انطلقت الأسبوع الماضي أعمال قمة «حوار شانغريلا» الأمنية التابعة لـ«المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية» في سنغافورة في دورتها الثالثة والعشرين، التي تعد قمة الأمن الأهم في منطقة آسيا (الإندوباسيفيك).
ضم التجمع عدداً وافراً من كبار المسؤولين الأمنيين والاستخباريين، من 45 دولة، في مقدمهم وزراء دفاع كل من أميركا وأستراليا وفرنسا واليابان، في حين غاب وزير الدفاع الصيني، ما فتح الباب واسعاً للهواجس حول نتيجة قمة ترمب - بينغ الأخيرة، وما إذا كانت قد نجحت في تهدئة الأجواء بين واشنطن وبكين، وبداية مرحلة جديدة من الاستقرار الاستراتيجي أم لا.
يلفت النظر في الحوارات التي جرت خلال فعاليات الحوار هيمنة أجواء المواجهات الباردة، وهذا ما تبدى من خلال كلمة وزير الدفاع الأميركي هيغسيت بداية، غير أن الزعيم الأعلى لفيتنام ورئيس الدولة تو لام كان أكثر شمولاً في توصيف حالة العالم ومخاوفه.
لام وضع الجميع، شرقاً وغرباً، أمام واقع ما قبل الانفجار، وملامح حافة الهاوية، معتبراً أن هناك مخاطر متعددة وحالة متزايدة من عدم اليقين، لا سيما في ظل ثلاث أزمات جوهرية: تآكل القواعد والقوانين الدولية، أزمة نماذج التنمية بسبب تباطؤ النمو الاقتصادي وتغير المناخ، وأزمة الثقة بين الدول.
هنا يبدو واضحاً أن لغة الخطاب الأممي من عند مؤتمر دافوس، مروراً بميونيخ للأمن العالمي، وصولاً إلى شانغريلا، تبدو واحدة، من جهة المخاوف، وأوضاع العالم المتردي، بخاصة في ظل الضغوطات المتزايدة التي تواجهها الدول الصغيرة والمتوسطة، إذ تجد نفسها في موقع الاختيار والاصطفاف إلى طرف أو آخر في ظل التنافس الجيوسياسي المتصاعد.
جاءت أعمال حوار شانغريلا، وسط حالة الضبابية التي تخيم على العالم، بخاصة في ظل عدم اليقين حول الأزمة الأميركية - الإيرانية، وعدم القدرة على التنبؤ بتقلبات السياسة الأميركية، وعواقب ذلك على مفهوم الاستقرار العالمي.
في كلمته بدا واضحاً أن وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيت يحمل رؤية ما بعينها، فالرجل ذهب إلى منطقة «الإندوباسيفيك» منطلقاً من استراتيجية أميركية قديمة يعاد إحياؤها من جديد، ونعني بها «الاستدارة نحو آسيا»، التي تمت بلورتها عام 2011 على يد إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما ووزيرة خارجيته هيلاري كلينتون.
حديث الاستدارة لم يكن سوى النسخة المطورة لوثيقة القرن الأميركية للمحافظين الجدد لعام 1997، التي تعرف باسم «PNCA»، والهدف منها حصار الصين كي لا تتمدد خارجاً، وقطع الطريق على صحوة روسيا كما العنقاء من رماد الحقبة السوفياتية.
من هنا كان خطاب هيغسيت المهم عن حتمية زيادة دول المنطقة لإنفاقها الدفاعي إلى نسبة 3.5 في المائة من ناتجها الإجمالي.
على أن النقطة الأخطر التي أشار إليها موصولة بفكرة توازن الاستقرار في آسيا، وعدم السماح لأي دولة بفرض هيمنتها بشكل مطلق على المنطقة، بخاصة الصين.
لم يوار أو يدار وزير الدفاع الأميركي مخاوف واشنطن من الحشود العسكرية الصينية في جميع أنحاء منطقة المحيط الهادئ، حسب وصفه. هل تسعى واشنطن لمواجهة ساخنة في «الإندوباسيفيك» مع الصين؟
ينكر سيد البنتاغون ذلك رسمياً، لكن مؤكد جداً أن حوارات شانغريلا حملت الجميع على التفكير في إمكانية تحول المواجهات الباردة الجارية هناك إلى صدامات ساخنة، لا سيما إذا أخذنا بعين الاعتبار التقارير التي ظهرت الأسبوع الماضي عن توسع الصناعة العسكرية الصينية، بما في ذلك تشييد منصات يعتقد أنها مخصصة للترسانة النووية الصينية، إذ تمتلك الصين صواريخ نووية قادرة بالفعل على الوصول إلى أي مدينة في الولايات المتحدة. يبدو المشهد، وعلى الرغم من المحاولات الواهية للتطمينات المتبادلة بين واشنطن وبكين، مزعجاً بالفعل، خصوصاً بعد أن أظهرت صور الأقمار الاصطناعية أن بكين تبني شبكات مترامية الأطراف من منصات الإطلاق والمخابئ ونقاط الاتصال من صوامع نووية معزولة تحتوي على صواريخ الجيش الصيني الأطول مدى.
لعل من نافلة القول إن الإعلان الرسمي من الجانب الأميركي عن قيام «تحالف أوكوس» بتطوير غواصات مسيرة بشراكة أميركية بريطانية أسترالية وخروجها إلى النور العام المقبل لدليل قاطع على أن عسكرة «الإندوباسيفيك» قائمة وبما يتجاوز مخاوف الحرب الباردة.
من روسيا إلى الصين التاريخ يكرر نفسه أم أحداثه تتشابه؟