التّعافي الممنوع

التّعافي الممنوع

المغرب اليوم -

التّعافي الممنوع

د. آمال موسى
بقلم - د. آمال موسى

أن تكون قوياً سواء كنت فرداً أو دولة، فذاك ليس بالأمر الذي يلقى التصفيق الحار والدفع إلى الأخذ بأسباب القوة ومظاهرها. لذلك؛ فإن رحلة امتلاك القوة أو رحلة التّعافي وقهر المرض والانتصار عليه إنما يمثلان القوة والتعافي بحد ذاتهما.

والحديث عن الرحلة يحتمل معاني عدّة، أهمها العثرات والمجهول وسيناريوهات الخطر والمزالق والمفاجآت. وهذا هو بالضبط ما يعيشه الفرد الذي قرر أن يتجاوز وهنه ويبني قوة تسمح له بالعيش الكريم. والشيء نفسه تعرفه الدولة المنهارة عندما تحاول التعافي واسترجاع السيادة وقبضة يدها على غنائمها.

ليس سهلاً أن يُسمح لدولة بأن تكون قوية: فللقوة ثمن ومعارضون وأعداء. هناك دول تعيش على ضعف دول أخرى. لذلك فإن تعافي الدولة التي عاشت انهياراً أو حرباً أو صراعات أو سقوط نظامها، ستواجه بسيوف عدّة تحاول منع التعافي وتأجيله إلى أجل غير مسمى حتى يُكمل اللصوص جمع الغنائم التي تُرضي جوعهم للتوسع.

إذن الفكرة الأولى التي نراها تتكرر مع كل دولة تسقط أو تمر بأزمات حادة، هي أنه على مستوى الخارج ليس أمامها إلا دول قوية ترى فيها غنيمة، ودول أخرى تتعاطى مع أزمتها ومحاولتها الصعبة للتعافي بحياد أو باستفادة عابرة ظرفية قد تتعلق بتداعيات الصراع على السياحة مثلاً فتستفيد الدولة الجارة أو التي تنافسها أو الاثنين معاً.

هذا مفهوم وواضح ويمكن اعتباره عادياً باعتبار أن كل دولة تبحث عن مصلحتها ومصلحة شعبها، وكل من يضعف ويسقط وينهار لا بد من أن يدفع فاتورة وصوله إلى تلك الدرجة من الوهن. لذلك؛ فإن اللوم على الدول التي لا ترحم الدولة المنهارة والمتأزمة لا معنى له ويعد خطاباً رومانسياً لا يتسع له صدر السياسة الواقعية النفعية. فالتعافي على مستوى الدولة شبه ممنوع وفي أحسن الحالات يكون بطيئاً جداً إلى درجة لا يمكن فيها ملاحظة التعافي. ولنّا أمثلة كثيرة: لبنان والعراق وليبيا وغيرها. وأول استنتاج لا يحتاج إلى جهد كبير، هو أن استمرار التشتت وعدم الاستقرار والتوتر يخدم مصالح دول عدة، في حين أن التعافي يعني ضرراً لتلك المصالح؛ الأمر الذي يستلزم من المستفيدين من عدم الاستقرار إلقاء العصا في العجلات.

كأن هناك صوتاً يصاحب رحلات التعافي في كثير من بلدان ويقول: ممنوع.

لا مشكلة في أن تعمل دول على منع تعافي دولة فذاك هو منطق العلاقات الدولية المسكوت عنه. غير أن غير المقبول أن يكون داخل الدولة نفسها، وبخاصة بين نخبها السياسية من يعمل على ديمومة حالة الوهن.

إنّ التحليل الموضوعيّ لمحنة التعافي في كثيرٍ من بلداننا العربية، يحتم علينا التركيز على الجانب غير العادي والصادم، وهو دور النخب السياسية داخل الوطن في إذكاء منع التعافي ودعم خطة الدول الأجنبية في التصدي بكل العراقيل الممكنة لمنع تعافي الدولة واسترجاع سيادتها على ترابها وثرواتها.

لا نريد تناول مسألة الأذرع الداخلية التي تحركها الدول الأجنبية لإحكام خطتها، فذاك يأخذنا إلى مدار الخيانات، وهو أمر يظل دائماً من دون دليل.

ما يعنينا هو أن انخراط النخب داخل الوطن الباحث عن التعافي واسترجاع السيادة وأسباب القوة في التوترات والخلافات وتعطيل مشاريع المصالحات الوطنية ونكران الذات والمطامع؛ ما يمثل أكبر عائق وأخطر سبب ضد تعافي أي دولة. أن تكون هناك أطراف خارجية ضد دولة تريد التعافي والوقوف من جديد والتوحد فذاك لا يبعث على الاستغراب؛ لأن هذه الأطراف تمثل الآخر الخصم والمعادي، صمتاً أو علناً. في حين أن تطعن النخب السياسية في بعضها بعضاً وتعمل على خلق الانشقاق؛ فهذا يعني أن الذات الوطنية تهاجم ذاتها، وهنا مرد الصدمة وأخطر أعراض مرض جهاز مناعة الذات الوطنية.

لذلك؛ فإن المشكل الحقيقي دائماً يرتبط بالداخل وبالنخب الوطنية، وهي المطالَبة بتقديم عملية التعافي على كل الأهداف الأخرى. كما أن لا مصلحة لأي طرف داخل الوطن في المشاركة في منع تعافي دولته. إذ لا يمكن لأي طرف أن يكون قوياً ومرفوع الرأس ومحفوظ الكرامة ودولته عليلة.

ما يحصل في ليبيا من منع متعدد الأيادي والرصاصات كي تظل في حالة نهب مفتوحة، يستدعي استفاقة سريعة وفهماً أسرع وتعويضاً كبيراً للزمن وللنفط وللوطن وللطفل الليبي الحامل إرثاً ثقيلاً لا ناقة له فيه ولا جمل.

لنتعلم في العراق ولبنان وليبيا... كيف نرفع تحديات التعافي وإحكام غلق الثغرات التي تتسرب منها الغازات القاتلة.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

التّعافي الممنوع التّعافي الممنوع



GMT 12:13 2026 الأحد ,29 آذار/ مارس

إيران واعتقال الجغرافيا

GMT 02:02 2026 السبت ,14 آذار/ مارس

لبنان بين الأنوار والنيران

GMT 15:44 2026 الأحد ,08 آذار/ مارس

الخيار شمشون …!

GMT 15:42 2026 الأحد ,08 آذار/ مارس

اليوم العالمى للمرأة

GMT 13:06 2026 الجمعة ,06 آذار/ مارس

البحث عن إنسان

حلا الترك تخطف الأنظار بإطلالاتها الشبابية الراقية

المنامة ـ المغرب اليوم

GMT 01:51 2026 الثلاثاء ,19 أيار / مايو

كويكب بحجم الحوت الأزرق يمر بالقرب من الأرض
المغرب اليوم - كويكب بحجم الحوت الأزرق يمر بالقرب من الأرض

GMT 20:51 2020 الأربعاء ,02 كانون الأول / ديسمبر

إدارة برشلونة تبدأ مفاوضات تقليل رواتب اللاعبين والموظفين

GMT 12:35 2020 الجمعة ,23 تشرين الأول / أكتوبر

تويوتا لاند كروزر 2021 وحش الطرق الوعرة في ثوب جديد

GMT 01:05 2018 الجمعة ,21 أيلول / سبتمبر

تعرف علي مواصفات مولود مواليد برج الميزان

GMT 05:31 2018 الأحد ,17 حزيران / يونيو

أفضل أماكن شهر العسل في أفريقيا

GMT 05:20 2017 الأحد ,26 تشرين الثاني / نوفمبر

فيصل فجر يؤكد أن كرسي الاحتياط لا يزعجه في خيتافي

GMT 00:26 2020 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

بعد فيرنر صفقة مدوية جديدة تقترب من تشيلسي

GMT 23:03 2019 السبت ,21 كانون الأول / ديسمبر

ليونيل ميسي يقترب من تحقيق إنجازً فريدًا مع برشلونة

GMT 17:45 2019 الأربعاء ,27 شباط / فبراير

فنادق ننصحك بزيارتها عند الذهاب إلي اليونان

GMT 14:19 2019 الخميس ,24 كانون الثاني / يناير

الفنانة نيللي كريم تبدأ التحضير لمسلسلها الجديد
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib