حتى لا تصبح ثورة السودان «ثورة مغدورة»

حتى لا تصبح ثورة السودان «ثورة مغدورة»

المغرب اليوم -

حتى لا تصبح ثورة السودان «ثورة مغدورة»

بقلم : عريب الرنتاوي

  الاتفاق الذي توصل إليه «عسكر» السودان وقوى الحرية والتغيير فيها، يثير القلق أكثر من التفاؤل ... صحيح أن المجلس العسكري أُرغم على معاودة التفاوض مع قوى المعارضة، وأنه ارتضي بتقاسم المجلس السيادي مناصفة معها، وأنه رضخ كارهاً لفكرة «التناوب» على السلطة، وقَبِل بتشكيل لجنة تحقيق وطنية محايدة في الجرائم التي قارفها ضد المتظاهرين السلميين.
لكن الصحيح كذلك، أن المعارضة بدورها، قدمت ما يكفي من التنازلات المقلقة ... منها أنها سلمت رئاسة المجلس السيادي للجنرالات لمدة عامين متتاليين، وأسقطت مطلبها بغلبة المدنيين على «العسكر» في تشكيلة المجلس، ومنها أن سحبت شرط محاسبة المسؤولين عن القتل الجماعي في شوارع الخرطوم وأزقتها، قبل الشروع في أي حوار مع سلطة الأمر الواقع.
مصدر التفاؤل، يكمن في أن الشعب السوداني وقف نداً قوياً للجنرالات، ولأول مرة على هذا النحو المتحدي منذ الاستقلال، وأنه نجح في إخراج المليونيّات إلى الشوارع بعد أزيد من ستة أشهر متواصلة من الانتفاضة ... مصدر التفاؤل أيضاً، يكمن في هذا الوعي الدافق الذي عبرت عنه النخبة الثورية السودانية، وإدراكها العميق لألاعيب «العسكر» ومناوراتهم، ودرايتهم بالتعقيدات المحلية والإقليمية والدولية المحيطة بثورتهم.
لكن مشاعر القلق والتحسب والتخوف مع ذلك، ما زالت تجتاحنا، فليست لدينا أدنى درجة من الثقة بالجنرالات من تلاميذ مدرسة «عمر حسن البشير»، ولقد أكدت ممارستهم خلال الشهرين الفائتين، أعمق مخاوفنا، فهم متشبثون بالسلطة كما كان «زعيمهم المخلوع»، وإن ترك الأمر لهم، سيظلون على رأسها لثلاثين سنة قادمة ... وهم من قبل ومن بعد، لن يفعلوا شيئاً سوى تغيير الوجوه والأسماء، أما «النظام» بما هو تركيبة وموقع ودور وتحالفات ونهج سياسي – اقتصادي – اجتماعي، فباقٍ ما بقي هؤلاء.
لم يترددوا للحظة واحدة في إطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين السلميين، وفي ربط جثثهم بالأثقال ورميها في نهر النيل ... طاردوا الشبان والشابات في الأحياء والأزقة ... أشهروا فزاعة الطابور الخامس والفئات المدسوسة والمندسة لتبرير انقضاضهم على اعتصام قيادة الجيش ... لعبوا على التناقضات وأثاروا الانقسامات الداخلية ... لوّحوا براية الشريعة في مواجهة «المنحلين» و»المخمورين» على أرض الاعتصام، لجأوا إلى حلفاء البشير من مجموعات ومكونات ومليشيات وحاولوا تصويرها كركن ركين من قوى الثورة والتغيير ... أعلنوا اصطفافهم مع حلفاء البشير على الساحة الإقليمية والدولية، وتعهدوا بمواصلة مسيرته في السياسة الخارجية مع أنها لم تجلب للسودان وأبنائه سوى الكوارث ... وأخيراً، تعاقدوا مع شركات للعلاقات العامة، برئاسة صهاينة من ذوي السمعة السيئة، لتلميع صورتهم وتحسينها لدى الرأي العام الغربي ... «الجنرالات» يتصرفون كما لو أنهم في سدة الحكم أبداً، وليس بوصفهم زاهدين في السلطة، و»انتقاليين» يتطلعون بشوق للعودة إلى ثكناتهم.
هؤلاء لديهم الآن، عامان كاملان لمقارعة قوى الثورة والتغيير والشعب السوداني برمته ... سيعملون على تفكيك وحدتها، وخلق النزاعات داخلها، تقريب بعضها وإبعاد بعضها الآخر، ضرب بعضها ببعضها ... سيعملون على اختلاق المبررات والذرائع لتصفية قوى الثورة والحرية والتغيير، الواحدة تلو الأخرى ... وما أن يتراجع اهتمام العالم بالمسألة السودانية، حتى يخلو لهم الجو، ويبدؤون في تنفيذ برنامجهم ... لم يصدر عن «جنرالات البشير» ما يشي بأنهم سائرون على خطى «سوار الذهب»، هم يقتدون بمعلمهم المخلوع، وبجعفر النميري... 
لا شك أن هذه المخاوف، لا تخفى على قوى الحرية والتغيير، وربما لهذا السبب جاءت دعوتهم للشعب السوداني للبقاء على أهبة الاستعداد، وإبداء الحيطة واليقظة والحذر ... ولكن هيهات أن يعود الناس إلى الشوارع، ما أن تضع ثورتهم أوزارها، ويعاود الناس مزاولة يومياتهم الرتيبة المعتادة، حتى وإن حملت ثورتهم اسم: «الثورة المغدورة».

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

حتى لا تصبح ثورة السودان «ثورة مغدورة» حتى لا تصبح ثورة السودان «ثورة مغدورة»



GMT 04:16 2026 الثلاثاء ,03 آذار/ مارس

بالمباشر

GMT 15:33 2021 الأحد ,31 كانون الثاني / يناير

شعر عربي اخترته للقارئ

GMT 15:29 2021 الأحد ,31 كانون الثاني / يناير

شعر المتنبي - ٢

GMT 15:18 2021 الأحد ,31 كانون الثاني / يناير

من شعر المتنبي - ١

GMT 23:58 2021 الثلاثاء ,26 كانون الثاني / يناير

شعر جميل للمعري وأبو البراء الدمشقي وغيرهما

يارا السكري تخطف الأنظار بإطلالات راقية في مهرجان كان 2026

باريس - المغرب اليوم

GMT 16:20 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

آبل تصنف iPhone 11 Pro ضمن قائمة المنتجات القديمة

GMT 16:47 2022 الجمعة ,14 كانون الثاني / يناير

حزب التجمع الوطني للأحرار" يعقد 15 مؤتمرا إقليميا بـ7 جهات

GMT 13:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 07:50 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

سعر الذهب في المغرب اليوم السبت 31 يناير/ كانون الثاني 2026

GMT 11:36 2018 الإثنين ,15 كانون الثاني / يناير

سعر الدولار الأميركي مقابل دينار عراقي الإثنين

GMT 18:09 2019 الثلاثاء ,01 تشرين الأول / أكتوبر

كيف تنسقين الجاكيت البليزر على طريقة المدونات المحجبات؟

GMT 09:00 2019 الجمعة ,10 أيار / مايو

ماهو التعلّم النشط من منظور إسلامي؟

GMT 20:05 2018 الأربعاء ,24 تشرين الأول / أكتوبر

سعر برميل النفط الكويتي ينخفض إلى 76.59 دولار الأربعاء

GMT 06:41 2018 السبت ,06 تشرين الأول / أكتوبر

تعرفي على أفضل الجزر الآسيوية لقضاء شهر عسل رومانسي

GMT 18:23 2018 الأربعاء ,03 تشرين الأول / أكتوبر

إيقاف محمد أمين بنهاشم مُدرّب أولمبيك خريبكة مباراتين

GMT 12:27 2014 السبت ,12 تموز / يوليو

الفنانة العراقية سحر طه تغني بغداد

GMT 05:30 2018 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

عرض استثنائي لـ"فيتون" لوداع المدير الفني الخاص بها

GMT 09:24 2018 الإثنين ,01 كانون الثاني / يناير

أجمل بروشات الفاخرة التي تناسب موسم الأعياد

GMT 08:11 2012 الجمعة ,22 حزيران / يونيو

برنت يتراجع عن مستوى 104 دولارات للبرميل

GMT 23:04 2016 الجمعة ,21 تشرين الأول / أكتوبر

التصريف اللمفاوي مفيد لمشاكل الجهاز اللمفاوي

GMT 14:15 2016 الأربعاء ,27 كانون الثاني / يناير

فوائد الشطة لعلاج مرض الصدفية
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib