منطق «الأمن للجميع أو لا أمن» حين تنقلب المعادلات

منطق «الأمن للجميع أو لا أمن» حين تنقلب المعادلات

المغرب اليوم -

منطق «الأمن للجميع أو لا أمن» حين تنقلب المعادلات

محمد الرميحي
بقلم - محمد الرميحي

مؤخراً، أطلق «الحرس الثوري» الحاكم بأمره في إيران عبارةً لافتةً تقول إن «الأمن في المنطقة يجب أن يكون للجميع، أو لا يكون لأحد»! في ظاهرها تبدو العبارة دعوة إلى الكف عن الأذى، لمن له علاقة بذلك، وقد تفهم في علاقة إيران بإسرائيل، غير أن المشكلة ليست هناك، بل في شمول الفعل تجاه دول الخليج، وفي التاريخ السياسي الذي سبقها.

فالمنطقة التي يتحدث عنها «الحرس الثوري» لم تدخل دوامات العنف الكبرى من فراغ. ففي سوريا، التي تحوَّلت إلى ساحة حرب أهلية لأكثر من عشر سنوات، كان التدخل الإيراني، العسكري والسياسي، سبباً في الأزمة منذ الأيام الأولى. لم يكن الأمر مجرد دعم سياسي لحليف تقليدي، بل تحوَّل إلى وجود عسكري وتنظيمي واسع؛ شاركت فيه تشكيلات متعددة مرتبطة بإيران. وفي العراق، بعد سقوط النظام السابق، نشأت مجموعات مسلحة متعددة الولاءات، أصبحت جزءاً من المشهد السياسي والعسكري، بعضها يرتبط مباشرة بطهران، أو يتحرك ضمن إطار نفوذها.

أما في لبنان، فقد أدى اختلال التوازن بين الدولة والسلاح خارج إطارها، إلى إضعاف مؤسسات الدولة تدريجياً، حتى بات لبنان يعيش واحدة من أعقد أزماته الاقتصادية والسياسية في تاريخه الحديث. وفي اليمن، الصراع أكثر تعقيداً؛ إذ أدَّى دعم إيران جماعاتٍ مسلحةً إلى تعميق الانقسام الداخلي، لتدخل البلاد في حرب طويلة دفعت المجتمع إلى مستويات غير مسبوقة من الفقر والمعاناة.

إذن، عندما يُقال إن الأمن في المنطقة يجب أن يكون «للجميع أو لا يكون»، فإن السؤال الطبيعي الذي يطرح نفسه هو، مَن الذي أسهم في زعزعة الأمن في المقام الأول؟ وهل يمكن لمن شارك في إنتاج الأزمات أن يُقدم نفسه اليوم بوصفه حارساً محتملاً للأمن الإقليمي؟

المفارقة الأخرى في هذا الخطاب أنه يُقدّم الصراع كأنه ثنائية واضحة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. غير أن هذه القراءة تختزل المشهد الإقليمي إلى معادلة مبسطة لا تعكس حقيقة التوازنات. فدول الخليج العربي، على سبيل المثال، لم تدخل في صراع مع إيران منذ عقود طويلة، بل حاولت في فترات عديدة بناء علاقات طبيعية معها، انطلاقاً من حقيقة الجغرافيا المشتركة، والمصالح الاقتصادية المتداخلة.

ومع ذلك، ظلَّت هذه الدول تُعامل في الخطاب السياسي الإيراني أحياناً بوصفها ساحة ضغط، أو أوراقاً في صراع أكبر، أو أخيراً، هدفاً للصواريخ والمسيّرات المفخخة، التي زاد عددها بشكل أكبر حتى مما أرسل لإسرائيل، وهنا يظهر أحد أوجه المشكلة في التفكير الاستراتيجي الذي يحكم هذا الخطاب، وهو تصور ضمني بالتفوق الإقليمي، أو الاعتقاد بأن دول الخليج يمكن استخدامها رهينة في لعبة التوازنات الكبرى.

