ماذا يخبئ عام الحرب الرابع للسودان

ماذا يخبئ عام الحرب الرابع للسودان؟

المغرب اليوم -

ماذا يخبئ عام الحرب الرابع للسودان

عثمان ميرغني
بقلم: عثمان ميرغني

مع دخول الحرب عامها الرابع، يقف السودان عند حافة لحظة مفصلية بين استمرار التآكل في مفاصل الدولة، أو تكثيف الجهود في المسار الشاق نحو التعافي. فالحرب، مع امتدادها، لا تدمر البنية التحتية فحسب، بل تُعيد تشكيل المجتمع والاقتصاد وتفرض تحديات أكبر مع كل عام يمر.

تشير تقديرات حديثة إلى أن الحرب أعادت الاقتصاد السوداني أكثر من ثلاثين عاماً إلى الوراء، وفقاً لدراسة مشتركة صدرت هذا الأسبوع عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومعهد الدراسات الأمنية. فقد تضاعفت معدلات الفقر بشكل حاد، مع انزلاق نحو 7 ملايين شخص إلى الفقر المدقع، وتراجع مستويات الدخل إلى ما كانت عليه في أوائل تسعينات القرن الماضي. وحتى في حال انتهاء الحرب هذا العام، سيظل التعافي بطيئاً، أما إذا استمرت حتى عام 2030، فقد تتجاوز نسبة الفقر المدقع 60 في المائة من السكان.

هذه الأرقام ليست مجرد مؤشرات اقتصادية، بل تعكس واقعاً إنسانياً قاسياً: أسر مشتتة، وأطفال خارج المدارس، ومصادر رزق انهارت بالكامل، وحرب أفرزت واحدة من أكبر أزمات النزوح في العالم.

ورغم قتامة المشهد، تظل هناك نافذة أمل.

على الصعيد الأمني، تجاوز السودان المرحلة الأخطر التي مر بها في بدايات الحرب. فقد تمكن الجيش والقوى المتحالفة معه من استعادة زمام المبادرة، وعاد قدر من الاستقرار إلى عدد من الولايات. كما تشير تقارير حديثة إلى عودة نحو أربعة ملايين نازح ولاجئ إلى مناطقهم، وهي خطوة مهمة، لكنها تطرح أيضاً تحديات ضخمة.

نجاح برامج العودة يتطلب تسريع وتيرة استعادة الخدمات الأساسية، ويتطلب بسط الأمن وتوفير الحد الأدنى من الاستقرار الذي يسمح بعودة الدولة إلى أداء وظائفها. الأمن هنا ليس شعاراً، بل هو شرط وجودي. لا استثمار من دون أمن، ولا تعليم من دون استقرار، ولا عودة مستدامة للنازحين من دون ضمانات حقيقية لحمايتهم. الأمن المطلوب ليس أمن القوة الغاشمة، بل أمن القانون؛ حيث يشعر المواطن بأن حياته وممتلكاته مصونة، وأن السلاح لا يُستخدم إلا تحت مظلة الدولة.

غير أن الأمن وحده لا يكفي. فالتعافي الاقتصادي يحتاج إلى إعادة تشغيل عجلة الإنتاج، لا سيما في القطاعات الحيوية مثل الزراعة والتعدين والخدمات. السودان يمتلك موارد هائلة، لكن الحرب عطّلت سلاسل الإمداد، وأربكت الأسواق، وأفقدت العملة استقرارها. المطلوب تدخل مركزي مدروس يعيد الثقة تدريجياً: دعم المزارعين بالمدخلات، وتأمين طرق النقل، وضبط النظام المالي.

في قلب هذا المشهد، يقف الإنسان السوداني الذي أصبح أكثر إنهاكاً من أي وقت مضى، لكنه يبقى رغم ذلك الرافعة الأساسية لأي نهوض قادم. التعليم، في هذا السياق، أولوية استراتيجية لا تحتمل التأجيل. جيل كامل مهدد بالضياع، وهذا أخطر من أي خسارة مادية. عودة فتح المدارس، وتدريب المعلمين، وتحديث المناهج لتشمل مهارات الحياة والتعايش، كلها خطوات ضرورية لإعادة تشكيل مجتمع قادر على تجاوز آثار الحرب.

أمّا البنية التحتية فهي العمود الفقري لأي تعافٍ حقيقي. الطرق، والكهرباء، والمياه، والاتصالات ليست مجرد خدمات، بل أدوات لاستعادة الحياة الطبيعية، وعودة الناس إلى بيوتهم. إعادة الإعمار هنا يجب أن تكون مدروسة وموجهة، لا عشوائية أو خاضعة للفساد. كل مشروع بنية تحتية يجب أن يُنظر إليه كاستثمار طويل الأمد في الاستقرار، لا مجرد إصلاح مؤقت.

يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: ما تكلفة كل ذلك؟

الإجابة الصريحة هي أن التكلفة هائلة، وتتجاوز عشرات المليارات من الدولارات. لكن الكلفة الحقيقية ليست في الأرقام، بل في الزمن الضائع والفرص المهدرة. كل يوم يمر دون خطة واضحة للتعافي هو خسارة إضافية يصعب تعويضها. التمويل يمكن أن يأتي من مزيج من الموارد المحلية، والدعم الإقليمي، والمساعدات الدولية، لكن هذا مشروط بوجود رؤية شفافة وإدارة فعالة. العالم لا يمول الفوضى، بل يدعم المشاريع القابلة للحياة.

الأسس الجوهرية لعودة السودان إلى ما كان عليه – أو حتى إلى ما هو أفضل – يمكن تلخيصها في معادلة دقيقة: أمن مستدام، واقتصاد منتج، وتعليم فاعل، وعدالة اجتماعية. هذه ليست أولويات متنافسة، بل منظومة مترابطة.

لكن ربما الأهم من كل ذلك هو الإرادة السياسية. لا يمكن فرض التعافي من الخارج، ولا يمكن تحقيقه بقرارات فوقية معزولة عن الواقع. المطلوب هو عقد اجتماعي جديد، يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن، ويضع مصلحة السودان فوق الحسابات الضيقة. هذا يبدو مثالياً، لكنه في الحقيقة شرط عملي لبداية الخروج من هذا النفق.

السودان اليوم أمام لحظة اختبار. إما أن تتحول هذه المرحلة إلى نقطة انطلاق لإعادة البناء، أو تبقى مجرد امتداد لدوامة الاستنزاف. الطريق طويل ومكلف، لكنه ليس مستحيلاً. فالشعوب التي عاشت الحروب قادرة على النهوض، إذا توفرت القيادة الرشيدة والرؤية الواضحة والإرادة السياسية.

والسؤال الحقيقي ليس ما الذي يخبئه هذا العام، بل ما الذي سيختار السودانيون أن يصنعوا فيه.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ماذا يخبئ عام الحرب الرابع للسودان ماذا يخبئ عام الحرب الرابع للسودان



GMT 16:56 2026 الخميس ,16 إبريل / نيسان

الأولون

GMT 16:52 2026 الخميس ,16 إبريل / نيسان

ربطة عنق إيرانية

GMT 16:50 2026 الخميس ,16 إبريل / نيسان

كتاب عاصف يقول كل ما كان عليه كيسنجر!

GMT 16:45 2026 الخميس ,16 إبريل / نيسان

يوم مقتل فرعون!

GMT 16:42 2026 الخميس ,16 إبريل / نيسان

التاريخ بسرعة مجنونة

GMT 16:37 2026 الخميس ,16 إبريل / نيسان

إيران والحزام والطريق

GMT 11:17 2026 الخميس ,16 إبريل / نيسان

لبنان يفاوض كي لا يكون الجنوب… جولانَ آخر

GMT 07:07 2026 الخميس ,16 إبريل / نيسان

المرأة والخطاب المزدوج

هنا الزاهد تعيد إحياء فستان البولكا دوت بإطلالة أنثوية من باريس

القاهرة - المغرب اليوم

GMT 09:47 2020 الثلاثاء ,04 شباط / فبراير

تزداد الحظوظ لذلك توقّع بعض الأرباح المالية

GMT 15:22 2020 الجمعة ,01 أيار / مايو

أبرز الأحداث اليوميّة

GMT 19:02 2023 الثلاثاء ,03 كانون الثاني / يناير

المغربي أيوب الكعبي يهز الشباك في الدوري التركي

GMT 06:31 2020 الأربعاء ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

سعر الذهب في المغرب اليوم الأربعاء 11 تشرين الثاني / نوفمبر 2020

GMT 14:19 2017 الأربعاء ,07 حزيران / يونيو

محمد حماقي يحتفل بمولودته الأولى فاطمة

GMT 02:01 2017 الثلاثاء ,24 تشرين الأول / أكتوبر

فاطمة ناصرتشارك بفيلم " مصطفي زاد" في مهرجان قرطاج السينمائي

GMT 13:03 2024 الإثنين ,22 كانون الثاني / يناير

أبراج تمتلك كاريزما وجاذبية أبرزها الأسد

GMT 08:52 2021 الأربعاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

تغيير موعد قمة الوداد أمام الرجاء في "الديربي"
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib