سجن السياسة في الآيديولوجيا

سجن السياسة في الآيديولوجيا

المغرب اليوم -

سجن السياسة في الآيديولوجيا

محمد الرميحي
بقلم - محمد الرميحي

في مثل هذا اليوم الرابع عشر من مارس (آذار) عام 1883 توفي كارل ماركس، الرجل الذي ترك للعالم الخطوط العريضة لما عُرف لاحقاً بالماركسية؛ وهي نظرية اجتماعية سياسية حاولت تفسير التاريخ الإنساني من خلال الصراع الطبقي، ورأت أن النظام الرأسمالي يحمل في داخله بذور فنائه. لم تولد هذه النظرية في الفراغ، بل كانت ابنة سياق تاريخي محدد، هو أوروبا في القرن التاسع عشر، حين كانت الثورة الصناعية الأولى تغيّر بنية المجتمع الأوروبي. في تلك المرحلة ظهرت طبقة صناعية ثرية مقابل طبقة عمالية واسعة تعيش ظروفاً قاسية، فبدت أفكار ماركس لكثيرين، وعداً بالخلاص من اختلالات النظام الاقتصادي الجديد.

ومع ذلك، فإن الأفكار الكبرى، مهما بدت متماسكة في لحظة ميلادها، تبقى مرتبطة بزمانها، لا تساير الأجيال ولا الزمان، تجمدت ففقدت؛ ليس بريقها فقط بل فاعليتها، فالماركسية كانت تفسيراً لمرحلة محددة من تطور الرأسمالية الأوروبية، ومع تطور الاقتصاد الصناعي وظهور دولة الرفاه وتغير بنية المجتمعات الغربية، بدأ كثير من مسلماتها يفقد قدرتها التفسيرية. غير أن الأفكار لا تموت بسهولة، لأن الإنسان بطبيعته يميل إلى التمسك بالنظريات التي تمنحه يقيناً فكرياً وشعوراً بامتلاك تفسير شامل للعالم، حتى لو اتضح فشله.

من هنا يمكن فهم لماذا تبنت مجموعات سياسية في العالم العربي خلال القرن العشرين تلك الأفكار، رغم اختلاف السياق التاريخي والاجتماعي. فقد نشأت الأحزاب الشيوعية العربية في بيئة لم تعرف الثورة الصناعية بالشكل الذي عرفته أوروبا، لكنها وجدت في الماركسية خطاباً سياسياً جاهزاً، ولكنه فشل في أن يفسر واقع المجتمعات العربية، وفي مرحلة لاحقة جاء العسكر العرب فطرحوا صيغة أخرى سموها «الاشتراكية العربية». وهي صيغة هجينة، حاولت الجمع بين الشعارات الاجتماعية والسلطة السياسية المركزية، لكنها لم تنجح في بناء اقتصاد منتج، أو نظام سياسي مستقر، لأن الأفكار التي استندت إليها لم تكن منسجمة مع الواقع الذي طُبقت فيه.

هذه الظاهرة ليست خاصة بالفكر الماركسي وحده؛ بل يمكن ملاحظتها في مجالات أخرى من الفكر السياسي. ففي بعض تيارات الإسلام الحركي يظهر نمط مشابه من التفكير، يقوم على الاعتقاد بأن الحل السياسي يكمن في استعادة نماذج حكم تاريخية نشأت في ظروف مختلفة تماماً عن واقع الدولة الحديثة. وهنا تتحول التجربة التاريخية إلى نموذج ثابت وقطعي يجب استعادته، بدلاً من أن تُقرأ باعتبارها جزءاً من سياقها الزمني.

عندما تتحول العقيدة إلى برنامج سياسي جامد يسعى إلى إعادة إنتاج الماضي حرفياً، فإنه يصطدم بواقع اجتماعي وسياسي مختلف. وعند هذه النقطة يبدأ التوتر بين الفكرة والواقع، وقد يتحول ذلك التوتر إلى صراع عنيف داخل المجتمع. ومع المجتمعات الأخرى.

وفي هذا السياق، يمكن أيضاً النظر إلى تجربة «ولاية الفقيه» في إيران. فهذه الفكرة التي طرحها آية الله الخميني في نهاية سبعينات القرن الماضي، تقوم على تصور فقهي يرى أن الفقيه يتولى قيادة الدولة نيابة عن الإمام الغائب.

غير أن هذا التصور يستند في جوهره إلى قراءة تاريخية نشأت في سياق قديم، ثم جرى تحويلها إلى عقيدة سياسية تحكم دولة حديثة ذات مجتمع متنوع وتعقيدات اقتصادية واجتماعية كبيرة، هنا تكمن أزمة النظام الإيراني.

فمع مرور الزمن، ظهر التوتر بين هذا التصور الفقهي ومتطلبات الدولة الحديثة. فالدولة المعاصرة تقوم على مؤسسات، وعلى آليات للمساءلة، والمراجعة، بينما تميل الأنظمة العقائدية بشكل عام إلى تركيز القرار في مركز واحد، يملك الشرعية الآيديولوجية. ويصبح له حق مطلق في فرض نموذجه على الآخرين، وعندما يحدث هذا التناقض، بين الطموح والزمن المتغير، يصبح النظام السياسي الذي أنتجته تلك الأفكار، أقل قدرة على التكيف مع التحولات الاقتصادية والاجتماعية، بل ويصدم بالعالم، تاركاً جروحاً غائرة في مجتمعه وضرراً في علاقاته الخارجية.

بهذا المعنى يمكن القول إن التشابه بين الماركسية والماركسية المتأخرة وبعض تيارات الإسلام الحركي، وكذلك تجربة ولاية الفقيه، لا يكمن في المضمون الفكري، بقدر ما يكمن في الآلية الذهنية التي تتعامل مع الأفكار. والبناء السياسي الذي تفرزه، ففي الحالات الثلاث نجد فكرة نشأت في سياق تاريخي محدد، ثم جرى التعامل معها بوصفها حقيقة صالحة لكل زمان ومكان. وعندما تتغير الظروف، لا تتغير الفكرة بالسرعة نفسها، فيظهر التوتر بين النظرية والواقع. إن المجتمعات التي تتقدم ليست تلك التي تتخلى عن تراثها الفكري أو الروحي، بل تلك التي تضع الأفكار في سياقها التاريخي. فالفكرة في نهاية الأمر هي محاولة بشرية لفهم العالم، وليست نصاً مقدساً خارج الزمن. وعندما يتحول الفكر إلى عقيدة مغلقة، يفقد قدرته على مسايرة الواقع، ويصبح عبئاً على المجتمعات بدلاً من أن يكون أداة لفهمها. ولعلَّ الدرس الأهم من تجارب القرن العشرين، أن التقدم البشري لا يأتي من استدعاء الماضي، أو من استنساخ أفكار وُلدت في بيئات أخرى؛ بل من القدرة على قراءة الحاضر بعقل مفتوح، وعلى إنتاج فكر سياسي واقتصادي يستجيب لحاجات المجتمع في زمنه الفعلي. فالتاريخ لا يعود إلى الوراء، والمجتمعات التي تحاول أن تعيش في زمن مضى، غالباً ما تفقد فرصتها في العيش في زمنها الحاضر.

الكلام: عندما يقود الماضي الحاضر يصطدم بالمستقبل.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

سجن السياسة في الآيديولوجيا سجن السياسة في الآيديولوجيا



GMT 05:45 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

شهادة من اليابان!

GMT 05:43 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

شجاع بين متخاذلين

GMT 05:36 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

ما بعد الأسبوع الرابع ؟!

GMT 05:31 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

معشرك

GMT 05:29 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

جلسة مسائية مع أسرة طهرانية

GMT 05:29 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

طرابلس في حرب إيران

GMT 05:27 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

القراءة المبكرة... هل تحققت؟

GMT 05:27 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

«أرتميس ــ 2» وأوان العودة إلى القمر
المغرب اليوم - مسيّرة إيرانية تستهدف مجمع الوزارات في الكويت

GMT 15:46 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

عائشة بن أحمد تشوق محبيها بعمل فني جديد
المغرب اليوم - عائشة بن أحمد تشوق محبيها بعمل فني جديد

GMT 19:02 2020 الجمعة ,01 أيار / مايو

أبرز الأحداث اليوميّة

GMT 07:08 2019 الأحد ,31 آذار/ مارس

شهر بطيء الوتيرة وربما مخيب للأمل

GMT 18:22 2021 الإثنين ,01 شباط / فبراير

يبدأ الشهر مع تنافر بين مركور وأورانوس

GMT 18:36 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

أعد النظر في طريقة تعاطيك مع الزملاء في العمل

GMT 19:17 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

يحاول أحد الزملاء أن يوقعك في مؤامرة خطيرة

GMT 16:39 2020 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

تعيش ظروفاً جميلة وداعمة من الزملاء

GMT 07:43 2020 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الجوزاء الجمعة 30 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:00 2017 الأربعاء ,15 شباط / فبراير

شركة "بورش" تعلن عن مركبتها المميّزة "باناميرا 2018"

GMT 12:41 2023 الإثنين ,25 كانون الأول / ديسمبر

الطابع العصري يطغى على إطلالات ريم السعيدي في 2023

GMT 20:32 2016 الثلاثاء ,12 كانون الثاني / يناير

فوائد الريحان لعلاج القرح والجروح

GMT 12:10 2023 الأربعاء ,15 تشرين الثاني / نوفمبر

إردوغان يؤكد أن إسرائيل دولة إرهابية وأن نهاية نتنياهو اقتربت
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib