قراءة للأسابيع الستة الأولى من الحرب

قراءة للأسابيع الستة الأولى من الحرب

المغرب اليوم -

قراءة للأسابيع الستة الأولى من الحرب

بقلم : سام منسي

في ظل حالة عدم اليقين التي تكتنف الحرب في إيران، من المبكر الحديث عن اليوم التالي. الأجدى في هذه المرحلة محاولة استخلاص ما أفرزته ستة أسابيع من الحرب من دروس، ومحاولة قراءة النتائج المحتملة لمستقبل المنطقة.

الحرب أكدت المؤكد لكثير من المتابعين: إيران لا تزال مسكونة بالثورة أكثر منها دولة طبيعية سوية، وبالتالي لن تنعم المنطقة بسلامها المنشود الحقيقي ما لم تتغير طبيعة النظام ليصبح دولة قانون عادية، أو تقيّد قدراته على إسقاط القوة عبر الأسلحة النووية والطائرات المسيّرة والصواريخ والإرهاب والوكلاء.

الأمر الأول، أنه في هذا الصراع، لا تزال إيران قادرة حتى الآن على إعطاء الأولوية لمهمتها الآيديولوجية في الهيمنة الإقليمية والتشدد الديني على حساب سكانها وحلفائها واقتصادها وحتى خسائرها العسكرية، بطريقة تعجز عنها معظم الدول الحديثة الطبيعية. فمهما بلغت مستويات الخسائر على الصعد كافة، تنتصر القوى غير النظامية بمجرد عدم القضاء عليها. لا شك في أن قدرات إيران ستتراجع بفعل الأضرار الجسيمة التي منيت بها، لكن العقول المؤدلجة التي تقودها لن تتراجع، وستسعى إلى إعادة بناء شبكة وكلائها وبرامجها التسليحية لتحدي الوضع القائم مجدداً. كما لا ضمان أن ينتفض الشعب، أو أن تكون النتيجة دولة طبيعية، بل فوضى، أو ديكتاتورية غير آيديولوجية، لكنها ديكتاتورية على نمط أنظمة الأسد وصدام والقذافي.

الأمر الثاني، هو التحول النوعي في علاقة إيران مع دول الخليج، إذ تصعب العودة إلى ما قبل هذه الحرب، ولا حتى إلى مرحلة التهدئة الحذرة التي سادت مؤخراً. فاستهداف منشآت حيوية وبنى تحتية مدنية وبكثافة فاقت ما أصاب إسرائيل، لم يُقرأ بوصفه رداً ظرفياً على الوجود الأميركي، بل بوصفه اعتداءً مباشراً على الدولة الوطنية.

هنا يتغير المعنى. لم تعد إيران تُتهم فقط بزعزعة الاستقرار عبر وكلاء، بل بالاستعداد لضرب عمق الدول نفسها. هذا كافٍ لإحداث قطيعة في الثقة، قد لا تتحول إلى حرب مفتوحة، لكنها ستترجم إلى ردع أشد وتحالفات أكثر صلابة وشروط أقسى لأي تفاهم لاحق.

والأفدح أن الحرب كشفت عن خطر تهديد قديم - جديد، هو البعد الشبكي في المنطقة. ففكرة «الخلايا النائمة» المدعومة من طهران في بعض الدول، لم تعد شأناً أمنياً بل تعد واقعاً سيُبنى عليه. فمع انتهاء المعارك، سيتحول الصراع إلى مواجهة داخلية صامتة: تفكيك شبكات، وضبط تمويل، ومراقبة بيئات اجتماعية يُخشى اختراقها. أي أن الحرب ستغادر شكلها العسكري لتستقر في شكل أمني طويل الأمد، تكون فيه السيادة مرادفة للقدرة على تحصين الداخل لا فقط ردع الخارج.

الأمر الثالث، هو ما أظهرته دول الخليج من قدرة على الصمود وامتصاص الصدمات، ليس فقط عبر تعزيز قدراتها الدفاعية، بل من خلال تنويع أدوات الردع بين العسكري والأمني وإدارة المخاطر. ومع ذلك يبقى النزاع مفتوحاً بين الانزلاق نحو تصعيد يستهدف البنى التحتية الحيوية، خصوصاً الطاقة، مع آثار إقليمية وعالمية طويلة الأمد، أو الانتقال إلى مسار تفاوضي قد يفضي إلى تسوية أكثر رجحاناً من التهدئة.

الأمر الرابع، أن التفوق العسكري لا يضمن الحسم. فإسرائيل غير قادرة على إنهاء الصراع بمفردها، ما يبرز دور الولايات المتحدة بصفتها قوة حاسمة تُختبر مصداقية ردعها عالمياً، لكنها تواجه تحدي التكيف مع تهديدات منخفضة التكلفة، إلى جانب خلل مزمن في ربط الأهداف السياسية بالوسائل العسكرية، ما يحدّ من قدرة هذا التفوق على التحول إلى نتائج استراتيجية مستقرة.

لم تصل الحرب الأميركية - الإسرائيلية ضد إيران إلى لحظة الحسم، بل ما زالت تتأرجح بين التصعيد ومحاولات الاحتواء. لكن للمفارقة، قد تبدو ملامح المستقبل في المنطقة أكثر وضوحاً لأن ما جرى كسرَ توازنات كانت قائمة وأسقطَ أوهاماً استمرت لسنوات. نحن أمام حرب لا تُنهي مرحلة بقدر ما تفتح أخرى، عنوانها إعادة تعريف السيادة بالمنطقة.

والأهم، وضوح الرؤية بعد التباس مزمن في عدد من الدول كانت فيها الحدود بين الدولة واللادولة ضبابية، وبين الردع والفوضى غير واضحة. الحرب جاءت لتزيل هذا الغموض بعنف، ولتطرح سؤالاً بسيطاً وصعباً في آن: من يملك القرار داخل هذه الدول؟ الإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد شكل المنطقة في السنوات المقبلة، لا نتائج المعارك وحدها.

المحصلة أن الصراع سيعيد تشكيل المنطقة، ويطرح أسئلة جوهرية حول توازن القوى، واستقرار النظام الدولي، ودور الولايات المتحدة، هل يستمر أم يتراجع؟ في ظل تصاعد عدم الاستقرار وصعوبة تحقيق حسم نهائي. أما الدول العربية، فستجد نفسها أمام اختبار على ثلاث جبهات: تحصين سيادتها في مواجهة الخارج، وأهمية الشراكة في التسويات مع إيران، وتحصين عقدها الداخلي بحيث لا تستغل لتصفية الصراعات.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

قراءة للأسابيع الستة الأولى من الحرب قراءة للأسابيع الستة الأولى من الحرب



GMT 07:30 2026 الإثنين ,06 إبريل / نيسان

لا يفقدان

GMT 07:28 2026 الإثنين ,06 إبريل / نيسان

سجادة الجمر الإيراني

GMT 07:27 2026 الإثنين ,06 إبريل / نيسان

إيران وإسرائيل ونحنُ... ماذا لو؟!

GMT 07:26 2026 الإثنين ,06 إبريل / نيسان

ثلاث حروب لا حرب واحدة

GMT 07:25 2026 الإثنين ,06 إبريل / نيسان

طلقات «فشنك»!

GMT 10:58 2026 الأحد ,05 إبريل / نيسان

كله من "هرمز"!

GMT 10:57 2026 الأحد ,05 إبريل / نيسان

البعثة القمرية

GMT 10:56 2026 الأحد ,05 إبريل / نيسان

صفقة ظريف غير الظريفة

GMT 12:06 2026 الإثنين ,06 إبريل / نيسان

حمادة هلال يكشف أسرارا لأول مرة عن المداح
المغرب اليوم - حمادة هلال يكشف أسرارا لأول مرة عن المداح

GMT 19:53 2019 الجمعة ,03 أيار / مايو

تمتع بالهدوء وقوة التحمل لتخطي المصاعب

GMT 21:14 2019 الجمعة ,06 أيلول / سبتمبر

تجنب اتخاذ القرارات المصيرية أو الحاسمة

GMT 21:02 2017 الأحد ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

"اصاحبى" يجمع بيومي فؤاد مع محمد ثروت

GMT 12:45 2018 الجمعة ,09 تشرين الثاني / نوفمبر

ندوة أدبية بعنوان"روايات مرئية" في "الشارقة الدولي للكتاب"

GMT 05:38 2017 السبت ,02 كانون الأول / ديسمبر

عمرو الليثي يُوضّح كواليس آخر حوار أجرته الراحلة شادية

GMT 00:24 2016 الثلاثاء ,29 تشرين الثاني / نوفمبر

اليابان تخطط لبناء أسرع حاسب عملاق في العالم

GMT 18:52 2017 الخميس ,05 تشرين الأول / أكتوبر

أنباء عن تغيير موعد مواجهة نهضة بركان والوداد البيضاوي

GMT 00:51 2017 الإثنين ,23 تشرين الأول / أكتوبر

رامي رضوان يؤكد أن تقديم توك شو صباحي أسهل من المسائي

GMT 11:18 2015 الجمعة ,17 تموز / يوليو

السجن لأب أسترالي زوج ابنته ذات الـ12 عام

GMT 00:45 2015 الأربعاء ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

أحمد شاغو يطالب الجماهير المراكشية بالعودة إلى المدرجات

GMT 08:16 2024 الإثنين ,27 أيار / مايو

إصابة وزير الثقافة المغربي بفيروس كوفيد -19
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib