جغرافيا القلق ومضيق هرمز
ناسا تبدأ تجهيز صاروخ أرتميس 3 تمهيداً لمهمة الهبوط على القمر في 2027 ميتا تختبر بوت ذكاء اصطناعي داخل ثريدز للرد على المنشورات وتحليل المحتوى المتداول الصحة اللبنانية تعلن 108 قتلى من الطواقم الطبية جراء الضربات الإسرائيلية رابطة العالم الإسلامي تدين تسلل عناصر إيرانية لجزيرة بوبيان الكويتية الفنانة إلهام الفضالة تحصل على حكم نهائي بالبراءة في قضية إذاعة أخبار كاذبة بعد أشهر من الجدل القانوني صدمة للمنتخب العراقي قبل مونديال 2026 بعد تقارير عن رفض أميركا منح التأشيرات لخمسة لاعبين إيران تنفذ حكم الإعدام بحق مواطن أدين بالتجسس لصالح الموساد الإسرائيلي بعد تأييد الحكم من المحكمة العليا زلزال بقوة 4.6 درجة يضرب الحدود بين محافظتي طهران ومازندران تراجع أعداد المسافرين عبر مطار هيثرو بسبب الحرب في إيران ومخاوف من ارتفاع أسعار تذاكر الطيران عالميًا الخطوط الجوية الهندية تلغي رحلاتها إلى إسرائيل وسط تصاعد التوترات وارتفاع تكاليف الوقود والسفر
أخر الأخبار

جغرافيا القلق ومضيق هرمز

المغرب اليوم -

جغرافيا القلق ومضيق هرمز

مأمون فندي
بقلم : مأمون فندي

مضيق هرمز «نقطة اختناق» للاقتصاد العالمي، تمرُّ عبره نسبة كبيرة من تجارة النفط والغاز. هكذا نعرفه، لكن هل هو كذلك فقط؟ أم أن له أبعاداً أخرى خارج أطروحات الجيوبوليتيك وأسواق الطاقة وشركات التأمين والبورصات؟

لـ«هرمز» أبعاد أعمق تمتد إلى أنثروبولوجيا البحار، لكن جوهر الخليج يكمن في شيء بين الحقيقة والخيال يمكن تسميته «جغرافيا القلق»: فضاء يُنتَج فيه الخوف إعلامياً ويُعاد تداوله حتى في غياب الحرب. مجرد شائعة حول المضيق قادرة على تحريك بورصات العالم، وكأن السوق تسبق الواقع لا تتبعه.

في هذا السياق، لا تحتاج المسألة إلى حرب فعلية كي يعمل المضيق مولّداً للاضطراب. يكفي خبر عن احتكاك بحري، أو توقيف قارب، أو شائعة عن تهديد، لتتحرك الأسواق في لندن ونيويورك. ما يحدث عند أقدام الصيادين على ضفتي الخليج يمكن أن يتضخم عبر الإعلام والمال ليصير حدثاً عالمياً. هنا لا تعكس الأسواق الواقع فقط، بل تساهم في تضخيمه، فيما يحوّل الإعلام الاحتمال إلى شعور عام بالخطر. هكذا يُعاد إنتاج القلق يومياً.

كنت أميل إلى قراءة الحرب بوصفها انتقالاً من اليابسة إلى البحر، هذا الفضاء الذي نظنه هادئاً. لكن التاريخ يقول غير ذلك: البحر كان دائماً مسرحاً للحرب، ولم يكن مضيق هرمز استثناءً. منذ سيطرة البرتغال على طرق المحيط الهندي في القرن السادس عشر، مروراً بالهيمنة البريطانية، ظل المضيق نقطة تتقاطع فيها القوة العسكرية مع التجارة والاستغلال، حيث لا ينفصل الأمن عن الاقتصاد.

مع ذلك، تكشف أنثروبولوجيا البحار عن وجه آخر: البحر ليس فراغاً، بل شبكة علاقات. الهدوء لم يكن في الماء بقدر ما كان على الشاطئ، حيث نشأت علاقات تتجاوز الفرس والعرب واختلافاتهم الثقافية. كان الخليج فضاءً للصيد والتبادل، وتوثّق ذلك دراسات مثل Fishing for Faith (الصيد من أجل الإيمان)، عن علاقة الصيادين بالبحر وبالدين. غير أن هذه العوالم الهشة لا تصمد أمام الأساطيل.

لم يتغير البحر ولا موقعه، لكن تغيّر معناه: من ممر استراتيجي إلى عقدة نفسية واقتصادية في النظام العالمي، حيث يسبق توقّع الخطر وقوعه. لذلك تبدو المقاربة الجيوسياسية التقليدية، التي ترى المضيق من زاوية الدولة والسيادة، غير كافية. فهي تفترض أن البحر فراغ تتحرك فيه القوى الكبرى، بينما تراه أنثروبولوجيا البحار فضاءً لعلاقات عابرة للحدود. على ضفتي الخليج، تتداخل شبكات القرابة والعمل والتجارة اليومية بين عرب في إيران وعجم على الضفة الغربية، وصيادين يتشاركون المعرفة والرزق عبر الماء، في اقتصاد غير مرئي لكنه فعّال.

بهذا المعنى، الحرب في المضيق لا تقع في فراغ مائي، بل تمزّق شبكة حياة دقيقة. إغلاق الممر أو عسكرة مياهه لا يعني فقط تعطيل ناقلات النفط، بل قطع أرزاق الصيادين وتعطيل اقتصادات محلية قائمة على الصيد والنقل الصغير والتجارة غير الرسمية. هذه العوالم، التي تبدو هامشية في تقارير الأمن القومي، هي ما يمنح المضيق كثافته الإنسانية.

هنا يتضح مفهوم «جغرافيا القلق»: القضية ليست فيما يحدث مادياً فقط، بل في كيف يُستبطَن ويُتداوَل. الإعلام يحوّل الحوادث المحدودة إلى سرديات تهديد، والأسواق تترجم السرديات إلى أسعار، فيما تتعامل الدول مع الأسعار بوصفها مؤشرات خطر. النتيجة دائرة تغذية راجعة: القلق يولّد سياسات، والسياسات تعيد إنتاج القلق، فيتحول الإدراك إلى عامل مادي مؤثر.

خلال حرب الخليج 1990، كتب الفيلسوف الفرنسي جان بودريار أن «حرب الخليج لم تقع»، في إشارة إلى حرب تُعاش عبر الشاشات ضمن ما سمّاه «الواقع الفائق» أو الهايبر ريالتي.

هذا التحول من الجغرافيا إلى الحالة الذهنية له تكلفة معرفية. حين نرى المضيق فقط كـ«عنق زجاجة»، نسقط تاريخاً طويلاً من التبادل الثقافي والديني وحياة يومية لا تختزلها خرائط النفط. كما نهمل فاعلين صغاراً، صيادون، بحّارة، وسطاء، يلعبون دوراً في استقرار هذا الفضاء بقدر ما تفعل القوى الكبرى. تجاهل هؤلاء يعني قراءة ناقصة، وبالتالي سياسات ناقصة.

ليس المقصود إنكار البعد الاستراتيجي، بل وضعه في سياق أوسع. الأمن لا يُختزل في موازين القوة، بل يشمل استقرار المجتمعات على حواف هذا الممر. والاقتصاد لا يتحرك فقط عبر ناقلات عملاقة، بل عبر قوارب صغيرة تحمل سلعاً وعلاقات ومعاني يومية.

إذا أردنا فهم مضيق هرمز، فعلينا أن نراه مفترقاً لثلاثة عوالم: الدولة، والسوق، والمجتمع.

«جغرافيا القلق» إذًا ليست استعارة أدبية، بل محاولة لفتح عدسة الرؤية لفهم طريقة إنتاج الخطر في زمن تتداخل فيه الشاشات مع الواقع. قد لا تبدأ الشرارة بصاروخ، بل بخبر. وقد لا تكون المعركة في البحر فقط، بل على الشاشات أيضاً. وبين صياد يخرج مع الفجر ومستثمر يراقب وول ستريت، يمتد خيط غير مرئي من القلق الكوني. إننا اليوم لا نتعامل مع مضيق في الخليج، بل نتعامل مع جغرافيا جديدة اسمها جغرافيا القلق، ستنتقل عدواها بكل تأكيد إلى مناطق جغرافية أخرى من العالم تنزع عنها صفاتها الجغرافية الذهنية، وتتحول إلى فضاء الإعلام «ميدياسكيب» ومن بعدها تنتقل إلى عالم جغرافيا القلق.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

جغرافيا القلق ومضيق هرمز جغرافيا القلق ومضيق هرمز



GMT 14:35 2026 الثلاثاء ,12 أيار / مايو

لا غضب لا كبرياء

GMT 14:32 2026 الثلاثاء ,12 أيار / مايو

الإخوان و«المال السايب»

GMT 14:30 2026 الثلاثاء ,12 أيار / مايو

المرشد الروسي وقمة بكين

GMT 14:27 2026 الثلاثاء ,12 أيار / مايو

تحولات المشهد في حوض الخليج العربي

GMT 14:24 2026 الثلاثاء ,12 أيار / مايو

الذكاء الاصطناعي من «الأوسكار» إلى «السعفة»!

GMT 14:21 2026 الثلاثاء ,12 أيار / مايو

هل انتقلنا من حرب ملحمية إلى حرب محلية؟

GMT 18:26 2026 الأحد ,10 أيار / مايو

يوم النصر الكبير

GMT 18:23 2026 الأحد ,10 أيار / مايو

التأمُّل في المسألة العوضية

سحر التراث المغربي يزين إطلالات النجمات في "أسبوع القفطان" بمراكش

مراكش ـ المغرب اليوم

GMT 15:29 2017 السبت ,25 تشرين الثاني / نوفمبر

"أوراوا" الياباني يخطف هدفًا ويفوز بلقب دوري أبطال آسيا

GMT 05:12 2015 الثلاثاء ,08 كانون الأول / ديسمبر

علماء يكشفون كيفية تدفئة البطاريق نفسها

GMT 23:46 2017 الخميس ,05 كانون الثاني / يناير

الفنانة شيرين عبد الوهاب تسترجع ذكريات مسلسل "طريقي"

GMT 21:44 2021 الأحد ,14 تشرين الثاني / نوفمبر

أشهر الوجهات السياحية المشمسة في الشتاء

GMT 15:08 2020 الثلاثاء ,24 آذار/ مارس

فرنسا تزف بشري سارة عن دوائين للفيروس القاتل

GMT 03:43 2019 الإثنين ,17 حزيران / يونيو

"رينو" تكشف عن سيارتها الأجمل في العالم "تريزور"
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib