هل المغرب دولةُ قانون؟ كان هذا هو السؤالَ المحوري الذي حاول أساتذة جامعيون الإجابة عنه، في ندوة نظمها المرصد الوطني لحقوق الناخب، بشراكة مع مؤسسة كونراد أدناور الألمانية، مساء الجمعة بالرباط، تحت عنوان "المغرب ودولة القانون، أي أفق". رئيس المرصد الوطني لحقوق الناخب، خالد الطرابلسي، نبّه في الكلمة التمهيدية للندوة، إلى المفارقة التي تَسم علاقة الدولة بالقانون في الحالة المغربية، ذلك أنّ المغرب خطا خطوات مهمة في التأسيس لدولة الحق والقانون، من خلال القوانين والتشريعات التي جرى سنُّها منذ الاستقلال إلى الآن، وعلى رأسها الوثيقة الدستورية، "لكن ما نلمسه على أرض الواقع مختلف عمّا هو منصوص عليه في الدستور"، كما يرى الطرابلسي.
وأشار المتحدث إلى أنّ المغرب حقق مكتسبات مهمة في مجال إرساء دولة الحق والقانون، لكنّه نبّه إلى وجود تراجعات وصفها بـ"الخطرة"، على مستوى الحقوق والحريات، وهو ما يدفع، بحسبه، إلى التساؤل حول "هل نحن، فعلا، في دولة الحق والقانون"، و "هل المغرب دولة حق وقانون".
وتقوم دولة القانون على فكرة تقييد السلطة، حيث استقرّ رأي الفقهاء في العصر الحديث، وفق ما بيّنته الورقة التقديمية لندوة المرصد الوطني لحقوق الناخب، على أنّ سلطة الدولة ليست مطلقة، وأنها يجب أن تفرض عليها قيودا معينة من أجل تحقيق الأمن القانوني الذي يرسّخ استقرارا ضروريا لضمان الحقوق.
في هذا الإطار وضّح حسن جماعي، أستاذ العلوم السياسية وزائر بجامعة عبد الملك السعدي بطنجة، أنّ دولة القانون هي نقيضُ الدولة البوليسية التي تعمل بمنطق التعليمات، وقد انطلق بناء دولة القانون، تاريخيا، عبر الانتقال من الإرادة الملكية المُطلقة إلى الإدارة العامة، عبر تقليص صلاحيات الملك، متسائلا: "السؤال المطروح في حالتنا، هو هل يأخذ المغرب بجلّ تقنيات القانون أم لا"، ثم أجاب على السؤال بالقول: "المغرب يعيش انتقالا سياسيا وليس انتقالا ديمقراطيا".
وجهْة النظر التي عبر عنها جماعي، أيدها خالد العسري، أستاذ بجامعة عبد الملك السعدي بطنجة، الذي يرى بدوره أن المغرب "يعيش انتقالا لا ينتهي، فلا هو بدولة ديكتاتورية ولا هو بدولة ديمقراطية"، مضيفا "بعد الاحتجاجات التي قادتها حركة 20 فبراير كان هناك تعديل للدستور، لكن للأسف لا زلنا في تراجعات مستمرة، حيث يتم تغيير الوجوه، لكن الواقع لا يتغير، كما أن قواعد العمل السياسي بدورها لا تتغير".
واستعرض العسري جملة من المؤشرات التي تُقاس بها دولة القانون، من قبيل تقييد السلطة التنفيذية، أي جعلها تحت رقابة السلطتين التشريعية والقضائية، ومكافحة الفساد، وانفتاح الحكومة بضمان الحق في المعلومة واعتماد مقاربة تشاركية في إنتاج القوانين، والتدبير الأمثل للإدارة في علاقتها بالمرتفق، واستتباب الأمن عبر التحكم في الجريمة...
وخلُص المتحدث ذاته إلى أنّ دولة القانون هي الدولة التي تحرص على خدمة الشعب، وهذا ما لم يتحقق لحد الآن في التجربة المغربية، على النحو المأمول، مستدلا بالتراجع المستمر للمغرب في مؤشّر التنمية، حيث تقهقر من الرتبة 60 في سنة 2017 إلى الرتبة 67 في سنة 2018، ثم إلى الرتبة 74 ضمن 126 دولة خلال السنة الجارية، وهو ما يعني، بحسبه، أنّ المغرب "يسير من سيّء إلى أسوأ".
وأبرز العسري أنّ وجود القانون في أي دولة لا يعني أن هذا القانون يمثّل الإرادة العامة، ذلك أنّ جميع الدول، بمن فيها الدول الديكتاتورية، لها قوانين، لكن الفرق بين الدولة الديكتاتورية ودولة القانون، هو أنّ ممارسات هذه الأخيرة تتوافق والقوانين المؤطرة للسلطة ولا تتجاوزها".
في هذا الإطار، يرى مصعب التيجاني، أستاذ بجامعة عبد الملك السعدي بطنجة، أنّ دولة القانون لا يمكن أن تتحقق بدون ديمقراطية، وبدون تفعيل القوانين، "إذ لا يكفي وجود دستور متقدم على الورق لنقول إنّنا في دولة القانون، بل ينبغي أن يفعّل الدستور على أرض الواقع، وأن يتم احترامه، من أجل حماية الأفراد من أي تعسف على حقوقهم".
وعرّج التيجاني على جملة من المصطلحات الواردة في دستور 2011، والتي يرى أنها تعبّر عن غياب إرادة حقيقية لتفعيل الوثيقة الدستورية، من قبيل "تسعى الدولة إلى تحقيق مبدأ المناصفة بين الرجال والنساء"، أو "تعمل الدولة والجماعات الترابية على تعبئة كل الوسائل المتاحة لتيسير أسباب استفادة المواطنات والمواطنين، على قدم المساواة"، من مجموعة من الحقوق الواردة ضمن الفصل 31 من الدستور.
ويرى المتحدث ذاته أنّ العبارات من قبيل "تسعى" و "تعمل"... إلخ، لا تُحيل على الإلزام، "وبالتالي فكيف لصانع القرار أن يلتزم باحترام ما لم يلتزم الدستور باحترامه"، بينما قال حسن جماعي إنّ العبارات المذكورة لها أهداف ذات قيمة دستورية، ولكنها غير مُلزمة للدولة لتحقيق نتائجها، وهو ما يُعتبر، يردف المتحدث، من الإشكالات التي يطرحها تفعيل دستور 2011.
من ناحية ثانية، اعتبر مصعب التيجاني، أن المغرب شهد خلال السنوات الأخيرة جملة من التراجعات على مستوى الحقوق والحريات، خاصة فيما يتعلق بالتضييق على الجمعيات الحقوقية، والتعاطي العنيف وغير القانوني مع التعبيرات الاحتجاجية"، على حد تعبيره.
محمد شرف بنخيي، أستاذ زائر بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، توقف في مداخلته عند إحدى الإشكاليات الكبيرة التي تَسم العصر الحالي، وهي التدفقات المالية غير المشروعة، سواء منها المُكتسبة أو المُحوّلة أو المستخدمة بشكل غير قانوني، أو تلك التي يتم تحويلها إلى أعمال غير مشروعة، كالإجرام والإرهاب وغيرها.. أو الأموال المُحصَّنة في الملاذات الضريبية.
وأوضح المتحدث ذاته أنّ ثمّة علاقة وثيقة بين التدفقات المالية غير المشروعة وبين حقوق الإنسان، من حيث أنّ لجوء اًصحاب رؤوس الأموال إلى التهرب الضريبي يَحرم الحكومات من موارد مالية مهمة، فتلجأ إلى إصلاحات جبائية على حساب الفقراء، بينما يستفيد الأثرياء من أصحاب الشركات الكبرى من امتيازات وإعفاءات ضريبية.
وزاد بنخيي أنّ أصحاب الشركات الكبرى يصرّحون بأرباح متدنية، وبالتالي تُفرض عليهم ضرائب يسيرة، بينما "المواطنُ يكون مجبرا على أداء الضريبة الموقعة عليه، وإلا يتم الحجز على أملاكه، أو يخضع للإكراه البدني، في حال عدم توفره على ما يؤدّي ما عليه من ضرائب".
وأكد المتحدث ذاته أنّ هناك علاقة وثيقة بين الضريبة وحقوق الإنسان، انطلاقا ممّا تنص عليه المواثيق الدولية لحقوق الإنسان بضرورة المساواة وعدم التمييز بين المواطنين، مشيرا إلى أنّ تحقيق العدالة الضريبية يقتضي إعادة النظر في طريقة تطبيق الضريبة ونِسَبها.
قد يهمك أيضًا :
توقيع اتفاقية التعاون بين طنجة تطوان الحسيمة ومؤسسة كونراد الألمانية
الداخلية المغربية تعلن عن المحجوزات التي تم ضبطها عند الخلية المتطرفة
أرسل تعليقك
تعليقك كزائر