بين وهْم العقيدة والتهور اليائس

بين وهْم العقيدة والتهور اليائس

المغرب اليوم -

بين وهْم العقيدة والتهور اليائس

سام منسى
بقلم : سام منسى

مرة جديدة يؤخذ لبنان عنوة إلى حيث لا يريد في قلب عاصفة إقليمية مزلزلة، جراء إقدام «حزب الله» على إطلاق صواريخ باتجاه إسرائيل، وردت الأخيرة بقصف واسع طال قرى الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت، وتوغل إضافي في الجنوب. هذه التطورات حثت مجلس الوزراء على تبني موقف غير مسبوق أدان فيه هذه الخطوة، واعتبرها تعدياً على الدولة وقراراتها، معلناً حظر الأنشطة العسكرية والأمنية لـ«حزب الله». اللافت في هذا التطور كان امتناع الشريك في الثنائية الشيعية، «حركة أمل»، عن الاعتراض، في إشارة سياسية ذات دلالات على مستوى البيئة الحاضنة وتوازنات الداخل تتجاوز اللحظة العسكرية. وفي موازاة ذلك، أبلغت الإدارة الأميركية لبنان أن اتفاق وقف الأعمال العدائية الذي أُبرم بعد حرب الإسناد والإشغال لم يعد قائماً، وأن واشنطن لم تعد في وارد تقديم دعم عسكري للجيش اللبناني في ظل استمرار واقع السلاح خارج الدولة.

تفتح التطورات الباب أمام سؤال لم يعد ممكناً تأجيله: إذا كان اتفاق وقف العمليات القتالية قد عُقد بين إسرائيل وطرف غير دولتي كانت فيه السلطة اللبنانية مجرد وسيط عبر رئيس البرلمان نبيه برّي، ألا يفرض الواقع الجديد الانتقال إلى إطار مختلف؛ أي إلى اتفاق بين إسرائيل والدولة اللبنانية نفسها، يكون امتداداً محدثاً لاتفاق الهدنة، ويرتكز إلى مبدأ واضح هو وقف انخراط لبنان في النزاع العسكري مع إسرائيل، ووضع حد نهائي للأعمال القتالية عبر الحدود؟ هذا الطرح لا يعني انتقال لبنان إلى موقع سياسي جديد في الصراع، بل إعادة تثبيت موقعه الدستوري كدولة، بعد عقود من تآكل القرار السيادي.

ينطلق هذا النقاش من واقعية أثبتتها التجربة؛ فالحروب المتكررة أظهرت أن لبنان يدفع تكلفة تفوق قدرته بكثير، في حين يفتقر إلى أدوات التأثير في مسار النزاع، ليغدو ساحة صراع أكثر منه طرفاً مقرراً. من هنا، لا يُطرح تحديث منطق الهدنة بضمانات دولية كقفزة نحو تسوية كبرى أو سلام نهائي، بل كخيار يقوم على إدارة المخاطر الوطنية؛ أي تقليل الكُلَف الوجودية وحماية الاستقرار الداخلي. فالدول الصغيرة لا تختار بين الحرب والسلام بقدر ما تسعى إلى تحصين نفسها من الانهيار، وقد انتقلت دول عربية عدة إلى هذه المقاربة بعد عقود من المواجهات المفتوحة. وتكتسب هذه المقاربة شرعية تاريخية أيضاً. ففي عام 1949 لم يكن اتفاق الهدنة استسلاماً، بل خياراً سيادياً لحماية الدولة الوليدة. واليوم قد يكون لبنان أمام لحظة مشابهة تتطلب شجاعة سياسية لاتخاذ خيار عقلاني يحمي المجتمع والاقتصاد، دون أن يعني خروجاً عن الإجماع، أو تراجعاً عن القضية الفلسطينية، خصوصاً أن استمرار الحروب لم يحقق تقدماً فعلياً لها، بل أضعف مؤسساتها وعمّق انقساماتها، في حين قد يتيح استقرار لبنان دعم الحقوق الفلسطينية بوسائل سياسية ودبلوماسية أكثر فاعلية.

وانطلاقاً من هذه الواقعية، يصبح الرهان على إطلاق مسار دبلوماسي فوراً من خارج الصندوق يهدف إلى مشروع دولي – إقليمي متكامل يعيد للبنان شرعيته الدولية، وتعريف دوره الإقليمي من موضوع للعقوبات والضغوط إلى شريك في الاستقرار الإقليمي. يقوم هذا المسار على تثبيت مرجعية الدولة في قرار الحرب والسلم، وربط استقرار الجنوب بخطة إنقاذ اقتصادي تعيد إطلاق الدعم والاستثمار، وتأمين ضمانات عربية ودولية مستدامة. ويتطلب ذلك انتقال الخطاب اللبناني من ثنائية المقاومة أو الاستسلام إلى مفهوم السيادة الفاعلة؛ أي حماية الدولة لمجتمعها، ومنع تحويل أراضيها إلى ساحة لصراعات الآخرين.

هذا الطرح يواكب التحولات الإقليمية الأخيرة التي تشير إلى تبدل عميق في بنية الصراع مع إسرائيل، من اتفاقات سابقة إلى تراجع المنظمات الخارجة عن الدولة عسكرياً وسياسياً وشعبياً بعد تكلفة حربَي غزة ولبنان، وما رافقهما من اقتناع متزايد بحدود المقاربة العسكرية، وصولاً إلى الإعلان العربي - الإسلامي في نيويورك وشرم الشيخ الالتزام بمسار السلام. ويتعزز هذا التحول بالمسار السوري بعد سقوط نظام الأسد، واتجاه دمشق إلى التركيز على الاستقرار وإعادة البناء والانفتاح الاقتصادي بدل الاستثمار الآيديولوجي في الصراع. كما أن التداعيات الكبرى للحرب على إيران، بما فيها اغتيال المرشد وما نتج عنه من اهتزاز في منظومة ولاية الفقيه، أعادت خلط التوازنات الإقليمية، بما ينعكس مباشرة على لبنان، ويضعه أمام بيئة استراتيجية مختلفة جذرياً عن تلك التي حكمت العقود الماضية. يبقى على لبنان العمل الجدي مع أميركا والدول العربية الصديقة للضغط على إسرائيل لتُلاقي لبنان في منتصف الطريق على خلفية السؤال الحاسم: هل تريد إسرائيل فعلاً سلاماً إقليمياً مستداماً، أو تفضّل إدارة الصراع بدل إنهائه؟

في النهاية، لا يتعلق الأمر باتفاق تقني، بل باختيار لبنان أن يكون دولة تسعى إلى الاستقرار والتنمية والمشاركة في النظام الإقليمي الجديد، وربما التحول إلى جسر تفاوضي ومنصة حوار بين أطراف متنازعة. اللحظات التاريخية لا تتكرر كثيراً، وما يجري اليوم قد يكون فرصة نادرة.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

بين وهْم العقيدة والتهور اليائس بين وهْم العقيدة والتهور اليائس



GMT 05:45 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

شهادة من اليابان!

GMT 05:43 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

شجاع بين متخاذلين

GMT 05:36 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

ما بعد الأسبوع الرابع ؟!

GMT 05:31 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

معشرك

GMT 05:29 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

جلسة مسائية مع أسرة طهرانية

GMT 05:29 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

طرابلس في حرب إيران

GMT 05:27 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

القراءة المبكرة... هل تحققت؟

GMT 05:27 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

«أرتميس ــ 2» وأوان العودة إلى القمر

النجمات يودّعن الشتاء بإطلالات جريئة

باريس - المغرب اليوم

GMT 10:19 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

إلهام شاهين تتمنى التعاون مع يسرا في رمضان 2027
المغرب اليوم - إلهام شاهين تتمنى التعاون مع يسرا في رمضان 2027

GMT 10:11 2026 السبت ,07 شباط / فبراير

مشروبات طبيعية لنوم هانئ في الشتاء

GMT 13:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 02:01 2019 الأحد ,20 كانون الثاني / يناير

مرق العظام يُساعد على تعزيز صحة القلب والأوعية الدموية

GMT 04:03 2017 الإثنين ,25 كانون الأول / ديسمبر

السلطة الفلسطينية تدرس إعلان أراضيها دولة تحت الاحتلال

GMT 00:38 2013 الجمعة ,01 آذار/ مارس

"دبي الإسلامي" يعرض الاستحواذ على "تمويل"

GMT 21:58 2021 السبت ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

شرط واحد يفصل أوناجم للعودة إلى أحضان الوداد الرياضي

GMT 01:53 2018 الخميس ,20 أيلول / سبتمبر

مكسيم خليل يبيّن أن "كوما" يعبر عن واقع المجتمع

GMT 07:03 2018 الأربعاء ,24 كانون الثاني / يناير

نجم مولودية الجزائر يُؤكّد قدرة الفريق على الفوز بالدوري

GMT 19:21 2018 الإثنين ,08 كانون الثاني / يناير

فتح الناظور يتعاقد مع المدرب المغربي عبد السلام الغريسي

GMT 13:29 2017 الأحد ,26 آذار/ مارس

طرق تجويد التعليم
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib