احتمالات التطور في الملف الإيراني

احتمالات التطور في الملف الإيراني

المغرب اليوم -

احتمالات التطور في الملف الإيراني

محمد الرميحي
بقلم - محمد الرميحي

إذا افترضنا أن واشنطن وطهران توصلتا إلى صفقة كبرى لا تشبه التفاهمات الجزئية السابقة، بل تذهب مباشرة إلى إنهاء البرنامج النووي العسكري، وتقليص حقيقي للبرنامج الصاروخي الباليستي، وفك الارتباط بالأذرع الخارجية في لبنان واليمن والعراق، والتوقف تماماً عن التدخل في شؤون الجوار مقابل رفع شامل ومستدام للعقوبات الأميركية، فإننا نكون أمام لحظة مفصلية في تاريخ إيران الحديث، وربما في تاريخ الإقليم كله. إلا أن ذلك في الغالب لن يحدث، وإن حدث فهو يعني بدء العد التنازلي لسقوط النظام الإيراني القائم.

الصفقة، إذا حدثت، لن تكون تنازلاً تقنياً بقدر ما هي انقلاب في فلسفة الدولة الإيرانية نفسها. فمنذ عام 1979 سنّت إيران مشروع "الدولة الثورة"، وإن حدث تنازل فهو انقلاب على الدستور وعلى تصدير الثورة التي بنى عليها النظام مشروعيتها القائمة على الصراع الدائم مع الخارج، وفقد سرديته إذ تحوّل هذا الصراع إلى أداة تعبئة داخلية، وبؤرة للحشد حول "الإمبراطورية"، وغطاء لتوسيع النفوذ الإقليمي. التخلي عن هذه الوظيفة يعني عملياً الانتقال من دولة ثورة إلى دولة مصالح، وهو انتقال يتطلب تغييراً في بنية القرار وشخوصه، لا في الخطاب فقط.

إيران ما بعد الصفقة (إذا تمت) ستكون مضطرة إلى إعادة تعريف أمنها القومي. فالأمن الذي كان يُفهم بوصفه امتداداً جغرافياً عبر الوكلاء، سيتحول إلى أمن داخلي قائم على الاستقرار الاقتصادي، ورضا المجتمع، وإدارة التنوع القومي والمذهبي. وهذا التحول ليس سهلاً، لأن أدوات السيطرة القديمة تفقد فاعليتها عندما يتراجع منسوب الخطر الخارجي، وتصبح مطالب الداخل أكثر إلحاحاً ووضوحاً.

اقتصادياً، سيُفتح أمام إيران أفق مختلف تماماً. رفع العقوبات سيعيد النفط والغاز الإيرانيين إلى الأسواق، وسيحرر النظام المصرفي، ويجذب استثمارات غربية وآسيوية كانت تنتظر هذه اللحظة. لكن الخطر يكمن في إعادة إنتاج الدولة الريعية نفسها، من دون إصلاح بنيوي، فتذهب الموارد إلى مؤسسات نافذة، بدل أن تُترجم إلى تنمية حقيقية وفرص عمل لجيل شاب أنهكته العزلة والضغوط الأمنية والاقتصادية.

سياسياً، ستبرز معادلة جديدة داخل النظام. التيار الذي بنى نفوذه على العسكرة والتوسع الخارجي سيفقد جزءاً كبيراً من مبرراته، بينما ستتعزز أصوات البراغماتيين والتكنوقراط. غير أن هذا التحول لا يعني بالضرورة انفتاحاً ديموقراطياً سريعاً، فالأنظمة الأيديولوجية غالباً ما تبدل أدواتها لا طبيعتها، وتبحث عن شرعية بديلة عندما تسقط شرعية الصراع.

إقليمياً، سيكون الأثر بالغاً. فك الارتباط بالأذرع سيعطي دول المنطقة فرصة لإعادة بناء توازنات أقل توتراً، شرط ألا يُفسر الانكفاء الإيراني بوصفه هزيمة للقوى المحلية، بل إعادة تموضع عقلانية. أما الولايات المتحدة، فستكون قد انتقلت من سياسة الاحتواء والعقاب إلى سياسة إدارة التحول، وهي سياسة أقل يقيناً وأكثر تعقيداً.

يبقى السؤال الأهم عن قدرة المجتمع الإيراني على استثمار هذا التحول (مرة أخرى إن وقع). فرفع الضغوط الخارجية لا يعني تلقائياً تحسن العقد الاجتماعي. المطلوب إصلاح مؤسساتي، وشفافية، وتخفيف قبضة الأمن عن الحياة العامة، وإعادة الاعتبار إلى التعليم والإعلام والقطاع الخاص. من دون ذلك، قد تتحول الصفقة إلى فرصة ضائعة تطيل عمر الأزمة بدل أن تنهيها، وتؤجل مواجهة الأسئلة الكبرى التي لم يعد ممكناً الهروب منها. وسيعتمد نجاح هذا التحول على قدرة القيادة الإيرانية على طمأنة الجوار الإقليمي عملياً لا خطابياً، وبناء آليات ثقة طويلة المدى، والقبول بقواعد اللعبة الدولية، واحترام سيادة الدول، وتغليب منطق التعاون الاقتصادي على منطق الصراع الأيديولوجي، لأن العالم يتغير بسرعة، ومن يتأخر عن هذا الإيقاع سيدفع ثمناً داخلياً مضاعفاً، وسيجد نفسه أمام مجتمع أكثر قلقاً، وأقل استعداداً لتحمل كلفة المغامرات الخارجية، وأكثر إصراراً على حياة طبيعية ومستقرة.
ما تقدم يقع حتى الآن في باب التمنيات، إذ ليس من المؤكد أن يغير النظام الإيراني جلده السياسي بهذه السرعة، بل سوف يحاول شراء الوقت وجر رجله الثقيلة خطوة بعد أخرى، وربما يقدم بعض التضحيات في النووي، ولكن ليس الباليستي، وبالتأكيد ليس الأذرع أو الشرط الرابع الذي أضيف (قتل المتظاهرين).

لا يزال هناك عدم يقين في كيفية سير الأمور، ولكن المؤكد أن زمن استقرار المنطقة لم يحن بعد! فدرجة فشل المحادثات مرتفعة، وثمة ضغوط إسرائيلية من جهة على الولايات المتحدة، ومماطلة إيرانية تقليدية من جهة أخرى، وتالياً الحرب ليست مستبعدة، لكنها ستكون مختلفة في الغالب، وخاطفة تسخّر فيها التقنية والمعلومات المخابراتية، وتهدف إلى ما يمكن أن يعرف ب"انقلاب القصر"، أي إزاحة الصقور، وتمكين الحمائم المنتظرين في أجنحة النظام.

*نقلاً عن "النهار"

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

احتمالات التطور في الملف الإيراني احتمالات التطور في الملف الإيراني



GMT 12:13 2026 الأحد ,29 آذار/ مارس

إيران واعتقال الجغرافيا

GMT 02:02 2026 السبت ,14 آذار/ مارس

لبنان بين الأنوار والنيران

GMT 15:44 2026 الأحد ,08 آذار/ مارس

الخيار شمشون …!

GMT 15:42 2026 الأحد ,08 آذار/ مارس

اليوم العالمى للمرأة

GMT 13:06 2026 الجمعة ,06 آذار/ مارس

البحث عن إنسان

النجمات يودّعن الشتاء بإطلالات جريئة

باريس - المغرب اليوم

GMT 16:12 2026 الجمعة ,03 إبريل / نيسان

ماغي بو غصن تكشف عن أصعب مشهد في مسلسل "بالحرام"
المغرب اليوم - ماغي بو غصن تكشف عن أصعب مشهد في مسلسل

GMT 10:11 2026 السبت ,07 شباط / فبراير

مشروبات طبيعية لنوم هانئ في الشتاء

GMT 13:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 02:01 2019 الأحد ,20 كانون الثاني / يناير

مرق العظام يُساعد على تعزيز صحة القلب والأوعية الدموية

GMT 04:03 2017 الإثنين ,25 كانون الأول / ديسمبر

السلطة الفلسطينية تدرس إعلان أراضيها دولة تحت الاحتلال

GMT 00:38 2013 الجمعة ,01 آذار/ مارس

"دبي الإسلامي" يعرض الاستحواذ على "تمويل"

GMT 21:58 2021 السبت ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

شرط واحد يفصل أوناجم للعودة إلى أحضان الوداد الرياضي

GMT 01:53 2018 الخميس ,20 أيلول / سبتمبر

مكسيم خليل يبيّن أن "كوما" يعبر عن واقع المجتمع

GMT 07:03 2018 الأربعاء ,24 كانون الثاني / يناير

نجم مولودية الجزائر يُؤكّد قدرة الفريق على الفوز بالدوري

GMT 19:21 2018 الإثنين ,08 كانون الثاني / يناير

فتح الناظور يتعاقد مع المدرب المغربي عبد السلام الغريسي

GMT 13:29 2017 الأحد ,26 آذار/ مارس

طرق تجويد التعليم
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib