ترومان شو والإنسان السلعة

ترومان شو والإنسان السلعة

المغرب اليوم -

ترومان شو والإنسان السلعة

خالد منتصر
بقلم : خالد منتصر

الفن الجيد هو قارئ كف جيد، يرصد النبوءة فى الخيال، فتتحقق واقعًا، ليس لأن الفنان ساحر، لكن لأنه حساس، مثل فئران السفينة الذين يحسون بنذر الخطر قبل غرقها، مثل زرقاء اليمامة التى بالبصر والبصيرة شاهدت الأعداء على بعد أميال فأخبرت قبيلتها التى أدمنت المألوف والبديهى والمستقر، لذلك دائما أشاهد تلك القطع السينمائية المتفردة، مرات ومرات، وأنقب عن مجوهرات الفن السابع كل فترة لأشحن بطارية الخيال، وأقرأ المستقبل بعين الفنان المبدع، لا عين المنجم الفلكى، منذ يومين شاهدت فيلم «ترومان شو» للمرة الثالثة، وقت نزوله ١٩٩٨ قرأته على مستوى الرمز الفلسفى العام، لكنى هذه المرة شاهدت نبوءته المذهلة وهى تتحقق فى السوشيال ميديا أمامى، ونحن نتحول إلى سلع بشرية فى سوق نخاسة كبير بمساحة العالم، نحن لا نقرأ الفيس بوك بل هو الذى يقرأنا، نحن لا نتصفح جوجل بل هو الذى يتصفحنا ويعرينا ويقتحمنا، نحن لا نحمل الموبايل، لكنه هو الذى يحملنا نحن وأسرارنا فى داخله، يربطنا كما يربط الهيروين مدمنه، لن أتحدث عن الجوانب الفنية وعلى رأسها العصا السحرية التى حولت جيم كارى من الكوميديا التى تعتمد على حركات الجسد ومرونته إلى ممثل دراما فلسفية، يطرح مشاكل وجودية، لا تطرح إلا فى كتب الفلسفة، سيقتصر المقال على قراءة ما بين السطور، ما وراء الستار الظاهر، محاولة لعمل رنين مغناطيسى لنبوءة إبداعية ظهرت قبل الفيسبوك بست سنوات، وشرحت، وشّرحت تفاصيل استلابه لنا هو ورفاقه، وتحويلنا إلى سلع تجارية، ومانيكانات إعلانات تتنفس وتتناسل، ترومان بيربانك (جيم كارى) يعيش حياة تبدو مثالية فى مدينة جميلة اسمها سيهافن.

لكنه لا يعرف حقيقة صادمة، هو لا يعرف أنه منذ ولادته نجم برنامج تليفزيونى ضخم، وأن العالم كله يشاهده مباشرة دون أن يدرى!، مدينته ليست حقيقية، هى استوديو عملاق مغلق بقبة صناعية، كل من حوله، زوجته، أصدقاؤه، المارة.. ممثلون، كل تفصيلة فى حياته مكتوبة فى سيناريو، «كريستوف» هو المخرج الذى يدير حياته بالكامل ويستعمل كاميرات مخفية فى كل مكان، إنه إله حياته المصطنعة المزيفة، ترومان يبدأ يلاحظ إشارات غريبة، ضابط يناديه باسمه، سقوط مصباح إضاءة من السماء، صوت مذيعين يراقبون تحركاته، تكرار روتينى لنفس الأشخاص فى نفس الأماكن، وهنا يطرح السؤال الفلسفى الأساسى: هل حياتى حقيقية أم مجرد تمثيل؟، وتتوالى الأسئلة: كيف يمكن صنع «واقع» للإنسان بحيث يصدق ما يُقدَّم له، دون أن يخطر بباله الشك؟، هل يفضل الإنسان الحقيقة حتى لو كانت مؤلمة، أم يعيش فى الوهم المريح؟، يأتى الرد من المخرج كريستوف: «نحن نقبل العالم الذى يُقدَّم لنا»، ترومان يكسر حاجز الخوف ويبدأ فى السفر بالقارب، رغم أن كريستوف يصنع عاصفة ويرتفع بالموج ليقتله، لكنه ينجو بالإرادة، إرادة أن يكون نفسه، لا دمية فى يد قوى خفية، ترومان يهرب بالقارب رغم خوفه المرضى من الماء، ذلك الخوف الذى زُرع فيه منذ طفولته، هنا يقرر أن يواجه مصدر خوفه بدل أن يهرب منه، يصل إلى جدار السماء، فيكتشف السلالم التى تقوده إلى باب الخروج من العالم الكاذب، يسأله كريستوف بصوت جهورى من السماء: «أنا أعرفك أفضل من نفسك».

فيجيبه ترومان بابتسامة مطمئنة: «صباح الخير.. وإذا لم نراكم، فمساء الخير، وتصبحوا على خير»، ويبدأ فى محاولة الهروب من العالم المزيف، يواجه المطبخ الذى طبخ له الحقيقة المصنوعة، السرديات الملحة المحيطة بنا التى تصنع وعينا وتشكل هويتنا، الإعلام، السياسة، الدين، عادات وتقاليد المجتمع المتوارثة، كلها قد تصنع الواقع البديل للإنسان، أو ما نطلق عليه حديثا الواقع الافتراضى، الفيلم يعيد طرح سؤال سارتر الوجودى الصادم والذى يحملنا المسؤولية الجسيمة المؤلمة «الإنسان محكوم عليه أن يكون حرًا»، ويواجهنا بالحقيقة التى نهرب منها، وهى أن الحرية لا تُمنح، بل تُنتزع، عالم ترومان هو التجسيد السينمائى لكهف أفلاطون، الكهف هو الاستوديو، عالم ترومان المغلق مثل الكهف، مغلق بقبة تمنعه من رؤية الحقيقة، الظلال هى الحياة المصنوعة، الأحداث والمشاهد التى يراها ترومان منذ طفولته تشبه «الظلال» التى يعتقد السجناء أنها الحقيقة، الهروب هو بداية الحصول على نار المعرفة، ترومان عندما يكتشف أنه يعيش فى كذبة، يبدأ فى صعود «السلم»، تمامًا كما يصعد السجين إلى سطح الكهف، الخروج إلى الضوء بمثابة الوصول للحقيقة، خروج ترومان من الباب يشبه خروج السجين من الكهف إلى النور، كريستوف صانع الظلال، وخالق الديموقراطية المزيفة الذى يتحكم فى ما يراه السجناء، نحن فى زنزانة الواقع الافتراضى، مراقبون، حتى أنفاسنا معدودة علينا، ونحن ما زلنا نظن أن تلك هى الحقيقة، للأسف نحن فى الحقيقة مجرد سلع فى سوق الميديا.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ترومان شو والإنسان السلعة ترومان شو والإنسان السلعة



GMT 05:45 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

شهادة من اليابان!

GMT 05:43 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

شجاع بين متخاذلين

GMT 05:36 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

ما بعد الأسبوع الرابع ؟!

GMT 05:31 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

معشرك

GMT 05:29 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

جلسة مسائية مع أسرة طهرانية

GMT 05:29 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

طرابلس في حرب إيران

GMT 05:27 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

القراءة المبكرة... هل تحققت؟

GMT 05:27 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

«أرتميس ــ 2» وأوان العودة إلى القمر

GMT 15:46 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

عائشة بن أحمد تشوق محبيها بعمل فني جديد
المغرب اليوم - عائشة بن أحمد تشوق محبيها بعمل فني جديد

GMT 19:02 2020 الجمعة ,01 أيار / مايو

أبرز الأحداث اليوميّة

GMT 07:08 2019 الأحد ,31 آذار/ مارس

شهر بطيء الوتيرة وربما مخيب للأمل

GMT 18:22 2021 الإثنين ,01 شباط / فبراير

يبدأ الشهر مع تنافر بين مركور وأورانوس

GMT 18:36 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

أعد النظر في طريقة تعاطيك مع الزملاء في العمل

GMT 19:17 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

يحاول أحد الزملاء أن يوقعك في مؤامرة خطيرة

GMT 16:39 2020 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

تعيش ظروفاً جميلة وداعمة من الزملاء

GMT 07:43 2020 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الجوزاء الجمعة 30 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:00 2017 الأربعاء ,15 شباط / فبراير

شركة "بورش" تعلن عن مركبتها المميّزة "باناميرا 2018"

GMT 12:41 2023 الإثنين ,25 كانون الأول / ديسمبر

الطابع العصري يطغى على إطلالات ريم السعيدي في 2023

GMT 20:32 2016 الثلاثاء ,12 كانون الثاني / يناير

فوائد الريحان لعلاج القرح والجروح

GMT 12:10 2023 الأربعاء ,15 تشرين الثاني / نوفمبر

إردوغان يؤكد أن إسرائيل دولة إرهابية وأن نهاية نتنياهو اقتربت
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib