البابا ليو تعلموا من لبنان

البابا ليو: تعلموا من لبنان!

المغرب اليوم -

البابا ليو تعلموا من لبنان

بقلم - سوسن الأبطح

كانت المشاهد مؤثرة، طوال الأيام الثلاثة التي زار فيها البابا ليو الرابع عشر لبنان. من الاستقبال إلى الوداع، مروراً بالزيارات الدينية والصلوات، كانت الطوائف حاضرة، لا تعرف المسلم من المسيحي، والدرزي من العلوي. فرحة غمرت القلوب، وفيض من الراحة سكن النفوس. لعله الإحساس بأن بابا الفاتيكان هنا، وأن إسرائيل مردوعة، على الأقل لساعات أو هي رغبة وطنية مضمرة، في أن يعبّر الكل عن حاجته إلى الكل، في تواصل وجداني جامع.

تبين أن ما نقرأه على وسائل التواصل من مناكفات مقززة، وبغضاء مستشرية، هو فعل خوارزميات، وذباب مقيت، ورسائل تكتب في غرف سوداء. كيف أقنعونا بأن زينة لعيد الميلاد، لمجرد طابعها الشرقي، أشعلت فتنة في الخطاب؟

عبّر آلاف المصطفين على الطرقات، تحت المطر وفي البرد، والزاحفين إلى البطريركية، والمتهافتين على رؤية البابا، والمتسمرين أمام الشاشات، عن عطش لمحبة لا تفرق، وفسحة تجمع، وعناق يطمئن. كتب موقع «المونيتور»: «حظي البابا باستقبال كأنه نجم روك في لبنان».

كثرٌ بكوا، وسكبوا دموعاً فيّاضة، وهم يكتشفون سماحة غطتها طويلاً غلالات الخطابات السياسية، والتوظيفات الحزبية. لحظات سلام، بلا حسابات وخلفيات. مجرد أناس متشابهين في توقهم إلى الانعتاق والخلاص. بكى المسلمون وهم يسمعون القرآن يتلى بعد التراتيل المسيحية بصوت خشوع ومتضرع، وبكى المسيحيون وهم يرون الفتيات المسلمات المحجبات ينشدن للسيدة مريم. وفاضت دموع الألم الغامر عندما كان أهالي ضحايا انفجار المرفأ يحملون صور أحبائهم الراحلين، ويحكون للبابا عن جراحهم النازفة.

وصل البابا ليو في الزيارة الأولى له خارج الفاتيكان متحفظاً، متهيّباً، وغادر معانقاً، متمنياً أن تعمّ «روح الأخوة» اللبنانية كل المنطقة، وأن يشكل التعاون الذي رآه بين المسلمين والمسيحيين نموذجاً تحتذي به أميركا وأوروبا. قصص التعاضد والتلاحم التي سمعها في بلاد الأرز بين المسلمين والمسيحيين، «هي دروس عظيمة»، يجب أن تجعلنا أقل خوفاً من الآخر. قال لهم: «تعلموا من لبنان» مقارناً ما رآه مع «المعاملة اللاإنسانية» للمهاجرين في الغرب، و«عقلية الإقصاء»، بدل «فتح الحدود بين الشعوب وهدم الحواجز بين الطبقات والأعراق».

ليست المرة الأولى التي يغتنم فيها اللبنانيون فرصة زيارة باباوية لتضميد جراحهم. عندما زارهم البابا يوحنا بولس الثاني عام 1997، في عزّ الاحتدام مع الاحتلال السوري، حاملاً «الإرشاد الرسولي» تعلق اللبنانيون بالأمل، واجتمعوا معاً لرجاء تحررهم. وعندما جاء البابا بنديكتوس السادس عشر عام 2012، كان الرعب من تمدد نيران الثورة السورية يهزّ لبنان، وآلاف اللاجئين المقهورين يتدفقون طلباً للحماية.

هذه المرة المناخ أكثر خطراً. القصف الإسرائيلي يومي. الضحايا بالمئات منذ وقف النار المزعوم، الأبرياء يتساقطون، بينهم الطفلة أسيل شرارة التي لا تزال جراحها مفتوحة، بعدما فقدت والدها وإخوتها رافقتها أمها الثكلى أماني للقاء البابا.

في الوقت الذي تدرس دول أوروبية تحديد ما يلبسه المسلم، وأي ساعة يأكل، وفي أي عمر يحق له أن يصوم، تعيش الطوائف في لبنان رغم الحروب والانهيارات والقصف المتواصل، والنكد الحزبي، حالة نادرة من السماحة الاجتماعية والدينية. في زمن الحقد والبغضاء، ثمة مقاومة شرسة لمحاولة انتزاع الرحمة من بين الناس، وتحويلهم إلى مجرد أدوات انتقامية.

لكن إسرائيل لا تحتمل هذا الصنف من الاجتماع. ما كاد البابا يقول كلمته الأخيرة في المطار، موجهاً نداءً لوقف الأعمال العدائية على لبنان، «لأن الصراع المسلح لم يعد يؤتي ثماراً. داعياً إلى الحوار»، حتى كانت إسرائيل تبعث بمسيراتها لتحوم فوق الجنوب وبيروت، وتهدد بحرب وشيكة.

من الصعب لإسرائيل التي تتباهى بيهودية الدولة، وترفض التعددية، وتفاخر بالتفوق على باقي الخلق، وتجاهر بالقتل، وإعدام الأسرى والجرحى والأطفال، ويخرج رئيس وزرائها متبجحاً بأنه يضرب في كل مكان ويغير الخرائط، ويبيد البشر؛ أن تتقبل لبنان بروحه التناغمية.

مشهد التلاحم اللبناني، بوجود أكثر من 130 وسيلة إعلامية، كان مؤذياً لإسرائيل حين يقارن بـ«التطهير العرقي»، و«الفصل العنصري»، و«الإبادة الجماعية». لا بل إن وجود النقيضين على بقعة جغرافية واحدة هو مما يحبذ إنهاؤه.

الزيارة روحية، لكن البابا، وهو أول أميركي على رأس الكنيسة الكاثوليكية، كشف في طائرة المغادرة، أنه سبق وتواصل مع الرئيس ترمب وإسرائيل بشأن لبنان، وسيتواصل من جديد. ولم يخفِ أنه في لبنان، أجرى في الكواليس «اتصالات مع أطراف في الصراع»، وأن ليس كل ما يحصل يقال.

لبنان في عين العاصفة، في «زمن انفجار كل الآيديولوجيات»، على قول الكاتب الفرنسي الأكثر قراءة إيمانويل تود. وقت يشبه سقوط الاتحاد السوفياتي، لا بل أشد خطراً. يومها تصدعت بنى، وتهاوت أفكار وقيم، وانتعشت النيوليبرالية لثلاثة عقود، وها هي تنتهي إلى جنون عبث ولا مبالاة.

أقوى ما يملكه لبنان، وهو يقف في وجه تسونامي الكراهية الذي يقتلع الأشجار المثمرة، هو تلك اللحمة الإنسانية السمحاء التي تجلّت متوهجة، خلال هذه الزيارة.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

البابا ليو تعلموا من لبنان البابا ليو تعلموا من لبنان



GMT 00:41 2026 السبت ,23 أيار / مايو

سرُّ الصفعة الرئاسية

GMT 00:40 2026 السبت ,23 أيار / مايو

أميركا من «بيرل هاربر» إلى 11 سبتمبر

GMT 00:39 2026 السبت ,23 أيار / مايو

هل مشكلة إيران في زيادة عدد الشعب؟

GMT 00:38 2026 السبت ,23 أيار / مايو

إدارة الفرصة على الطريقة الصينية

GMT 00:37 2026 السبت ,23 أيار / مايو

مأزق القرار في طهران

GMT 00:36 2026 السبت ,23 أيار / مايو

أميركا بين العلمانية والموجة الدينية

GMT 23:59 2026 الجمعة ,22 أيار / مايو

هدنة أسوأ من الحرب

GMT 23:57 2026 الجمعة ,22 أيار / مايو

جبهة إيران العراقية

يارا السكري تخطف الأنظار بإطلالات راقية في مهرجان كان 2026

باريس - المغرب اليوم

GMT 16:20 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

آبل تصنف iPhone 11 Pro ضمن قائمة المنتجات القديمة

GMT 16:47 2022 الجمعة ,14 كانون الثاني / يناير

حزب التجمع الوطني للأحرار" يعقد 15 مؤتمرا إقليميا بـ7 جهات

GMT 13:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 07:50 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

سعر الذهب في المغرب اليوم السبت 31 يناير/ كانون الثاني 2026

GMT 11:36 2018 الإثنين ,15 كانون الثاني / يناير

سعر الدولار الأميركي مقابل دينار عراقي الإثنين

GMT 18:09 2019 الثلاثاء ,01 تشرين الأول / أكتوبر

كيف تنسقين الجاكيت البليزر على طريقة المدونات المحجبات؟

GMT 09:00 2019 الجمعة ,10 أيار / مايو

ماهو التعلّم النشط من منظور إسلامي؟

GMT 20:05 2018 الأربعاء ,24 تشرين الأول / أكتوبر

سعر برميل النفط الكويتي ينخفض إلى 76.59 دولار الأربعاء

GMT 06:41 2018 السبت ,06 تشرين الأول / أكتوبر

تعرفي على أفضل الجزر الآسيوية لقضاء شهر عسل رومانسي

GMT 18:23 2018 الأربعاء ,03 تشرين الأول / أكتوبر

إيقاف محمد أمين بنهاشم مُدرّب أولمبيك خريبكة مباراتين

GMT 12:27 2014 السبت ,12 تموز / يوليو

الفنانة العراقية سحر طه تغني بغداد

GMT 05:30 2018 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

عرض استثنائي لـ"فيتون" لوداع المدير الفني الخاص بها

GMT 09:24 2018 الإثنين ,01 كانون الثاني / يناير

أجمل بروشات الفاخرة التي تناسب موسم الأعياد

GMT 08:11 2012 الجمعة ,22 حزيران / يونيو

برنت يتراجع عن مستوى 104 دولارات للبرميل

GMT 23:04 2016 الجمعة ,21 تشرين الأول / أكتوبر

التصريف اللمفاوي مفيد لمشاكل الجهاز اللمفاوي

GMT 14:15 2016 الأربعاء ,27 كانون الثاني / يناير

فوائد الشطة لعلاج مرض الصدفية
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib