شيطنة الجسد الأنثوى

شيطنة الجسد الأنثوى

المغرب اليوم -

شيطنة الجسد الأنثوى

خالد منتصر
بقلم : خالد منتصر

ما بين غاوى تريند يلتقط صورة لفنانة وهى غافلة فى جلسة عرض خاص، وبين مسؤول فى محافظة من محافظات الدلتا يمنع المرأة من الجلوس بجانب السائق ويوزع الفرمان فى موقف الميكروباصات، مرورا بقتل فتاة فى الجامعة وسحل أخرى فى الشارع لأنها غير محجبة، وفتوى من داعية أن أى تحرش بطفلة هو نتيجة ملابسها المثيرة، ما بين هذا وذاك، ووسط هذا الضجيج واللغط يقف جسد المرأة متهما بالغواية والإثم والخطيئة والنجاسة، المجتمع المتدين بطبعه يقول إن الحلوى المكشوفة يجتمع حولها الذباب، فيطالبون بتغطية الحلوى ودفنها بدلا من مقاومة الذباب وتربيته وتهذيب أخلاقياته، السؤال: هل هذا التربص بجسد المرأة والتلصص عليه، وقولبة الأدمغة على النصف الأسفل منه، واختزال الخطاب المزمن إليها على أنها مجرد عضو تناسلى يسير على قدمين، وشطب العقل من معادلة التعامل والحوار، هل كل هذا عرض لمرض نفسى اجتماعى؟، إنه نمط تفكير عقلى جماعى له جانب نفسى والأهم له جوانب ثقافية متجذرة، ومن ضمن الأسباب الاجتماعية لانتشار التربص والتلصص على الجسد الأنثوى عندنا، الكبت الجنسى، شيطنة الجسد والحديث عنه، ربط الجنس بالذنب والخطيئة وليس ربطه بالحب والفهم والحميمية، النتيجة تحويل الجسد إلى «محرَّم مغرٍ»، وكل محرَّم يتحول بدوره إلى بؤرة هوس، وهستيريا تربص ومطاردة، غياب التربية الجنسية السليمة، لا وجود لمعرفة علمية، لا وجود للغة صحية للجسد، فالجسد مجرد وعاء شهوانى، لا تمييز بين الرغبة والسلوك، النتيجة أن الرغبة الطبيعية صارت تُدار بطرق طفولية وسرّية وعدوانية، تنتشر الازدواجية الأخلاقية، يصبح الجسد «حراما» فى العلن، ومُستهلك فى الخفاء (إباحية، تحرش، تعليقات جارحة)، هذا الفصام يُغذى السلوك التلصصى المراقب للجسد الأنثوى، شيطنة هذا الجسد تعريفها، باختصار، عملية اجتماعية يتم فيها تصوير جسد المرأة على أنه مصدر فتنة، وخطر أخلاقى، تهديد للنظام، سبب الانحراف وهلاك المجتمع، فهى شيطان غواية يسكن لحما بشريا، هنا المجتمع لا يُرى الجسد كجسد إنسانى بل كلغم ديناميت، أو قنبلة أخلاقية موقوتة يجب تغطيتها، مراقبتها، وضبطها، وخلع فتيلها، تتم الشيطنة بقلب المسؤولية وتوجيه أصبع الاتهام للضحية، بدلا من أن يُطلب من الإنسان أو الرجل ضبط سلوكه، يُطلب من المرأة إخفاء ودفن جسدها فى كفن، ويُبرَّر فشل الرجل فى ضبط سلوكه بأنه «طبيعى» فهو غيور بطبعه، طاقته الجنسية مشتعلة بالغريزة، يتحول الجسد من حق إلى اتهام، ومن كيان خاص إلى عورة تحتاج سترا ووصاية، الجسد الأنثوى يصبح هو ذنب بالسليقة، نجاسة بالفطرة، أى لمحة جمال هى إغواء وفتنة، أى حضور طاغٍ أو إثبات ذات هو تهديد للذكر، الجسد ذاته يصبح «مُدانًا» ليس لأنه فعل جريمة بل لمجرد أنه موجود!!، الشيطنة تتم أيضا بتجريد الجسد من إنسانيته، ونزع هويته، الجسد لا يُناقش حتى كعضو بيولوجى، بل كعورة، كخطر، كتهديد، هو شىء يجب طمسه لا فهمه، يزداد الكبت الذى لا يفرز ولا يصنع عفة بل يخلق هوسا مرضيا، تصبح الآثار النفسية والاجتماعية على المرأة خطيرة، ينمو بداخلها شعور دائم بالذنب، اغتراب حاد عن جسدها، قلق مزمن، اضطرابات فى علاقتها مع جسدها، وتحدث الكارثة الكبرى بأن تسوق المرأة لقهرها، وتستلذ بقيودها، وتهتف مطالبة بتكفينها ووأدها، وللأسف تصل إلى مستويات مازوخية فى التعامل مع جسدها، وتجارى المزاج السلفى للمجتمع وتوقع قبولا ضمنيا للعنف أو التحرش وتبرر ذلك السلوك الإجرامى بجملة «يمكن أنا السبب»!!، تلقى اللوم على جسدها المسكين فتشيطنه هى نفسها!!، ما أقسى أن تتحول المرأة إلى جلاد دموى لبنات جنسها.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

شيطنة الجسد الأنثوى شيطنة الجسد الأنثوى



GMT 05:45 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

شهادة من اليابان!

GMT 05:43 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

شجاع بين متخاذلين

GMT 05:36 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

ما بعد الأسبوع الرابع ؟!

GMT 05:31 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

معشرك

GMT 05:29 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

جلسة مسائية مع أسرة طهرانية

GMT 05:29 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

طرابلس في حرب إيران

GMT 05:27 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

القراءة المبكرة... هل تحققت؟

GMT 05:27 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

«أرتميس ــ 2» وأوان العودة إلى القمر
المغرب اليوم - مسيّرة إيرانية تستهدف مجمع الوزارات في الكويت

GMT 15:46 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

عائشة بن أحمد تشوق محبيها بعمل فني جديد
المغرب اليوم - عائشة بن أحمد تشوق محبيها بعمل فني جديد

GMT 19:02 2020 الجمعة ,01 أيار / مايو

أبرز الأحداث اليوميّة

GMT 07:08 2019 الأحد ,31 آذار/ مارس

شهر بطيء الوتيرة وربما مخيب للأمل

GMT 18:22 2021 الإثنين ,01 شباط / فبراير

يبدأ الشهر مع تنافر بين مركور وأورانوس

GMT 18:36 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

أعد النظر في طريقة تعاطيك مع الزملاء في العمل

GMT 19:17 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

يحاول أحد الزملاء أن يوقعك في مؤامرة خطيرة

GMT 16:39 2020 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

تعيش ظروفاً جميلة وداعمة من الزملاء

GMT 07:43 2020 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الجوزاء الجمعة 30 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:00 2017 الأربعاء ,15 شباط / فبراير

شركة "بورش" تعلن عن مركبتها المميّزة "باناميرا 2018"

GMT 12:41 2023 الإثنين ,25 كانون الأول / ديسمبر

الطابع العصري يطغى على إطلالات ريم السعيدي في 2023

GMT 20:32 2016 الثلاثاء ,12 كانون الثاني / يناير

فوائد الريحان لعلاج القرح والجروح

GMT 12:10 2023 الأربعاء ,15 تشرين الثاني / نوفمبر

إردوغان يؤكد أن إسرائيل دولة إرهابية وأن نهاية نتنياهو اقتربت
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib