مهن المستقبل ودعاية التضليل

مهن المستقبل ودعاية التضليل

المغرب اليوم -

مهن المستقبل ودعاية التضليل

د. آمال موسى
بقلم - د. آمال موسى

لا شك في أن عالم المهن متحرك، ويتميز بالتكيف مع التغييرات الحاصلة في الحاجات وطرائق تلبيتها: تدخل مهن على الخط، وتتراجع أخرى، وتطرأ تطورات على مهن وتأخذ صورة جديدة من دون أن يتغير جوهر المهنة ذاته.

نتذكر جيداً أن أهم حدث عرفه عالم المهن كان مع عصر المكننة وبداية التراجع النسبي عن الاعتماد على اليد العاملة. وهو حدث بقدر ما شكل صدمة لليد العاملة، فإنه نقل الاقتصاد اليدوي إلى أفق تجاري واسع ووفرة الإنتاجية. وإلى اليوم ما زالت المجتمعات تنعى من حين إلى آخر صناعة من الصناعات اليدوية التي تقطع بمرور الوقت خطوة إضافية نحو الاندثار، مع العلم بأن بعض البلدان المتفطنة للبعد الثقافي النفيس لمهن اليد نجحت في تطويرها وربطها بمجال السياحة، مع إضفاء لمسة عصرية على بعض المنتجات.

إذن صحيح أن عالم المهن ليس ثابتاً، وهو بذلك يتبع النظام العام للحياة وسيرورة المجتمعات ويتطور بتطورها، وهناك من المهن من فَرْط تغيرها نحو الأفضل والأسرع والأكثر إتقاناً، خيّلَ لنا أننا أمام مهنة أخرى مغايرة تماماً. من دون أن ننسى نقطة مهمة، وهي أن اندثار بعض المهن لا يتم سريعاً ويستغرق زمناً طويلاً وهو أمر مفهوم جداً لأن المهن تدخل في الرأسمال الثقافي للمجتمعات والإنسانية بشكل عام، وكل ما يمت بصلة للثقافة فإنه لا يتغير بسهولة ولا يندثر سريعاً، بل إنه يقاوم ويقاوم من أجل البقاء أكثر، ودائماً هناك مَن يدافع عن هذه المهن المهددة، تماماً كما ندافع عن التراث والتاريخ والآثار...

ولكن رغم هذه الدينامية الواضحة وشبه الدائمة، فإن غالبية المهن ظلَّت وربحت معركة البقاء، وإن تغيرت التسميات والشكل والخدمات، ذلك أن المهن تلبي حاجيات الإنسان، التي هي تقريباً نفسها، والتحدي يكمن في تطوير طرائق التلبية من جهة، ورفع هامش الربح من جهة ثانية. لذلك فإن العامل الأكثر حسماً في تقرير مصير أي مهنة هو مدى قدرتها على إشباع توقعات العاملين فيها المادية، ناهيك من ضرورة ارتباطها العضوي بالحاجيات ونظام الحياة اليومية والمناسباتية والعادات والتقاليد التي تطيل عمر المهن، وتجعلها حاضرة في الاقتصادات الاجتماعية.

فنحن نحتاج دائماً إلى منظف البلدية وإلى الخباز وإلى الطبيب والمعلم والنجار وكل المهن، من دون إخضاعها لأي ترتيب تفاضلي، لأن كل المهن متساوية إذا ما كانت تلبي حاجاتنا الحيوية والحياتية. ومن التهور الذهني الاعتقاد أن اختراع آلة لإعداد الخبز سيؤدي مع الوقت إلى إغلاق كل محلات إعداد وبيع الخبز واندثار هذه المهنة العريقة. فما نراه حقاً أن هذه المهنة مثلاً تحاول أن تكون عصرية أكثر وتنخرط في الاستهلاكية، من خلال تنويع المنتجات والتأقلم مع خيارات الزبائن والتفاعل مع الخصوصيات الصحية لبعضهم، وهذا نوع من التكيف التجاري الذكي.

بل إنه حتى المهن المهددة أكثر من غيرها بالانقراض، فهي لم تندثر رغم أن خبر الاندثار انتشر منذ عقود طويلة جداً، وأصبحت مشغولات اليد باهظة وخاصة وزبائنها خاصة الخاصة، أي أنها للأغنياء المهتمين بالنادر والأصلي.

اليوم نلاحظ وجود تسونامي من الدعايات التضليلية التي تسوق معلومات حول المهن التي تصفها بمهن المستقبل، وهي وظائف قائمة على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات والأمن السيبراني. والغريب أن هذا الخطاب ينتشر في صفوف الشباب الطلَبَة بقوة وله تأثير الحقنة المخدرة للعقول؛ حيث إن الاتجاه العام للطلبة يميل اليوم إلى اختيار هذه التخصصات الجامعية من دون سواها، ومن لا يختارها نعده لا مستقبل وظيفياً له.

تصوروا أن عالم المهن أصبح ضيقاً إلى هذا الحد، وأن القوة الرقمية ستضغط على الزر السحري فتندثر كل المهن التي نعرفها، وتظل المهن التي يبشر بها أصحاب دعايات تضلل الشباب وتبالغ أكثر مما يجب، وهي تفعل ذلك من منطلق إدراكها لمدى تأثيرها على شباب يبحثون عن علاقة تفاعلية بين الدراسة الجامعية وسوق الشغل.

طبعاً من المهم الانتباه إلى ظهور مهن جديدة والتمكن منها، باعتبارها أضحت أمراً واقعاً في نظام المهن العام، ولكنّ هناك فرقاً شاسعاً بين الانتباه وتوخي خطاب دعائي يُضخّم من مهن لا يتجاوز عددها عدد أصابع اليد ويلغي تماماً كل المهن القائمة. فهل يمكن لمليارات من البشر أن يشتغلوا كلهم في عشر وظائف؟

نحن نعتقد أن أخطر ما في الموضوع كله هو أن تضمحل اختصاصات جامعية أصبحت بفعل هذا الخطاب الدعائي لمهن المستقبل تعاني من العزوف عنها والتقليل من شأنها وحتى التنمر على من يختارها، وربما نجد أنفسنا بعد سنوات مضطرين إلى إلغاء أقسام اللغات والفلسفة والتاريخ والجغرافيا والآداب وعلم الاجتماع والنفس والفنون. فمن سيدرّس أطفال المستقبل ومن سيحلل لنا الظواهر ويحدد لنا الأسباب والمحركات ومن سيقرأ لنا التاريخ؟

أخشى أن تكون الإجابة لدى المبشرين بالمهن المطلوبة في المستقبل: «الذكاء الاصطناعي سيقوم بكل شيء». وهذا رهان شديد الخطورة على الإنسان ووظيفته في الأرض.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

مهن المستقبل ودعاية التضليل مهن المستقبل ودعاية التضليل



GMT 00:41 2026 السبت ,23 أيار / مايو

سرُّ الصفعة الرئاسية

GMT 00:40 2026 السبت ,23 أيار / مايو

أميركا من «بيرل هاربر» إلى 11 سبتمبر

GMT 00:39 2026 السبت ,23 أيار / مايو

هل مشكلة إيران في زيادة عدد الشعب؟

GMT 00:38 2026 السبت ,23 أيار / مايو

إدارة الفرصة على الطريقة الصينية

GMT 00:37 2026 السبت ,23 أيار / مايو

مأزق القرار في طهران

GMT 00:36 2026 السبت ,23 أيار / مايو

أميركا بين العلمانية والموجة الدينية

GMT 23:59 2026 الجمعة ,22 أيار / مايو

هدنة أسوأ من الحرب

GMT 23:57 2026 الجمعة ,22 أيار / مايو

جبهة إيران العراقية

يارا السكري تخطف الأنظار بإطلالات راقية في مهرجان كان 2026

باريس - المغرب اليوم

GMT 16:20 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

آبل تصنف iPhone 11 Pro ضمن قائمة المنتجات القديمة

GMT 16:47 2022 الجمعة ,14 كانون الثاني / يناير

حزب التجمع الوطني للأحرار" يعقد 15 مؤتمرا إقليميا بـ7 جهات

GMT 13:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 07:50 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

سعر الذهب في المغرب اليوم السبت 31 يناير/ كانون الثاني 2026

GMT 11:36 2018 الإثنين ,15 كانون الثاني / يناير

سعر الدولار الأميركي مقابل دينار عراقي الإثنين

GMT 18:09 2019 الثلاثاء ,01 تشرين الأول / أكتوبر

كيف تنسقين الجاكيت البليزر على طريقة المدونات المحجبات؟

GMT 09:00 2019 الجمعة ,10 أيار / مايو

ماهو التعلّم النشط من منظور إسلامي؟

GMT 20:05 2018 الأربعاء ,24 تشرين الأول / أكتوبر

سعر برميل النفط الكويتي ينخفض إلى 76.59 دولار الأربعاء

GMT 06:41 2018 السبت ,06 تشرين الأول / أكتوبر

تعرفي على أفضل الجزر الآسيوية لقضاء شهر عسل رومانسي

GMT 18:23 2018 الأربعاء ,03 تشرين الأول / أكتوبر

إيقاف محمد أمين بنهاشم مُدرّب أولمبيك خريبكة مباراتين

GMT 12:27 2014 السبت ,12 تموز / يوليو

الفنانة العراقية سحر طه تغني بغداد

GMT 05:30 2018 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

عرض استثنائي لـ"فيتون" لوداع المدير الفني الخاص بها

GMT 09:24 2018 الإثنين ,01 كانون الثاني / يناير

أجمل بروشات الفاخرة التي تناسب موسم الأعياد

GMT 08:11 2012 الجمعة ,22 حزيران / يونيو

برنت يتراجع عن مستوى 104 دولارات للبرميل

GMT 23:04 2016 الجمعة ,21 تشرين الأول / أكتوبر

التصريف اللمفاوي مفيد لمشاكل الجهاز اللمفاوي

GMT 14:15 2016 الأربعاء ,27 كانون الثاني / يناير

فوائد الشطة لعلاج مرض الصدفية
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib