قد يبدو الألم الحاد الذي يشعر به بعض الأشخاص عند تناول الآيس كريم أو المشروبات الباردة أمراً عابراً لا يستدعي الانتباه، إلا أن الدراسات تشير إلى أن هذه الظاهرة الشائعة، المعروفة باسم "تجمّد الدماغ"، قد تحمل دلالات تتجاوز مجرد الانزعاج المؤقت، إذ يمكن أن ترتبط بتاريخ عائلي من الصداع أو بوجود حالات مثل الصداع النصفي غير المشخّصة.
ففي الأيام الحارة، قد يتعرض كثيرون لألم مفاجئ وحاد في الجبهة أو الرأس بعد تناول المثلجات بسرعة، وكأن شيئاً بارداً اخترق الرأس لثوانٍ معدودة قبل أن يختفي. ويُعرف هذا الألم طبياً باسم "صداع المحفزات الباردة"، وهو حالة شائعة وغير خطيرة في الغالب.
ويعتقد الباحثون أن السبب يعود إلى التبريد السريع لسقف الفم أو الجزء الخلفي من الحلق، ما يؤدي إلى انقباض الأوعية الدموية بشكل مفاجئ ثم تمددها مجدداً لاستعادة تدفق الدم الطبيعي. وترتبط الألياف العصبية الناقلة للألم في هذه المنطقة بالعصب ثلاثي التوائم المسؤول عن نقل الإحساس من الوجه والجبهة، وهو ما يفسر شعور المصاب بالألم في الرأس بدلاً من الفم.
كما تشير بعض البيانات إلى أن تناول الأطعمة أو المشروبات شديدة البرودة قد يتسبب لدى بعض الأشخاص في خفقان القلب أو اضطراب مؤقت في نظم ضرباته، خصوصاً لدى الرجال في منتصف العمر.
ولتجنب الإصابة بتجمّد الدماغ، ينصح الخبراء بتناول المثلجات والمشروبات الباردة ببطء ومنح سقف الفم فرصة للتكيف مع درجة الحرارة المنخفضة. وفي حال حدوث الألم، يمكن المساعدة على تخفيفه من خلال تدفئة سقف الفم باستخدام اللسان أو شرب مشروب دافئ.
وأثارت هذه الظاهرة اهتمام الباحثين الذين حاولوا فهم سبب إصابة بعض الأشخاص بها أكثر من غيرهم. وبعد مراجعة عشرات الدراسات التي أُجريت في عدة دول وعلى مدى عقود، تبين وجود أنماط مشتركة بين المصابين، من أبرزها وجود تاريخ عائلي للحالة، ما يشير إلى احتمال وجود عوامل وراثية تلعب دوراً في حدوثها، رغم أن العلماء لم يتمكنوا حتى الآن من تحديد جينات مسؤولة بشكل مباشر عن ذلك.
كما كشفت الدراسات أن العامل الأكثر ارتباطاً بزيادة شدة الألم هو الإصابة بأنواع أخرى من الصداع، وخاصة الصداع النصفي. فالأشخاص الذين يعانون من الشقيقة غالباً ما يختبرون ألماً أشد عند التعرض لصداع المثلجات مقارنة بغيرهم.
وفي إحدى الدراسات التي أُجريت خلال سبعينيات القرن الماضي، تبين أن 93 في المئة من المصابين بالصداع النصفي تعرضوا أيضاً لصداع تناول الآيس كريم، بينما لم يُصب به سوى نحو ثلث الأشخاص الذين لا يعانون من الشقيقة.
ويرى متخصصون أن الحساسية الزائدة للعصب ثلاثي التوائم لدى مرضى الصداع النصفي قد تجعلهم أكثر استجابة للمحفزات الباردة، وهو ما يفسر ارتفاع معدلات الإصابة لديهم.
ويؤكد الباحثون أن تكرار الإصابة بصداع المثلجات أو الشعور بألم شديد بشكل غير معتاد قد يكون مؤشراً يستدعي مراجعة التاريخ المرضي للصداع لدى الشخص أو لدى الأطفال، إذ قد يكشف عن حالات قابلة للتشخيص والعلاج لم تكن موضع اهتمام سابق.
وقد استفاد العلماء لعقود من ظاهرة تجمّد الدماغ في دراسة آليات الصداع النصفي، نظراً لإمكانية تحفيزها بسهولة داخل المختبر من خلال تعريض سقف الفم لدرجات حرارة منخفضة. وساعد ذلك في فهم دور الأوعية الدموية والشبكات العصبية المختلفة في نشوء آلام الرأس.
ورغم أن الباحثين باتوا يستخدمون وسائل أكثر تطوراً لدراسة الصداع النصفي وتطوير علاجات جديدة له، فإن ظاهرة تجمّد الدماغ ما زالت تمثل نموذجاً مهماً لفهم كيفية استجابة الجهاز العصبي للألم.
ويشدد الخبراء على أن الإصابة بهذا النوع من الصداع لا تعني ضرورة الامتناع عن تناول المثلجات، بل يمكن التعامل معه ببساطة من خلال تناول الأطعمة الباردة ببطء ومنح الجسم الوقت الكافي للتأقلم مع البرودة، ما يتيح الاستمتاع بالمذاق وتجنب الألم في الوقت نفسه.
قد يهمك أيضـــــــا :
الصداع النصفي اضطراب عصبي معقّد يتجاوز كونه ألماً في الرأس
شرب الماء يساعد في علاج الصداع المزمن
أرسل تعليقك
تعليقك كزائر