غير أن هذه الفرضية تتجاهل حقيقة مهمة؛ أن أي عمل عسكري أو أمني ضد دول الخليج لن يمر دون رد فعل دولي واسع، ليس فقط بسبب العلاقات الاستراتيجية مع الشرق والغرب، بل أيضاً لأن استقرار الخليج مرتبط مباشرة بالاقتصاد العالمي، وأمن الطاقة. ولذلك فإن تكرار الاعتداء على هذه الدول يؤدي عملياً إلى زيادة عزلة إيران بدلاً من تعزيز موقعها، ودق إسفين في مستقبل الثقة مع الجارة، ومن جهة أخرى، يقف جزء كبير من المجتمع الدولي موقفاً واضحاً من مسألة السلاح النووي الإيراني. فالمشكلة لا تتعلق فقط بالتكنولوجيا النووية بحد ذاتها، بل بدرجة الثقة لقوى عالمية في طبيعة النظام السياسي، وآليات اتخاذ القرار فيه بإعلانه تكراراً عن خطط التوسع، وتصدير الثورة. ولهذا السبب نجد دولاً كثيرة، من الشرق والغرب، تعارض حصول إيران على سلاح نووي، ليس بدافع العداء لها، بل بسبب المخاوف من انعكاسات ذلك على الاستقرار الإقليمي والدولي. التصريحات الأخيرة لـ«الحرس الثوري» تُعطي انطباعاً بأنَّ العقيدة التي تحكم التفكير الأمني الإيراني تقترب أحياناً مما يمكن تسميته سياسة «شمشون»، أي فكرة أنه إذا غاب الأمن عن طرف ما، فيمكن تعميم الفوضى على الجميع. شاركوا في الحرب أو لم يشاركوا.

هذه العقيدة، لا يمكن أن تُشكل أساساً لنظام إقليمي مستقر. والأهم من ذلك أن هذه السياسة قد لا تعكس بالضرورة تطلعات المجتمع الإيراني نفسه. فإيران دولة ذات حضارة عريقة، وبقدرات علمية وثقافية كبيرة، وكان يمكن لها أن تكون لاعباً إيجابياً في الاقتصاد العالمي، وفي استقرار المنطقة. غير أن السياسات القائمة على العداء وتصدير النموذج (غير المرغوب) سببت العزلة الدولية، وجعلت هذا البلد يعيش حالة من الانفصال النسبي عن النظام الدولي. إن الأمن الحقيقي في الشرق الأوسط لا يمكن أن يقوم على معادلة التهديد، بل على مبدأ مختلف تماماً، هو احترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وبناء علاقات مع الجوار قائمة على المصالح المشتركة. أما تحويل المنطقة إلى ساحة رسائل عسكرية متبادلة، فلن يؤدي إلا إلى مزيد من التوتر، وعدم الاستقرار.

آخر الكلام: حين يسود التهور... تخسر الشعوب.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

منطق «الأمن للجميع أو لا أمن» حين تنقلب المعادلات منطق «الأمن للجميع أو لا أمن» حين تنقلب المعادلات



GMT 19:50 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

الحلم الإيراني والعتمة الكوبية

GMT 19:48 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

جمرٌ متوهّجٌ تحت رماد المفاوضات

GMT 19:19 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

إيران ترفض الهزيمة وواشنطن لا تحسم

GMT 19:14 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

مهرجان «كان»... قصة ولَّا مناظر

GMT 19:11 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

من مساخر العالم

GMT 19:09 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

حرب فلسطين العربية

GMT 18:15 2026 الأحد ,17 أيار / مايو

ذكرى النكبة

10 نجمات عربيات يخطفن الأنظار في مهرجان "كان" 2026

باريس ـ المغرب اليوم

GMT 17:13 2020 الجمعة ,10 إبريل / نيسان

أحوالك المالية تتحسن كما تتمنى

GMT 15:38 2019 الإثنين ,02 كانون الأول / ديسمبر

أبرز الأحداث اليوميّة لمواليد برج"الأسد" في كانون الأول 2019

GMT 21:35 2019 الإثنين ,01 تموز / يوليو

تنتظرك ظروف جيدة خلال هذا الشهر

GMT 18:27 2020 الإثنين ,09 تشرين الثاني / نوفمبر

تتمتع بسرعة البديهة وبالقدرة على مناقشة أصعب المواضيع

GMT 21:22 2019 الجمعة ,06 أيلول / سبتمبر

اترك قلبك وعينك مفتوحين على الاحتمالات

GMT 02:35 2020 الثلاثاء ,23 حزيران / يونيو

إعدام 1.6 طن من الفئران في الصين خوفًا من "كورونا"

GMT 02:38 2019 الخميس ,18 إبريل / نيسان

حل المشاكل الزوجية يحمي الأسر من التفكُّك

GMT 20:11 2018 الإثنين ,27 آب / أغسطس

خاصية جديدة من "فيسبوك" للمستخدمين

GMT 16:21 2014 الأحد ,27 تموز / يوليو

التشويق سبب أساسي في نجاح مسلسل "الصياد"

GMT 01:40 2024 الثلاثاء ,26 تشرين الثاني / نوفمبر

جيمي كاراجر يكشف تأجيل تقديم عرض رسمي لمحمد صلاح مع ليفربول

GMT 16:01 2024 الأربعاء ,09 تشرين الأول / أكتوبر

موديلات أقراط ذهب لإطلالة جذابة في خريف 2024
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib