ما هو التاريخ

ما هو التاريخ؟

المغرب اليوم -

ما هو التاريخ

خالد منتصر
بقلم : خالد منتصر

هل التاريخ هو مجرد دليل تليفونات، اسم القائد وأمامه المعركة الحربية وتاريخ حدوثها؟، أم هو فلترة وتنقيح وتجنيب وفرز وانتقاء المؤرخ لتلك الأحداث؟، هل التاريخ هو تاريخ الحرافيش أم تاريخ الملوك والسلاطين؟، هل التاريخ هو الأكاذيب المريحة أم الحقائق الصادمة؟، هل التاريخ هو كتابة المنتصرين، أم أسرار المهزومين؟، هل التاريخ هو وثائق القصور ومبانى المخابرات وثكنات الجيوش أم هو نكات البسطاء وصفحات الوفيات وأغانى الفلاحين والأمثال الشعبية للأمهات والجدات؟، هذه الأسئلة وغيرها ظلت دومًا مطروحة، خاصة أن التاريخ هو معمل السياسة، وهو سند الأحزاب والمنظمات، والنهر الذى لا يجف ويشرب منه كل فريق، ويحمل السيف ضد الآخر، يصنع مقبضه ونصله من حكاياته وتفسيراته ومبرراته.

من الكتب الكلاسيكية التى تناقش معنى التاريخ كتاب «ما هو التاريخ؟» لإدوارد كار، حاول أن يعرض الإجابات عن هذا السؤال المؤرق، لكنه خرج بمزيد من الأسئلة، فى البداية ناقش مسألة البحث عن تاريخ نهائى لكل شعب، مرجع موثق، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، عرض المؤلف مفهوم الحقيقة التاريخية الموضوعية، التى وصفها البعض بأنها خرافة، لا وجود لها، وانتقد عبادة الوقائع، والواقعة تعريفها أنها مادة أولية تكتسبها من التجربة، وتختلف عن الاستنتاجات، ويستدعى القول المأثور للصحفى الليبرالى سى سكوت بأن الوقائع مقدسة، والرأى حر، والدقة أمر واجب، وليست فضيلة، فامتداح المؤرخ على دقته التاريخية كامتداح المهندس المعمارى على استخدامه أخشابًا جيدة أو خرسانة مخلوطة بعناية!، الوقائع تتحدث فقط عندما يستدعيها المؤرخ، ويقرر أى الوقائع تتحدث، وبأى ترتيب، وفى أى سياق، وقد قالت إحدى شخصيات بيراندللو إن الوقائع كالحقائب لن تستقيم إلا إن وضعت شيئًا بداخلها، يقول المؤلف إن المؤرخ انتقائى بشكل حتمى، والاعتقاد بوجود لب جامد من الوقائع التاريخية ما هو إلا اعتقاد باطل وغير منطقى، وإن كان من الصعب محوه، هل مهمة المؤرخ التقييم أم مجرد التسجيل؟، سؤال محورى وقضية مهمة، فالتاريخ الذى يقوم المؤرخ بدراسته ليس ماضيًا ميتًا، بل مازال حيًا بصورة ما فى الحاضر، أى فعل ماضٍ هو فعل ميتى، إلا إذا أدرك المؤرخ المعنى الكامن وراءه، التاريخ هو خبرة المؤرخ، ولا أحد يصنعه خلاف المؤرخ، إن كتابة التاريخ هى الطريقة الوحيدة لإنشائه، ناقش الكتاب أيضًا مرور التاريخ من خلال عدسة الحاضر، من خلال عدسة المؤرخ الذى هو ابن عصره، وصبغ التاريخ بلون هذا العصر.

التاريخ لابد أن يتهرب منه لعبة القص واللصق، يلخص المؤرخ قصة الكتابة التاريخية وآليتها، بداية يقوم المؤرخ باختيار مبدئى للوقائع وبتأويل مبدئى فى ضوء هذه الاختبارات التى قام بها هو وغيره، وخلال عمله يمر كل من التأويل واختيار الوقائع وترتيبها بتغييرات دقيقة وغير واعية أحيانًا، من خلال الفعل التبادلى بينهما، ويتضمن هذا التبادل تبادلًا بين الماضى والحاضر، إذ إن المؤرخ ينتمى للحاضر، والوقائع تنتمى للماضى، وكلاهما على الدرجة نفسها من الأهمية بالنسبة لبعضهما البعض، فالمؤرخ دون وقائعه كشجرة فقدت جذورها، والوقائع بلا مؤرخها ميتة، ولا معنى لها، التاريخ باختصار عملية مستمرة من التفاعل بين المؤرخ ووقائعه، وحوار لا ينتهى بين الماضى والحاضر.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ما هو التاريخ ما هو التاريخ



GMT 05:45 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

شهادة من اليابان!

GMT 05:43 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

شجاع بين متخاذلين

GMT 05:36 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

ما بعد الأسبوع الرابع ؟!

GMT 05:31 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

معشرك

GMT 05:29 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

جلسة مسائية مع أسرة طهرانية

GMT 05:29 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

طرابلس في حرب إيران

GMT 05:27 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

القراءة المبكرة... هل تحققت؟

GMT 05:27 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

«أرتميس ــ 2» وأوان العودة إلى القمر

GMT 15:46 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

عائشة بن أحمد تشوق محبيها بعمل فني جديد
المغرب اليوم - عائشة بن أحمد تشوق محبيها بعمل فني جديد

GMT 19:02 2020 الجمعة ,01 أيار / مايو

أبرز الأحداث اليوميّة

GMT 07:08 2019 الأحد ,31 آذار/ مارس

شهر بطيء الوتيرة وربما مخيب للأمل

GMT 18:22 2021 الإثنين ,01 شباط / فبراير

يبدأ الشهر مع تنافر بين مركور وأورانوس

GMT 18:36 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

أعد النظر في طريقة تعاطيك مع الزملاء في العمل

GMT 19:17 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

يحاول أحد الزملاء أن يوقعك في مؤامرة خطيرة

GMT 16:39 2020 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

تعيش ظروفاً جميلة وداعمة من الزملاء

GMT 07:43 2020 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الجوزاء الجمعة 30 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:00 2017 الأربعاء ,15 شباط / فبراير

شركة "بورش" تعلن عن مركبتها المميّزة "باناميرا 2018"

GMT 12:41 2023 الإثنين ,25 كانون الأول / ديسمبر

الطابع العصري يطغى على إطلالات ريم السعيدي في 2023

GMT 20:32 2016 الثلاثاء ,12 كانون الثاني / يناير

فوائد الريحان لعلاج القرح والجروح

GMT 12:10 2023 الأربعاء ,15 تشرين الثاني / نوفمبر

إردوغان يؤكد أن إسرائيل دولة إرهابية وأن نهاية نتنياهو اقتربت
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib