العالم وإشكالية الاستقرار الاستراتيجي

العالم وإشكالية الاستقرار الاستراتيجي

المغرب اليوم -

العالم وإشكالية الاستقرار الاستراتيجي

بقلم:إميل أمين

عَرف العالم تعبير «الاستقرار الاستراتيجي» كأحد أهم المصطلحات التي ذاعت وشاعت في زمن الحرب الباردة، واشتداد الصراع بين حلفي «وارسو» و«الأطلسي».

كان المقصود في ذلك الوقت تجنب الوقوع في الفخ النووي، أي عدم الانزلاق في طريق الهاوية، لا سيما أنه مرت لحظات كثيرة كان العالم فيها قريباً من الخطر بصورة أقرب من حبل الوريد.

اليوم ونحن نتجاوز منتصف العقد الثالث بعد نهاية تلك الحقبة، المثيرة والخطيرة، يتساءل المراقبون للمشهد الدولي: هل بات عالمنا المعاصر يفتقد ومن جديد حالة الاستقرار الاستراتيجي، حتى وإن لم يكن المقصود هو الوصول إلى عتبات الشتاء النووي؟ وإذا كان الأمر بالفعل على هذا النحو، فما هي المتغيرات الحديثة التي يمكنها أن تأخذ الجميع للسير في دروب الهوان، وتتجاوز في واقع الأمر حدود الأسلحة النووية، وإن ظلت هذه بالتحديد قائمة في القلب منها، إلى دوائر مفاهيمية أخرى مختلفة، لكنها كفيلة بإصابة بشريتنا القلقة والأرقة بما هو أسوأ؟ قطعاً يتساءل القارئ عمّا هو السبب وراء طرح الأمر في هذا التوقيت، فيما الجواب غالب الظن يبدأ من عند المحاولات التي جرت في الأسبوعين الماضيين لإعادة تخطيط مسارات العالم وترتيب مساقاته، منذ زيارة الرئيسين الأميركي والروسي إلى الصين، وكأن هذه الأخيرة أضحت «حجر الزاوية» في عالم الاستقرار الجديد.

في أبعاد المشهد الخاص بالقوى العالمية، التي لا تزال تتواجه اليوم على خريطة شطرنجية إدراكية مغايرة عن زمن الحرب الباردة، قوى ثلاث بأدوات تتجاوز الجمود العسكري والسياسي، وتمتد من القطاعات العسكرية والاستخباراتية إلى عوالم التكنولوجيا والاقتصاد، ومن الأرض والبر والبحر إلى ما هو خارج الكرة الأرضية ومحاولات استيطان، وإن شئنا الدقة، لقلنا استعمار الفضاء.

هنا لم تعد روسيا الاتحادية، ورغم أنها الوريث الشرعي للاتحاد السوفياتي، المنافس الرئيس للولايات المتحدة، حتى وإن امتلكت أحدث الصواريخ الباليستية النووية في الكون، وآخرها الشيطان «سارامات»، بل باتت الصين الند الأقوى والمنافس الأخطر لأميركا على كل الصعد، ولم يعد سراً القول إن صعود بكين إلى مركز الصدارة شكل التطور الجيو-سياسي الأبرز في مطلع القرن الحادي والعشرين.

تبدو مهددات الاستقرار الاستراتيجي العالمي هذه المرة متنوعة، داخل وخارج دائرة التنافس الثلاثي المشار إليها، وإن ظلت مسألة تراجع الحد من التسلح تتسنم المخاطر.

الحديث هنا ينسحب على الأسلحة التقليدية من جهة، وعلى أسلحة الدمار الشامل من ناحية أخرى، ولعل الحرب الروسية - الأوكرانية وضعت الخيار النووي مراراً على طاولة الأحداث، وهناك تسريبات آنية عن ورود الفكرة على عقل سيد البيت الأبيض مؤخراً للخلاص من مأزق إيران، ولو على صعيد المنسوب النووي التكتيكي وليس الاستراتيجي.

أكثر من ذلك، فإن طموحات الصين في ترسانة نووية قوية قادرة على ردع الشرق والغرب تزيد من مخاطر عدم الاستقرار.

وفي السياق نفسه، تبدو فكرة الأحلاف التي عرفها العالم في ستينات القرن الماضي، وكأنها تولد من جديد، ما يفرز للعالم تكتلات ذات توجهات سياسية مؤدلجة، وهذه عادة ما تكون أقرب للصدام منها للوئام أو التفاهمات وقسمة الغرماء.

هل يعني ذلك أن أحاديث العولمة التي تجمع ولا تفرق باتت من أساطير الأولين؟ الشاهد أن نظرة سريعة على أزمة الهويات تقطع بأن تيار العولمة يتراجع لصالح القوميات والشعوبيات، وباتت أدوات التواصل الحديثة تخلق أنواعاً من الهويات الإنترنتية اللزجة، الأمر الذي عزز من انتكاسة الإنسانية الموحدة إلى ما وراء القبلية الأولى.

يقف العالم اليوم أمام نوازل تهدد ذلك الاستقرار الهش، وقد أفرزت الأزمة الأميركية - الإيرانية صعود إشكالية المضايق والممرات المائية، وانتقل الحديث من هرمز إلى ملقا، وباب المندب، وجبل طارق، والدردنيل، وصولاً إلى بنما، وكل واحد من هذه كفيل بإصابة عالمنا المعاصر في القلب تجارياً واقتصادياً.

حديث الاقتصاد بدوره مثير للفزع، لا سيما في ظل التضخم الذي يزحف ببطء للأعلى بسبب صدمات النفط، ما يعني فائدة مرتفعة وانهياراً بأسعار الأصول، وفي ظل منافسة شرسة وجديدة ليس فقط بين البنوك التقليدية، بل بين العملات المستقرة وشبكات البلوكتشين.

أما أحاديث الذكاءات الاصطناعية فتحتاج إلى قراءات مطولة قائمة بذاتها، ذلك أن جدلاً واسعاً يدور من حولها، وما إذا كانت تقود البشرية للوراء، أو تصعد بها إلى الجُب الأسفل.

وفي القلب من هذا كله أحاديث التغيرات المناخية، وعسكرة الفضاء والتقلبات الجيوسياسية المخيفة.

هل العالم على موعد مع انقلاب وليس مع استقرار استراتيجي؟... للحديث بقية.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

العالم وإشكالية الاستقرار الاستراتيجي العالم وإشكالية الاستقرار الاستراتيجي



GMT 05:50 2026 الثلاثاء ,02 حزيران / يونيو

قاعة الخطب المطولة

GMT 05:49 2026 الثلاثاء ,02 حزيران / يونيو

إيران ولبنان... من الحُبّ ما قتل!

GMT 05:47 2026 الثلاثاء ,02 حزيران / يونيو

بين فائض القوة واستعصاء الحسم

GMT 05:46 2026 الثلاثاء ,02 حزيران / يونيو

ليبيا والتوطين... تكاثرت الظباءُ على خراش

GMT 05:45 2026 الثلاثاء ,02 حزيران / يونيو

«حوار شانغريلا» وحرب «الإندوباسيفيك»

GMT 05:44 2026 الثلاثاء ,02 حزيران / يونيو

«برشامة».. وحزب النور!

GMT 05:42 2026 الثلاثاء ,02 حزيران / يونيو

عجائب الحرب والسلام (2- 2)

GMT 05:41 2026 الثلاثاء ,02 حزيران / يونيو

لبنان المتروك لشأنه

أناقة البدلات تسيطر على إطلالات النجمات في عيد الأضحى

دبي - المغرب اليوم

GMT 16:47 2022 الجمعة ,14 كانون الثاني / يناير

حزب التجمع الوطني للأحرار" يعقد 15 مؤتمرا إقليميا بـ7 جهات

GMT 16:20 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

آبل تصنف iPhone 11 Pro ضمن قائمة المنتجات القديمة

GMT 10:11 2026 السبت ,07 شباط / فبراير

مشروبات طبيعية لنوم هانئ في الشتاء

GMT 12:48 2020 السبت ,26 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الميزان السبت 26-9-2020

GMT 04:42 2016 الثلاثاء ,27 كانون الأول / ديسمبر

إيفانكا ترامب تقضي عطلة عيد الميلاد في هاواي

GMT 16:59 2020 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

تجنّب أيّ فوضى وبلبلة في محيطك

GMT 22:15 2018 السبت ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

مدرب كرواتيا يؤكد سأتحدث مع لوفرين بشأن راموس

GMT 17:10 2017 الإثنين ,25 كانون الأول / ديسمبر

محمد صلاح يتصدر استفتاء "الكاف" ويتفوق على أوباميانغ
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib