لقاء المنامة والذكاء الاصطناعي

لقاء المنامة والذكاء الاصطناعي

المغرب اليوم -

لقاء المنامة والذكاء الاصطناعي

محمد الرميحي
بقلم - محمد الرميحي

في الأسبوع الأول من فبراير، احتضنت المنامة اجتماع الدورة الرابعة والأربعين لمنتدى التنمية، ذلك اللقاء السنوي التطوعي، الذي يجمع نخبة من أبناء وبنات الخليج المهتمين بالشأن العام والنظر في مسارات المستقبل للمنطقة. هذه الدورة التي كانت تحت عنوان «دورة علي الكواري» أحد أوائل مؤسسي المنتدى، اختارت عنواناً يعكس روح العصر، «الذكاء الاصطناعي والتنمية»، والذي يتسابق عليه اليوم القوى العالمية. وقدمت أوراقاً بحثية متعددة في لقاء مع متخصصين، ناقشت أثر التحولات التقنية المتسارعة في الاقتصاد والتعليم والإدارة، وسوق العمل، والعلاقات الإنسانية، والابتكار، غير أن السؤال الأعمق لم يكن تقنياً بقدر ما كان تنموياً وملاصقاً لخطط التنوع الاقتصادي، هل الذكاء الاصطناعي وسيلة لتعزيز التنمية، أم أنه الغاية التي ينبغي أن تتجه إليها السياسات العامة؟

دار النقاش بين اتجاهين: الأول رأى في الذكاء الاصطناعي أداة لرفع الكفاءة وتسريع الإنجاز وتحسين جودة القرار، بينما حذر الاتجاه الثاني من تحويل الوسيلة إلى غاية، بحيث يصبح التقدم التقني بديلاً عن التنمية الإنسانية الشاملة، إلا أن خلاصة الحوار جاءت واضحة: الذكاء الاصطناعي لن يحل محل الإنسان، لكن الإنسان الذي يستخدم الذكاء الاصطناعي سيحل محل الإنسان الذي لا يستخدمه.

هذه العبارة تلخص التحول الجاري في العالم، فالمنافسة لم تعد بين الدول الغنية والفقيرة فقط بل بين مجتمعات تمتلك مهارات المستقبل، وأخرى تكتفي باستهلاك التكنولوجيا. لقد أصبحت القدرة على توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي في الإدارة، والطب، والتعليم، والإعلام، والتخطيط الحضري، معياراً جديداً للإنتاجية والابتكار.

في التجارب العالمية لم يلغِ الذكاء الاصطناعي دور الإنسان، بل أعاد تعريفه. الطبيب أصبح مفسراً للبيانات لا مجرد قارئ للأشعة، والمعلم صار موجهاً للتفكير النقدي لا ناقلاً للمعلومة، والإداري صانعاً للقرار المبني على تحليل البيانات. وهكذا ينتقل الإنسان من العمل الروتيني إلى العمل المعرفي الإبداعي.

أوراق المنتدى ونقاشاته «التي سوف تصدر في كتاب» أشارت أيضاً إلى أن دول الخليج لم تعد تتعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه فكرة مستقبلية بل أداة عملية لإعادة تشكيل الاقتصاد والإدارة، فقد ركزت بعض الأوراق على التجارب الجارية في السعودية والبحرين وسلطنة عُمان والإمارات، وقطر والكويت، بوصفها نماذج متنوعة في المسار ذاته: السعودية تبني بنية وطنية للبيانات، وتوظف التقنيات الذكية في المدن والخدمات ضمن رؤية 2030، البحرين توظف التحول الرقمي لتعزيز تنافسيتها خصوصاً في قطاع التقنيات المالية، فيما تمضي عُمان في رقمنة الخدمات، وتوظيف الذكاء الاصطناعي في الموانئ والطاقة والخدمات اللوجستية ضمن رؤية 2040.

كما تبرز تجربة الإمارات في بناء حكومة ذكية واستراتيجية وطنية للذكاء الاصطناعي، جعلت الخدمات الرقمية جزءاً من الحياة اليومية، بينما توظف قطر التقنيات الذكية في التعليم والبنية التحتية والبحث العلمي لتعزيز اقتصاد المعرفة.

هذه التجارب، رغم اختلاف أدواتها، تشترك في هدف واحد: الانتقال من اقتصاد يعتمد على الموارد إلى اقتصاد قائم على المعرفة والكفاءة الرقمية، غير أن التحدي لا يكمن في اقتناء التكنولوجيا، بل في بناء الإنسان القادر على استخدامها، فالتعليم الذي يقوم على الحفظ والتلقين لن ينتج عقلاً قادراً على تحليل البيانات والتفاعل مع الخوارزميات، كما أن بيئة العمل التي تخشى التغيير ستجد نفسها خارج المنافسة. لقد أظهر نقاش المنامة وعياً متزايداً يبين الحضور، بأن التنمية ليست رقماً في الناتج المحلي، بل قدرة المجتمع على التكيف مع التحولات الكبرى، فالذكاء الاصطناعي ليس بديلاً عن الإنسان، بل أداة تضاعف قدرته على الفهم والإبداع واتخاذ القرار.

في النهاية قد لا يكون السؤال: هل سيأخذ الذكاء الاصطناعي وظائف البشر؟ بل السؤال الأهم: هل نعد البشر ليبقوا فاعلين في عصر الذكاء الاصطناعي؟ فالمستقبل لن يكون لمن يملك التكنولوجيا فقط بل لمن يملك الإنسان القادر على استخدامها بوعي ومسؤولية.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

لقاء المنامة والذكاء الاصطناعي لقاء المنامة والذكاء الاصطناعي



GMT 05:45 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

شهادة من اليابان!

GMT 05:43 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

شجاع بين متخاذلين

GMT 05:36 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

ما بعد الأسبوع الرابع ؟!

GMT 05:31 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

معشرك

GMT 05:29 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

جلسة مسائية مع أسرة طهرانية

GMT 05:29 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

طرابلس في حرب إيران

GMT 05:27 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

القراءة المبكرة... هل تحققت؟

GMT 05:27 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

«أرتميس ــ 2» وأوان العودة إلى القمر

GMT 15:46 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

عائشة بن أحمد تشوق محبيها بعمل فني جديد
المغرب اليوم - عائشة بن أحمد تشوق محبيها بعمل فني جديد

GMT 19:02 2020 الجمعة ,01 أيار / مايو

أبرز الأحداث اليوميّة

GMT 07:08 2019 الأحد ,31 آذار/ مارس

شهر بطيء الوتيرة وربما مخيب للأمل

GMT 18:22 2021 الإثنين ,01 شباط / فبراير

يبدأ الشهر مع تنافر بين مركور وأورانوس

GMT 18:36 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

أعد النظر في طريقة تعاطيك مع الزملاء في العمل

GMT 19:17 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

يحاول أحد الزملاء أن يوقعك في مؤامرة خطيرة

GMT 16:39 2020 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

تعيش ظروفاً جميلة وداعمة من الزملاء

GMT 07:43 2020 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الجوزاء الجمعة 30 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:00 2017 الأربعاء ,15 شباط / فبراير

شركة "بورش" تعلن عن مركبتها المميّزة "باناميرا 2018"

GMT 12:41 2023 الإثنين ,25 كانون الأول / ديسمبر

الطابع العصري يطغى على إطلالات ريم السعيدي في 2023

GMT 20:32 2016 الثلاثاء ,12 كانون الثاني / يناير

فوائد الريحان لعلاج القرح والجروح

GMT 12:10 2023 الأربعاء ,15 تشرين الثاني / نوفمبر

إردوغان يؤكد أن إسرائيل دولة إرهابية وأن نهاية نتنياهو اقتربت
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib