أولويات وخيارات متناقضة أمام العالم

أولويات وخيارات متناقضة أمام العالم

المغرب اليوم -

أولويات وخيارات متناقضة أمام العالم

إياد أبو شقرا
بقلم - إياد أبو شقرا

من المقولات الشعبية التي نضج وعينا السياسي عليها «لا تضعْ كل بيضك في سلة واحدة». وتتأكد الحكمة من هذه المقولة، في ظروف عالمية وإقليمية يسودها الغموض السياسي، والتسويات الظرفية، وضياع الفوارق بين الاستراتيجية والتكتيك.

كمثال، الولايات المتحدة، اللاعب الأقوى على الساحة الدولية، ما عادت تتكلم عن تحالفات استراتيجية عميقة وبعيدة المدى، بل تروّج صراحةً لـ«صفقات» تُعقد لحلّ أزمة هنا وخلاف هناك. وهذا يحدث في عالم تتقزّم فيه وتتلاشى المثاليات والمبادئ السامية أمام المصلحة الخاصة المباشرة.

هنا أحسب أن ثمة متغيّرين وراء هذه الحالة:

الأول، هو سقوط ما بدا لفترة أنه «نموذج أوليّ» لنظام عالمي بديل يخلف «نظام ما بعد الحرب الباردة».

والثاني، هو تسارع التقدم التكنولوجي... وصولاً إلى الذكاء الاصطناعي بتبعاته الحتمية على مصير الإنسان!

فيما يخصّ المتغيّر الأول، ثمة ارتباك أوروبا التي لعبت عبر التاريخ دوراً أساسياً في صراعات الهيمنة على العالم. وحقاً، كانت أوروبا، بحكم موقعها الجغرافي المجاور لآسيا وأفريقيا، وتأثرها الحضاري بالديانات التي نشأت في غرب آسيا، لاعباً مهماً جداً سواء على صعيد الدين، أو التقدم التكنولوجي، أو الهيمنة الاقتصادية.

لقد شكّل تنصّر الإمبراطور قسطنطين الكبير (306-337 م) بداية «ثقل» أوروبا في تاريخ المسيحية. وبينما أطلقت التقدم التكنولوجي «الثورة الصناعية» بعد فتح المسلمين للقسطنطينية (1453 م) وهجرة علمائها إلى غرب أوروبا، دانت الهيمنة الاقتصادية عالمياً لأوروبا بنتيجة استكشاف القارات واستعمارها.

«أوروبا الاستعمارية» هذه أنجبت، غرباً، الولايات المتحدة الأميركية. وشرقاً، أنتجت حروب إمبراطورياتها، بجانب التناقضات الطبقية التي أفرزتها «الثورة الصناعية»، نشوء آيديولوجيا ثورية حوّلت روسيا إلى ظاهرة سياسية واقتصادية وعسكرية ضخمة اسمها الاتحاد السوفياتي. وبالتوازي، مع التراخي التدريجي للهيمنة الأوروبية الغربية على أميركا اللاتينية بعد حرب الاستقلال الأميركية، أدى نجاح «الثورة البلشفية» التي صنعت الاتحاد السوفياتي إلى تداعيات في مناطق عديدة انتفضت على تلك الهيمنة الأوروبية... على رأسها الصين، ولاحقاً الهند، وطبعاً ما غدت دول آسيا وأفريقيا.

طبعاً، انهيار الاتحاد السوفياتي السابق ولّد مرارةً عند تيارات عديدة داخل روسيا، الكيان «السوفياتي» الأكبر والأساسي. ولعل هذه المرارة كانت أكبر وأقسى عند ذوي الذاكرة القوية والمصالح الأقوى من رجال النظام السابقين.

الزعيم الروسي الحالي فلاديمير بوتين من هؤلاء الرجال.

بوتين، رجل الاستخبارات، والمسؤول السابق في «كي جي بي» بـ«ألمانيا الشرقية» أيام تبعيته لموسكو، ما كان لينسى بسهولة أو لا يتسامح بسهولة مع تبدّل الظروف!

بل كيف يمكن أن ينسى ويتسامح عندما تصل بيارق حلف شمال الأطلسي (الناتو) وصواريخه إلى حدود روسيا؟!

أكثر من هذا، أمثال بوتين لا ينخدعون كثيراً بمماحكات الجدل العقائدي عندما تكون هناك مصالح قومية «سليبة» و«ثأرات» كبرى تنتظر وقتها. ولعله، وهو العليم بـ«كيمياء» السياستين الأوروبية والغربية، عموماً، قرّر الطريقة المثلى للانتقام من الغرب لإسقاط دولته السوفياتية الراحلة.

وبما أن الغرب نجح في إسقاط الاتحاد السوفياتي من الداخل، رغم قدراته النووية المدمِّرة، اختار بوتين لانتقامه أسلوباً مشابهاً يقوم على إسقاط الديمقراطيات الغربية من الداخل. وها هو يفعل هذا، بالضبط، عبر تشجيعه التطرّف الشعبوي والعنصري، ورعايته الإجهاز على التفاهمات العريضة التي كانت حتى اليوم السمة الأبرز لاستقرار هذه الديمقراطيات.

سياسات الكرملين الحالية لا علاقة لها بمُسميات الماضي «السوفياتي» وولاءاته «اليسارية»؛ إذ إن أقرب حلفائه ومناصريه في أوروبا والولايات المتحدة، اليوم، الأحزاب والشخصيات اليمينية المتطرفة والعنصرية المعادية للهجرة والأجانب. والواضح أنه كلّما تزايد نفوذ هؤلاء وشعبيتهم، واقتربوا أكثر من تولّي السلّطة، تزايد احتمال الانقسامات الداخلية، واهتزّت الوحدة الداخلية للدول المعنية، ومعها وحدة التحالف الغربي بأسره.

من جهة ثانية، مع الصعود المطّرد لليمين الأوروبي المتطرّف، تخرج أصوات من الولايات المتحدة تؤكد الانقسام الحاصل راهناً في الساحة الأميركية. وكان أبرز هذه الأصوات ما سمعه العالم أخيراً في «مؤتمر ميونيخ للأمن» من وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، وما كتبته الأكاديمية والخبيرة الدفاعية ناديا شادلو، من تيار «المحافظين الجدد»، في مقالة نشرتها مجلة «فورين آفيرز».

كلمة روبيو جاءت بياناً سياسياً صريحاً «يبشّر» بنظام أميركي تفرضه واشنطن على العالم، وتسمح فيه لأوروبا بلعب دور الشريك الأصغر في حرب على كل الحضارات والثقافات والديانات المخالفة. هنا لا اعتذار في كلام روبيو عن الماضي الاستعماري بل تزكية له... مع رفض مطلق لفكرة تعايش دولي قائم على القواعد والمؤسسات، وتثبيت لفسطاطي «الخير» و«الشر»، حيث الأول مسيحي أبيض محافظ يدعمه أغنياء التكنولوجيا المتقدمة... بينما الآخرون في الثاني.

فكرة مشابهة طرحتها شادلو، عندما أشارت إلى التناقض بين «نظامين تشغيليين» في عالم اليوم. وأردفت أن الأول يدّعي أن القضايا الملحّة الأساسية لا تُحل إلا عبر «منظومة عالمية» و«فوق كيانية» وأنظمة متعددة الأطراف والاتجاهات، أما الثاني فيؤمن بأن «الدولة - الأمة» تظل أساس الشرعية السلطوية والتحرّك الفعّال.

وبعد سرد طويل للتحديات الكبرى، كظاهرة الهجرة والجوائح وبروز الصين، اعتبرت شادلو أن الجدل لم يعُد نظرياً، بل صار التناقض بين «العولميين» و«الكيانيين» جلياً، بالأخص، في النقاش السياسي الحاصل بين واشنطن والعواصم الأوروبية. وتابعت أن القيادة الأميركية الحالية باتت تشكك في جدوى بقاء المؤسسات العالمية، في حين يواصل القادة الأوروبيون التشديد على أهميتها للمحافظة على «نظام ما بعد الحرب الباردة». وخلصت بنصح واشنطن و«الدول الديمقراطية الأخرى» بالكف عن احترام «النظام العالمي المتحجّر» وإيجاد حلولها الخاصة للأزمات الدولية.

مثيرٌ جداً... عالمنا اليوم!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أولويات وخيارات متناقضة أمام العالم أولويات وخيارات متناقضة أمام العالم



GMT 12:13 2026 الأحد ,29 آذار/ مارس

إيران واعتقال الجغرافيا

GMT 02:02 2026 السبت ,14 آذار/ مارس

لبنان بين الأنوار والنيران

GMT 15:44 2026 الأحد ,08 آذار/ مارس

الخيار شمشون …!

GMT 15:42 2026 الأحد ,08 آذار/ مارس

اليوم العالمى للمرأة

GMT 13:06 2026 الجمعة ,06 آذار/ مارس

البحث عن إنسان

أناقة البدلات تسيطر على إطلالات النجمات في عيد الأضحى

دبي - المغرب اليوم

GMT 12:22 2012 الثلاثاء ,30 تشرين الأول / أكتوبر

رحلة إلى العصور الوسطى في بروغ البلجيكية

GMT 03:03 2017 الخميس ,13 إبريل / نيسان

تناول الفاكهة ليس سببًا للاصابة بمرض السكري

GMT 13:37 2024 السبت ,13 كانون الثاني / يناير

من أي معدن سُكب هذا الدحدوح!

GMT 09:45 2021 الثلاثاء ,16 شباط / فبراير

عيب خطير في ساعات أبل و الشركة تعرض الإصلاح مجانا

GMT 10:33 2020 الأربعاء ,29 كانون الثاني / يناير

روسيا تعزز قدرات مطار "فوستوتشني" الفضائي

GMT 03:41 2018 الأربعاء ,19 أيلول / سبتمبر

ميلانيا ترامب ترتدي معطفًا لغوتشي بقيمة 4000 دولار

GMT 07:47 2024 الخميس ,21 تشرين الثاني / نوفمبر

أفكار في الديكور للحصول على غرفة معيشة مميزة في 2025

GMT 09:51 2024 الثلاثاء ,09 تموز / يوليو

أمن طنجة يفكك شبكة متخصصة في سرقة دراجات نارية

GMT 10:45 2023 الجمعة ,08 كانون الأول / ديسمبر

هزة أرضية بقوة 5.1 درجات تضرب شرق خليج عدن

GMT 13:08 2023 الثلاثاء ,18 إبريل / نيسان

الشهب الاصطناعية تغرم نادي أولمبيك خريبكة

GMT 18:31 2023 الإثنين ,23 كانون الثاني / يناير

أسعار النفط تُسجل 87.47 دولار لبرنت و81.49 دولار للخام الأميركي

GMT 21:31 2022 الثلاثاء ,05 تموز / يوليو

الشرطة الأميركية تكشف خطة هروب مسلح شيكاغو
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib