غرينلاند نتوء الصراع الأميركي ــ الأوروبي

غرينلاند... نتوء الصراع الأميركي ــ الأوروبي

المغرب اليوم -

غرينلاند نتوء الصراع الأميركي ــ الأوروبي

عبد الرحمن شلقم
بقلم : عبد الرحمن شلقم

غرينلاند أكبر جزيرة على سطح الأرض، يعيش فيها نحو 60 ألف نسمة. كان ترابها ثلجاً سميكاً، وزمنها يختلف عما يعرفه البشر. نهارها يمتدُّ أحياناً لشهرين كاملين. هي جزء أبيض صامت من مملكة الدنمارك. لها ربع استقلال عن المملكة الدنماركية الغنية، التي ترفل في الديمقراطية والرفاهية. سال لعاب الهيمنة الأميركية عليها منذ أكثر من قرن؛ فهي جغرافياً أقرب إلى أميركا الشمالية. للجغرافيا أسرارها التي تغري وتخيف وتشعل نيران الحروب. قالتِ العرب قديماً، «معظم النار من مستصغر الشرر».

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب صراحة، أنَّه يريد ضم جزيرة غرينلاند إلى الولايات المتحدة، طوعاً أو كرهاً. ارتعدت أوروبا من ذلك الإعلان، وتحول ذلك رعباً، بعدما قفز الجيش الأميركي إلى فنزويلا، وحمل رئيسها نيكولاس مادورو وزوجته مقيَّدَين إلى نيويورك. الماضي غير البعيد، جمع أميركا وأوروبا في حربين عالميتين، تصدتا فيهما لأنظمة معادية. الحرب العالمية الأولى أشعلتها رصاصات أطلقها شاب صربي متطرف على ولي عهد النمسا والمجر. الحرب العالمية الثانية أشعلها نتوء جغرافي صغير يدعى غدانسك الذي يقع بين بولندا وألمانيا؛ فقد غزته قوات هتلر بدعوى أنه جزء من ألمانيا، حيث يتحدث أغلب سكانه اللغة الألمانية. شاب صربي متطرف أشعل حرباً عالمية أولى، ونتوء جغرافي صغير أشعل حرباً عالمية ثانية. جزيرة غرينلاند الكبيرة، هل تكون النتوء الأبيض الكبير، الصاعق الذي يفجّر الصراع بين الحلفاء الكبار؟ الرئيس الأميركي يبرر شهوته لضم الجزيرة بهاجس أمني، هو أطماع كل من الصين وروسيا، في الفضاء المتجمد الذي بدأ يذوب؛ ما يشكل خطراً أمنياً حقيقياً، على الولايات المتحدة، في رأي دونالد ترمب.

تمرين اختبار تعيشه الآن كل من دول أوروبا والولايات المتحدة. عدد من الدول الأوروبية أرسلت مفارز عسكرية إلى الدنمارك للاشتراك في مناورة عسكرية مع الجيش الدنماركي، بعدما عاد وفد دنماركي سياسي من الولايات المتحدة، وأعلن فشله في الوصول إلى تفاهم سياسي مع نائب الرئيس ووزير الخارجية الأميركيين.

الأيام حُبلى وكذلك رؤوس القادة، والتكهن بالمواليد القادمين ضرب من لعبة النرد. لقد لوَّح رئيس الوزراء البريطاني الأسبق نيفيل تشمبرلين، بورقة اتفاق السلام مع أدولف هتلر على سلم طائرته بعد عودته من مؤتمر ميونيخ للسلام مع أدولف هتلر عام 1939، ولم تمضِ شهور حتى غزت القوات النازية الألمانية بولندا، واشتعلت الحرب العالمية الثانية. فائض القوة العسكرية يفعل فعله في العقول قبل أن تتحرك الآليات في البر والبحر والسماء. القوة العسكرية الضاربة هي النتوء الصاعق في رؤوس الأقوياء، أما الضعفاء فلا خنادق لهم، سوى الشكوى لمن لا يسمع آهاتهم. الرئيس ترمب، قدم ما يراه جزرة سلام، وهو خيار شراء جزيرة غرينلاند بديلاً عن استعمال القوة العسكرية لامتلاكها... أليس ذلك مبادرة سلام يستحق عليها جائزة نوبل؟ بلى؛ فبعض النوائب أهون من بعض.

ترمب أشعل في وجه دول أوروبا الضوء الأصفر. عقوبات جمركية متدحرجة، تبدأ من 10 في المائة على ما تستورده أميركا منها بداية من شهر فبراير (شباط) المقبل، لتصل بعد ذلك إلى 25 في المائة. العقوبات الاقتصادية سلاح سيؤلم أوروبا، التي تعاني أزمات مالية مربكة. العقوبات الاقتصادية سلاح حاربت به أميركا عشرات الدول، وهي الجولة الأولى في المعارك التي تسبق إطلاق النار.

الخلاف الأميركي – الأوروبي ليس وليد اليوم، رغم التحالف المبكر بين ضفتي الأطلسي بعد الحرب العالمية الثانية. الرئيس الفرنسي الأسبق الراحل الجنرال شارل ديغول، تحسس مبكراً من الهيمنة الأميركية وانسحب من قيادة الحلف الأطلسي العسكرية المتكاملة. نُقلت قيادة الحزب من باريس إلى بروكسل عام 1966، وكان له رؤيته الخاصة في بنية التحالفات الدولية بعد نهاية الحرب العالمية الثانية. كان يرى أن روسيا هي الأقرب إلى أوروبا من أميركا، لكن العائق آنذاك كان الآيديولوجيا الشيوعية، التي قام عليها الاتحاد السوفياتي. الموروث الديغولي لم يغب عن فرنسا، رغم ما شهدته البلاد من تحولات سياسية. عادت فرنسا إلى قيادة حلف شمال الأطلسي عام 2009 في عهد الرئيس نيكولاي ساركوزي، لكن التحسس الفرنسي من الهيمنة الأميركية على القرار الأوروبي ظلَّ حاضراً. الرئيس ماكرون تولى قيادة الموقف الأوروبي في مواجهة السياسة الأميركية، التي نهجها ترمب من الحرب الروسية على أوكرانيا إلى قضية جزيرة غرينلاند. حرَّك ماكرون المجموعة الأوروبية للرد على قرار ترمب برفع الرسوم الجمركية، على الدول الأوروبية المعارضة للاستيلاء الأميركي على الجزيرة بالمال أو بالسلاح.

التحالف الأميركي - الأوروبي يندفع بسرعة نحو التفكك، بل قد يدخل إلى حلبة الصدام السياسي والمالي، ويتحرك نحو حافة الصدام العنيف. كبُر شرر دونالد ترمب، والعالم كله يحبس أنفاسه، ويتابع الأصوات الهادرة، التي ترتفع على ضفتي الأطلسي، وتنذر بقادم بدأ عدَّه التنازلي. سقوف الرئيس ترمب السياسية متحركة دائماً. فلا نستبعد أن يعلن عن مشروع جديد، نحو الجزيرة البيضاء التي أغوته، ألم يقل في البداية إنه يريد أن يحول قطاع غزة ريفييرا على البحر الأبيض المتوسط، ثم انتهى إلى تشكيل حكومة فلسطينية لإدارتها؟

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

غرينلاند نتوء الصراع الأميركي ــ الأوروبي غرينلاند نتوء الصراع الأميركي ــ الأوروبي



GMT 05:45 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

شهادة من اليابان!

GMT 05:43 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

شجاع بين متخاذلين

GMT 05:36 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

ما بعد الأسبوع الرابع ؟!

GMT 05:31 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

معشرك

GMT 05:29 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

جلسة مسائية مع أسرة طهرانية

GMT 05:29 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

طرابلس في حرب إيران

GMT 05:27 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

القراءة المبكرة... هل تحققت؟

GMT 05:27 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

«أرتميس ــ 2» وأوان العودة إلى القمر
المغرب اليوم - مسيّرة إيرانية تستهدف مجمع الوزارات في الكويت

GMT 15:46 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

عائشة بن أحمد تشوق محبيها بعمل فني جديد
المغرب اليوم - عائشة بن أحمد تشوق محبيها بعمل فني جديد

GMT 19:02 2020 الجمعة ,01 أيار / مايو

أبرز الأحداث اليوميّة

GMT 07:08 2019 الأحد ,31 آذار/ مارس

شهر بطيء الوتيرة وربما مخيب للأمل

GMT 18:22 2021 الإثنين ,01 شباط / فبراير

يبدأ الشهر مع تنافر بين مركور وأورانوس

GMT 18:36 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

أعد النظر في طريقة تعاطيك مع الزملاء في العمل

GMT 19:17 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

يحاول أحد الزملاء أن يوقعك في مؤامرة خطيرة

GMT 16:39 2020 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

تعيش ظروفاً جميلة وداعمة من الزملاء

GMT 07:43 2020 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الجوزاء الجمعة 30 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:00 2017 الأربعاء ,15 شباط / فبراير

شركة "بورش" تعلن عن مركبتها المميّزة "باناميرا 2018"

GMT 12:41 2023 الإثنين ,25 كانون الأول / ديسمبر

الطابع العصري يطغى على إطلالات ريم السعيدي في 2023

GMT 20:32 2016 الثلاثاء ,12 كانون الثاني / يناير

فوائد الريحان لعلاج القرح والجروح

GMT 12:10 2023 الأربعاء ,15 تشرين الثاني / نوفمبر

إردوغان يؤكد أن إسرائيل دولة إرهابية وأن نهاية نتنياهو اقتربت
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib