف وتحريك الغضب أو الإعجاب الجمعي، بل وصناعة السرديات كاملة حول أحداث ربما لا تكون قد وقعت.

السباق في هذا الفضاء سباق سريع، فتقول لنا بعض الدراسات إنه خلال فترة قصيرة من اليوم، سوف يكون بث الإنترنت من الفضاء، أي ليس للحكومات أي قوة لمنع هذا التواصل الاجتماعي الذي سوف يصبح عالمياً وعابراً للحدود.

في عالمنا اليوم هناك أناس يسمّون المؤثرين، بعضهم بوعي وبعضهم دون وعي، يجهدون في إعادة تشكيل وعي الجمهور وفق مصالح القوى التي تدير الفضاء الرقمي، أو تدفع لهؤلاء للقيام بذلك.

المعضلة التي تواجهنا غياب التربية الإعلامية والنقدية، مما جعل المتلقي العربي عرضة للتصديق السريع، والانفعال الفوري، كثيرون يتلقون الخبر لا بهدف الفهم، بل بهدف التفاعل أو المشاركة، دون تمحيص أو تحقق، لذلك تجد انقسامات حادة أفقية وعمودية في مجتمعاتنا في القضايا المطروحة.

سوف أضرب مثلاً في هذا الأمر، عندما قررت جائزة نوبل للسلام تقديم الجائزة للسيدة ماريا ماتشادو في فنزويلا، بدأت وسائل التواصل الاجتماعي العربي تدين تلك السيدة، لأنها متعاطفة مع إسرائيل، دون أن يتوقف المتابع، أنها تطبق المثل المعروف (عدو عدوي صديقي، وصديق عدوي عدوي)، حيث إن الحكم في فنزويلا مناصر للقضية الفلسطينية واعترف بدولة فلسطين 2009، وحول مكتبه إلى سفارة في عام 2023، وصوت في الأمم المتحدة مع الحق الفلسطيني، وبما أنها معارضة لذلك الحكم، فهي تأخذ الموقف المغاير، ذلك تفسير لا تبرير، من أجل أن نطلع على فهم ما يدور حولنا بشكل نقدي.

وسائل التواصل الاجتماعي أشاعت تراجع القراءة النقدية لصالح التصفح السريع، والمحتوى المختصر، مما جعل الثقافة العامة سطحية، تتشكل في الغالب من العناوين، لا من المضامين، لذلك أصبح لدينا مفهوم جديد هو (مثقف العناوين)! ويتكاثرون حولنا!

يزيد الأمر بلاءً في غياب المرجعيات الفكرية المستقرة، في الماضي كانت الصحف، وهي وسائل إعلام لها ما يعرف بـ«حارس البوابة»، أي أن هناك أناساً تدقق في الخبر وتتأكد منه، كانت تلك توجه الرأي العام الجمعي. اليوم وسائل التواصل الاجتماعي ألغت تلك المرجعيات، فصار كل فرد مصدراً للمعلومات والرأي في آن واحد، مما أوجد فوضى فكرية، وأصبح التلاعب بالرأي العام سهلاً، سواء من جهات داخلية أو خارجية، ثم يأتينا عامل آخر هو تسييس الوعي الجمعي عبر الأخبار المفبركة التي تدغدغ مشاعر الأشخاص، فيتم تصديقها على الفور، نتيجة لتغلغل ثقافات شعبوية وسطحية، هنا تتفكك الهوية الثقافية للمجتمع، وتدخل شرائحه في صراع تضيع معه الحقيقة.

أمَّا المؤسسات الإعلامية التقليدية فهي عاجزة عن ربح هذا السباق، تكبلها البيروقراطية، بل إن بعضها يعتمد على وسائل التواصل الاجتماعي في مصادرها، فهي تتبعه ولا تسبقه.

الحلول ليست صعبة أو بعيدة المنال، قيلت وكررت كثيراً، من خلال تطوير مناهج التعليم بشكل جذري وتحويلها من الحفظ والتسميع، إلى النقد والبحث، ومقارنة المعلومات، وإعطاء الطالب أدوات يستطيع أن يميز بها بين الرأي والمعلومة، والرأي الصحيح والرأي غير الصحيح، إنها منهجية تدرس.

لا يمكن أن يتم ذلك إلا من خلال تشجيع ثقافة القراءة النقدية، والأخيرة تبدو أمامها عقبات، لأن الكتب التي تنحو نحو النقد، في الغالب تجد أمامها عقبات للوصول إلى القارئ، إما عقبات بيروقراطية وإما عقبات سياسية.

أيضا تآكل النخبة الفكرية، فالمجتمعات التي لا تملك مفكرين يُصغى إليهم، تدار أمورهم بواسطة الصدى الجماهيري، هنا تأتي أهمية إعادة بناء الثقة بين المثقف والمجتمع، وإعطاء المثقف مساحة وحرية في الفضاء العام كي يخاطب الجمهور بالحقيقة.

ما يزعج في الأمر أنك عندما تتابع النقاش على وسائل التواصل الاجتماعي تجد أن ثقافة الحوار والتعددية تكاد تكون صفرية في فضائنا العربي، وأن هناك انغلاقاً على الفكرة، وعدم قدرة على المقارنة والتحليل بحرية.

آخر الكلام: حروب اليوم لا تقتل الأجساد، بل تغزو العقول، ولا تحتل المدن بل تحتل الوعي.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أزمة المُتلقي العربي أزمة المُتلقي العربي



GMT 15:23 2026 الخميس ,07 أيار / مايو

بحثاً عن فلسطين

GMT 15:15 2026 الخميس ,07 أيار / مايو

القنبلة النووية الإيرانية: تحريم وتنويم

GMT 15:12 2026 الخميس ,07 أيار / مايو

هل من غورباتشوف إيراني لإنقاذ البلاد؟

GMT 13:31 2026 الخميس ,07 أيار / مايو

من «حرب الشرائح» إلى «غسل التطبيقات»

GMT 13:29 2026 الخميس ,07 أيار / مايو

عبدالرحيم كمال إقالة أم استقالة؟!

GMT 13:27 2026 الخميس ,07 أيار / مايو

الوقت يرادف الدهر... هنا طهران

الملكة رانيا تخطف الأنظار وتؤكد أناقتها المتجددة بالبدلات الرسمية

عمان - المغرب اليوم

GMT 06:41 2026 الجمعة ,08 أيار / مايو

علامات خلال النوم تكشف وجود مشاكل في القلب
المغرب اليوم - علامات خلال النوم تكشف وجود مشاكل في القلب

GMT 17:16 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

تطرأ مسؤوليات ملحّة ومهمّة تسلّط الأضواء على مهارتك

GMT 09:11 2020 الجمعة ,24 تموز / يوليو

بذور الشيا لشعر مموج وصحي

GMT 16:19 2020 الجمعة ,10 إبريل / نيسان

انتبه لمصالحك المهنية جيداً

GMT 06:18 2020 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الحمل الجمعة 30 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 01:55 2022 الجمعة ,28 تشرين الأول / أكتوبر

الدولار يرتفع بعد عمليات بيع مكثفة

GMT 18:40 2021 الخميس ,29 تموز / يوليو

أفضل المدن السياحية في العالم لمحبي الثقافة

GMT 16:06 2020 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

لا تتهوّر في اتخاذ قرار أو توقيع عقد

GMT 04:14 2016 الخميس ,22 كانون الأول / ديسمبر

تمتع برحلة مميزة إلى جزر غوادلوب الفرنسية

GMT 07:27 2014 الأربعاء ,14 أيار / مايو

صمّمت لوحات فنّيّة باستخدام الحرق على الخشب!!
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib