ذكريات رحلة في رفقة فيلسوف

ذكريات رحلة في رفقة فيلسوف

المغرب اليوم -

ذكريات رحلة في رفقة فيلسوف

سليمان جودة
بقلم : سليمان جودة

ذات يوم رافقت الفيلسوف الدكتور مراد وهبة في رحلة إلى المغرب، وقضيت أياماً مع فيلسوف كبير وعقل أكبر، ومن قبل كانت لي معه لقاءات في بيته في حي شبرا شمال القاهرة، وكانت حصيلتها حوارات صحافية منشورة في جريدة «الوفد» لسان حال حزب الوفد الذي يمتد تاريخه إلى 1919.

وإذا كان للهيئة المصرية العامة للكتاب أن تقدم شيئاً لجمهور الدكتور وهبة بعد رحيله، فهذا الشيء هو إعادة طباعة سيرته الذاتية «مسار فكر» التي صدرت عن الهيئة، والتي يروي فيها وقائع حياته من يوم مولده في محافظة أسيوط جنوب القاهرة في 13 أكتوبر (تشرين الأول) 1926، إلى أن سقط القلم من يده قبل شهور ولم يعد قادراً على الكتابة، ثم إلى أن رحل قبل أيام. وهو بذلك قد عمّر قرناً من الزمان إلا قليلاً، ولكنه لم يكن من الذين قال فيهم الشاعر:

سئمتُ تكاليف الحياة ومَنْ يعِشْ

ثمانين حولاً لا أبا لك يسأمُ

لم يكن منهم، بل كان على العكس منهم، لأن العشرين عاماً التي عاشها بعد الثمانين، كانت أخصب سنوات حياته إنتاجاً، ونشاطاً، وحيوية، وكان أقدر خلالها على النقاش والجدل العقلي والمناكفة الفكرية. يكفي أن أشير إلى أنني يوم رافقته إلى منتدى أصيلة الثقافي الدولي في المغرب كان في الثالثة والتسعين، وقد كنا نقطع المسافة معاً من طنجة إلى أصيلة كل يوم، وكان يتحرك بجسد شاب مكتمل النمو والقوة والصحة!

لم أكن يومها أعرف أنه كان في هذه السن، ولم أكن أعرف أنه في سن المعمرين بمقاييس منظمة الصحة العالمية، وقد أدهشني أن أعرف ذلك حين رجعنا إلى القاهرة، ثم حين تابعته من بعدها يكتب في أكثر من مطبوعة، ويُصدر سيرته الذاتية، ويظهر باستمرار في برامج التلفزيون، ولا يبالي بالذين كانوا يطاردونه ويقللون من شأن ما كان يقول. لم يكن ذلك يهمه، وكان كل ما يهمه أن يقول كلمته، وأن يُدلي بشهادته، وألا يكتمها خشيةً من أحد، وأن يرفع لواء العقل في كل موقف، وكان يكفيه اعتقاده في صواب ما يقوله.

يروي في سيرته أنه تخرج في الجامعة في 1947، وأنه ذهب مع رفاق له إلى قرية نموذجية كان الملك فاروق قد افتتحها في مدينة بهتيم الواقعة شمال قاهرة المعز. وفي طريق العودة خرج عليهم عدد من الأطفال يقذفون سيارتهم بالطوب، فلما نزل يطاردهم بالطوب مثلما فعلوا، ناداه فلاح كان يمر صدفة في المكان فقال: لا مؤاخذة يا بيه... مالك متنرفز كده... هؤلاء أطفال لم يتعلموا من أهلهم إلا الفلسفة وقلة الأدب!

لم يكن الفلاح المصري يدري وهو يُطلق هذه العبارة الأخيرة، أنه كمن قذف الدكتور مراد وهبة بحجر فأسال دمه، لا لشيء، إلا لأن الرجل عاش أستاذاً للفلسفة في الجامعات المصرية، وفي جامعة موسكو التي أُعير لها سنوات، وقضى حياته يوصف بأنه الفيلسوف مراد وهبة لا أستاذ الفلسفة الكبير وفقط. كان كذلك فإذا به يكتشف أن الفلسفة التي درسها، ثم تخصص فيها، ثم تعمق في قضاياها، هي وقلة الأدب سواء في نظر الفلاح، وبالتأكيد في نظر سواه ممن يعتقدون في ما يعتقد!

يقول الدكتور مراد إنه بقي من بعدها يفكر في العلاقة بين الفلسفة وقلة الأدب، وإن ما حدث مع فيلسوف اليونان سقراط قد جرى في خاطره، فلقد كان سقراط متهماً بإفساد عقول الشباب، مع أنه لم يكن يدعوهم إلى شيء إلا إلى التفكير السليم، وأن يحددوا معاني الكلمات قبل أن يستخدموها، لأن في عدم تحديدها ضلالاً عن سواء الطريق. كان تقدير فيلسوف اليونان أننا إذا لم نفعل ذلك فسنكتشف أن كل واحد منا يتكلم عن شيء مختلف عما يتكلم فيه الآخر في الموقف نفسه، وأننا نتحدث عن أشياء متعددة بينما نتصور أننا نتكلم عن شيء واحد.

فهل اختلفت التهمة التي طاردت سقراط عن قلة الأدب التي رأى فلاح بهتيم أن الأطفال تعلموها من الأهل في البيوت؟... هذا موضوع ظل يشغل الرجل، وظل طوال حياته يفكر فيما إذا كانت الفلسفة مرادفاً لقلة الأدب؟ أم أن الفلسفة شيء بينما قلة الأدب شيء آخر؟ بالطبع كان على حق في ما راح يفكر فيه، لأن التفكير المنطقي يبدو في مجتمعنا العربي في عمومه وكأنه نوع من قلة الأدب، ولأن العقل يجد نفسه غريباً في أرض العرب التي تغلب فيها العاطفة وتتغلب.

عاش الدكتور وهبة أقرب ما يكون إلى الفيلسوف اليوناني ديوجين، الذي قيل عنه إنه كان يقطع شوارع أثنيا في عز النهار ممسكاً بمصباح في يده، فإذا سأله أحد عما يفعل رد بأنه يفتش عن إنسان. وقد كان القصد أنه يريد إنساناً بالمعنى المكتمل للفضائل التي لا بد أن يحملها الإنسان وهو يسعى بين الناس، وعندما جاء الإسكندر الأكبر يسأله عما إذا يريد شيئاً كان رده: أريدك أن تتنحى بعيداً لأنك تحجب الشمس عني!

كان مراد وهبة يشبه ديوجين بمصباحه الشهير في يده، وكان مشغولاً بالبحث عن موقع العقل بيننا، ولم يكن يجده إلا بشق الأنفس، وعاش يحمل لقب «حفيد ابن رشد» فأصابه بعض ما أصاب ابن رشد، واستهدفوه في حياته كثيراً وفي مماته أكثر!

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ذكريات رحلة في رفقة فيلسوف ذكريات رحلة في رفقة فيلسوف



GMT 00:41 2026 السبت ,23 أيار / مايو

سرُّ الصفعة الرئاسية

GMT 00:40 2026 السبت ,23 أيار / مايو

أميركا من «بيرل هاربر» إلى 11 سبتمبر

GMT 00:39 2026 السبت ,23 أيار / مايو

هل مشكلة إيران في زيادة عدد الشعب؟

GMT 00:38 2026 السبت ,23 أيار / مايو

إدارة الفرصة على الطريقة الصينية

GMT 00:37 2026 السبت ,23 أيار / مايو

مأزق القرار في طهران

GMT 00:36 2026 السبت ,23 أيار / مايو

أميركا بين العلمانية والموجة الدينية

GMT 23:59 2026 الجمعة ,22 أيار / مايو

هدنة أسوأ من الحرب

GMT 23:57 2026 الجمعة ,22 أيار / مايو

جبهة إيران العراقية

يارا السكري تخطف الأنظار بإطلالات راقية في مهرجان كان 2026

باريس - المغرب اليوم

GMT 03:59 2026 الأربعاء ,20 أيار / مايو

"الناتو "يدرس" المساهمة في ضمان حماية مضيق هرمز

GMT 07:13 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

سعر الذهب في المغرب اليوم الثلاثاء 27 يناير/ كانون الثاني 2026

GMT 08:20 2019 السبت ,16 شباط / فبراير

المغرب وصيفًا لبطل شمال إفريقيا لكرة اليد

GMT 01:40 2016 السبت ,24 كانون الأول / ديسمبر

عواصف ثلجية مذهلة تُوضح جنون تغير الطقس

GMT 18:09 2018 الإثنين ,10 كانون الأول / ديسمبر

عبد الغني معاوي خارج حسابات الجيش الملكي

GMT 12:04 2018 الجمعة ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

"دي بروين" يغيب عن ديربي مانشستر للإصابة

GMT 10:46 2018 الثلاثاء ,22 أيار / مايو

طريقة تحضير الزبادي في المنزل
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib