عن الدستور والدستوريّة في المشرق العربي

... عن الدستور والدستوريّة في المشرق العربي

المغرب اليوم -

 عن الدستور والدستوريّة في المشرق العربي

بقلم:حازم صاغية

قبل بضعة أيّام احتفل قليل من اللبنانيّين بمئويّة الدستور. ذاك أنّ بعضاً آخر كان يحتفل بـ«انتصارات» تأدّى عنها إحراق الزرع والضرع في الجنوب اللبنانيّ، فيما بعض ثالث توزّع بين قلّة الاكتراث بالتاريخ السياسيّ عموماً وعبء الانشغال بالحرب الإسرائيليّة وما يرافقها من هموم حياتيّة طاحنة.

في الأحوال كافّة، يبقى أنّ الحدث كبير وتاريخيّ، لا بوصفه لبنانيّاً فحسب، بل لدلالته على وجهة عرفتها منطقة المشرق، وكذلك البلدان التي أثّرت على نحو أو آخر في المنطقة المذكورة.

ففي أواخر 1876 أعلن السلطان عبد الحميد الدستور وعيّن مدحت باشا «أب الدستور» والياً على سوريّة، كما شكّل «مجلس المبعوثان»، أي البرلمان، ليفتتحه بعد عام واحد.

لكنّ عبد الحميد، وبدون أن يلغي الدستور، عطّل العمل به في 1878 ثمّ حلّ «مجلس المبعوثان»، مدشّناً ما وُصف بـ«الاستبداد الحميديّ». إلاّ أنّ العمل بالدستور أعاده انقلاب «الاتّحاد والترقّي» في 1908 والذي افتتح للحرّيّات حقبة من الازدهار لم تعمّر طويلاً.

في هذه الغضون عرفت إيران الثورة الدستوريّة، أو «المشروطيّة»، التي امتدّت أحداثها والصراع حولها ما بين الولادة في 1905 والهزيمة في 1911، وفي خلالها صدر الدستور، عام 1906، وافتُتح البرلمان.

أمّا تونس فتحت ضغط أوروبيّ، وتأثّراً بجوار أوروبا عبر المتوسّط، فأصدرت في 1857 «عهد الأمان» الذي مهّد للدستور الصادر بعد أعوام أربعة، مشكّلاً أوّل وثيقة مكتوبة في العالمين العربيّ والإسلاميّ. وترجمةً لهذا التحوّل أنشىء مجلس استشاريّ سُمّي «المجلس الأكبر»، فيما عُيّن الرمز الإصلاحيّ خير الدين التونسيّ رئيساً له.

وفي وقت لاحق، في 1920، تحوّلت «الدستوريّة» هويّةً سياسيّة وحزبيّة، فسمّى عبد العزيز الثعالبي حزبه «الحزب الدستوريّ».

لكنْ في المشرق، بمعناه الأوسع، نالت مصر دستورها في 1923 وجاء مستوحى من الدستور البلجيكيّ الذي راج حينذاك استيحاؤه. وقد جرت لاحقاً محاولات لإلغائه وقف وراءها الملك فؤاد الأوّل وحكومة اسماعيل صدقي، لكنّها لم تُفلح. هكذا استمرّ العمل بدستور 1923 إلى أنّ ألغاه الضبّاط بعد انقلابهم في 1952.

وعلى عكس تونس، فقبل وضع دستور 1923 كانت «الدستوريّة» قد اكتسبت وزنها كمفهوم سياسيّ قائم بذاته. هكذا مثلاً تأسّس في أواخر 1922 «حزب الأحرار الدستوريّين» الذي بدأ انشقاقاً عن «حزب الوفد» قاده عدلي يكن.

غير أنّ مصر عرفت في وقت مبكر ما يمكن وصفه بالتمهيد الثقافيّ للدستور. فمنذ النصف الأوّل من القرن التاسع عشر، وخصوصاً مع تأسيس «مدرسة الألسن» في 1835، نشطت حركة ترجمة واسعة كان رائدها رفاعة رافع الطهطاوي. وفي السياق هذا ترجم الطهطاوي، العائد من باريس، نصَّين فرنسيّين هما «الميثاق الدستوريّ لعام 1814» الذي وضعه الملكيّون عشيّة سقوط نابوليون، و«الميثاق الدستوريّ لعام 1830» الذي صدر بعد الثورة عامذاك وتولّي لويس فيليب الأوّل العرش.

وفي 1920 أُعلن دستور المملكة السوريّة الذي أقرّه المؤتمر السوريّ العامّ، وهو لم يُلغَ بمرسوم دستوريّ بل سقط بسقوط المَلَكيّة التي تربّع على عرشها فيصل بن الحسين. ومع الانتداب الفرنسيّ وُضع الدستور السوريّ الثاني في 1930.

أمّا العراق فعرف دستوره الأوّل عام 1925 في ظلّ مَلَكيّة فيصل، وكانت قد وضعته جمعيّة تأسيسيّة منتخبة. وكما في مصر قبل ستّ سنوات، أطاح ذاك الدستورَ انقلابُ 1958 العسكريّ الذي أطاح المَلَكيّة.

وبالعودة إلى لبنان، ففي ظلّ الحكم الانتدابيّ، بوصفه تمريناً على الاستقلال، وُضع دستور استوحى الدساتير الفرنسيّة والبلجيكيّة والمصريّة، فضلاً عن «النظام الأساسيّ» لمتصرفيّة جبل لبنان.

وهذا الأخير، الذي اعتُمد في 1861، مُحدّداً كيفيّات اشتغال نظام الإدارة، إنّما وُلد قبل أن يوضع للسلطنة العثمانيّة دستور، فشكّل بالتالي المناسبة الأولى في تاريخ تلك السلطنة حيث يُعهد لنصّ قانونيّ بسلطة مُلزِمة على العمليّات السياسيّة. أمّا المتصرّف العثمانيّ فكان يساعده في إدارة الحكم «مجلس إدارة» من 12 عضواً ينتخبه مخاتير القرى و«مجالس الصلح» التي تشكّلها مؤسّسات قضائيّة وإداريّة تتولّى فضّ المنازعات المحلّيّة والحدّ من اللجوء إلى المحاكم الأعلى.

لقد ساهم في وضع دستور 1926 بعض أبرز مثقّفي تلك الحقبة، وعلى رأسهم الكاتب والصحافيّ ميشال شيحا، فيما أنشأ القاضي يوسف صادر «المجلّة القضائيّة» التي كانت الأولى من نوعها في العالم العربيّ، معرّفاً اللبنانيّين بدستورهم الجديد. هكذا غدا لبنان الجمهوريّة الأولى في العالم العربيّ، حيث اعتُمد فصل غير مسبوق بين السلطات التشريعيّة والتنفيذيّة والقضائيّة.

ولاحقاً، في 1932، عندما علّق المفوّض السامي الفرنسيّ، الجنرال بونسو، الدستور، نشأت «الكتلة الدستوريّة» في سياق من الاعتراض على القرار الفرنسيّ، ولكنْ أيضاً من الإقرار بموقع الدستور والدستوريّة في الحياة والثقافة السياسيّتين.

ودار الزمان دورته على مدى قرن فانتهينا إلى شيوع غابات القتل بديلاً من الدساتير والنضال لأجلها: دماء وأشلاء وتحرّر وتحرير و«بداية زوال إسرائيل» على ما أكّد لنا الشيخ نعيم قاسم. أمّا المسيرة اللولبيّة الصاعدة إلى أعلى، وإلى أمام، فممّا لا يرقى إليه أيّ شكّ. أليس كذلك؟

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

 عن الدستور والدستوريّة في المشرق العربي  عن الدستور والدستوريّة في المشرق العربي



GMT 08:42 2026 الأربعاء ,27 أيار / مايو

حُب النبي الأكرم

GMT 02:22 2026 الأربعاء ,27 أيار / مايو

حصاد الفوضى

GMT 02:20 2026 الأربعاء ,27 أيار / مايو

حسّان ياسين... شرب الحياة لآخر قطرة

GMT 02:14 2026 الأربعاء ,27 أيار / مايو

السلام من فم الحرب؟

GMT 02:12 2026 الأربعاء ,27 أيار / مايو

قوارض غزة تقضم الناس... والأرض

GMT 02:10 2026 الأربعاء ,27 أيار / مايو

السعودية والحج... جاهزية لا مثيل لها

GMT 00:41 2026 السبت ,23 أيار / مايو

سرُّ الصفعة الرئاسية

يارا السكري تخطف الأنظار بإطلالات راقية في مهرجان كان 2026

باريس - المغرب اليوم

GMT 01:27 2026 الأربعاء ,27 أيار / مايو

البرهان يكشف عن ترتيبات لإطلاق حوار سياسي شامل
المغرب اليوم - البرهان يكشف عن ترتيبات لإطلاق حوار سياسي شامل

GMT 12:45 2016 السبت ,08 تشرين الأول / أكتوبر

حيكر يتصدر نتائج اقتراع الدار البيضاء – أنفا

GMT 05:30 2016 الجمعة ,14 تشرين الأول / أكتوبر

كيمي كراوفورد تؤكد أن ترامب يكره أصحاب البشرة السمراء

GMT 18:13 2016 الجمعة ,14 تشرين الأول / أكتوبر

خيري رمضان يلتقي عائلة النجم محمد رمضان في برنامج "ممكن"

GMT 15:02 2019 الأربعاء ,09 تشرين الأول / أكتوبر

عمرو فهمي يُطالب فوزي لقجع بالاستقالة من الاتحاد الأفريقي

GMT 21:47 2019 السبت ,21 أيلول / سبتمبر

مينا مسعود يتحدث عن أجره في فيلم "علاء الدين"
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib