لماذا الشماتة

لماذا الشماتة؟

المغرب اليوم -

لماذا الشماتة

محمد الرميحي
بقلم - محمد الرميحي

يمكن قراءة كثير من الحملات ضد دول الخليج بطريقة مختلفة. إنها دليل على أن تلك الأصوات ما زالت أسيرة قراءة إيديولوجية عمياء للعالم. ولهذا، فإن السؤال "لماذا يكرهوننا؟"

وابل جديد من الهجمات الصاروخية في 23 مارس 2026 تشعل أجواء الشرق الأوسط. (أ ف ب)

في كل مرة تتعرض فيها دول الخليج لاعتداء أو تهديد، يظهر في الفضاء الإعلامي العربي بعض الأصوات التي لا تتوقف عند تأييد العدوان، بل تذهب إلى ما هو أبعد من ذلك... حفلة شماتة صريحة!

رأينا ذلك بوضوح في الأيام الأخيرة عندما تعرضت بعض المنشآت الحيوية في الخليج لاعتداءات إيرانية استهدفت مطارات ومناطق مدنية. بدلاً من أن يتوحد الصوت العربي في رفض الاعتداء على مدن يسكنها مدنيون عرب، خرجت أصوات قليلة لكنها مرتفعة النبرة، تعبر عن نوع من التشفّي. السؤال هنا ليس أخلاقياً فقط، بل تحليليّ أيضاً؛ لماذا يظهر هذا الموقف؟ ولماذا يتكرر كلّما تعرضت دول الخليج لأزمة؟

يمكن تقسيم تلك الأصوات إلى ثلاث شرائح رئيسية:

الشريحة الأولى هي شريحة محدودة، ذات دوافع شخصية. بعض أفرادها عملوا في دول الخليج في وقت ما، وانتهت تجربتهم بصورة سلبية، ربما بسبب مخالفة قانون أو نزاع مهنيّ، أو شعور بالغبن الشخصي، أو بسبب تخيّلات الثروة التي لم تتحقّق. مثل هذه التجارب الفردية تتحول لدى بعضهم إلى موقف عدائي، فيتم تعميم التجربة الخاصة على مجتمع كامل. هذا النوع من العداء في الأغلب لا يقوم على تحليل سياسي، بل على مشاعر شخصية سلبية.

الشريحة الثانية شريحة يغلب عليها الجهل أو السطحية السياسية. وهي فئة تتلقى الأخبار والتحليلات من وسائل الإعلام، دون قدرة حقيقية على التمييز بين الوقائع والدعاية. هذه الفئة تتأثر بسهولة بالشعارات الكبرى أو الخطابات التعبوية، الإيديولوجية، أو الطائفية، فتتبنى مواقف حادّة، من دون فهم عميق لتعقيدات الواقع السياسي.

لكن هاتين الشريحتين، رغم حضورهما، ليستا الأكبر. فالأهمّ هو الشريحة الثالثة، وهي التي تستحق النقاش. هذه الشريحة تتكون من بعض المعلّقين والكتّاب الذين يقدّمون أنفسهم كمفكّرين سياسيين. هؤلاء ليسوا جهلة بالضرورة، بل يعرفون السياق السياسي، ويملكون أدوات التحليل، لكنهم في كثير من الأحيان ينحازون إلى الموقف الخطأ، بسبب موقف إيديولوجي مسبق.

الملاحظة اللافتة في تاريخ هذه الشريحة أنها كثيراً ما تراهن على القوى الخاسرة؛ ففي عام 1990، عندما احتلّ صدام حسين الكويت، ظهر عدد من هؤلاء ليبشروا بأن صدام يمتلك "الجيش الرابع في العالم"، وأنه قادر على تغيير موازين القوى، وأن القدس قاب قوسين! انتهى الأمر كما نعلم بتحرير الكويت، وانهيار تلك السردية الواهمة.

ثم ظهرت الموجة نفسها مع تنظيم "القاعدة". فقد روّج بعضهم لفكرة أن أسامة بن لادن يمثل بداية "انتصار تاريخي" على الغرب. وبعد سنوات قليلة، اتّضح أن تلك التنظيمات جلبت الكوارث لمجتمعات المنطقة، وأن خطاب "النصر القريب" كان وهماً سياسياً.

وفي السنوات الأخيرة تكرّر النمط ذاته مع بعض القراءات المتحمسة للأحداث في غزة. فبدلاً من قراءة موازين القوى بواقعية، جرى تصوير المأساة الإنسانية الكبرى التي يعيشها الفلسطينيون كأنها مقدمة لنصر حتمي. هذا الخطاب، أدى في الواقع إلى تضليل جزء من الرأي العام العربي، وحتى جزء من الرأي العام الفلسطيني.

المفارقة أن هذه الشريحة نفسها تظهر اليوم في موقف عدائي تجاه دول الخليج، عندما تتعرض هذه الدول لحرب مفروضة؛ هنا يبرز السؤال الأعمق، لماذا دول الخليج بالذات؟

فدول الخليج ليست الوحيدة في العالم العربي التي تمتلك موارد اقتصادية كبيرة. العراق، على سبيل المثال، يملك واحداً من أكبر احتياطيات النفط في العالم. وليبيا دولة غنية بالموارد النفطية. والجزائر أيضاً تمتلك ثروة كبيرة من الطاقة. ومع ذلك لا تتعرض هذه الدول للقدر نفسه من الحملات التي تستهدف الخليج. ودول الخليج قدّمت مساعدات ومعونات لدول عربية، بلا منة، قدرت حتى 2025 ب 900 مليار دولار، وللقضية الفلسطينية برقم تراكمي منذ 1967 يقدّر ب 110 مليار دولار، يفوق كثيراً ما قدم من دول أخرى.

السبب في الموقف الشامت في الأغلب لا يتعلق بالثروة وحدها، بل بنموذج الدولة. فدول الخليج، رغم كل التحديات، نجحت خلال العقود الماضية في بناء قدر من الاستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية، كما استطاعت أن تلعب أدواراً مؤثرة في الاقتصاد العالمي، وفي النظام الإقليمي. هذا النجاح يولّد نوعاً من الغيرة السياسية لدى بعض النخب في المنطقة.

كما أن دول الخليج أصبحت خلال العقود الأخيرة مركزاً اقتصادياً وإعلامياً مهماً، وهو ما جعل تأثيرها يتجاوز حدودها الجغرافية. وكلّما ازداد الحضور السياسي والاقتصادي، ازداد أيضاً حجم النقد السلبي أو العداء الذي تتعرض له.

لكن التجربة السياسية خلال العقود الماضية تكشف حقيقة أخرى أكثر وضوحاً، أن كثيراً من تلك التوجهات الإيديولوجية ثبت خطؤها مع الزمن. بل يمكن القول إن هناك ما يشبه القاعدة غير المكتوبة في السياسة العربية المعاصرة، وهي أن الطرف الذي تحشد له تلك الأصوات حماستها، غالباً ما ينتهي إلى الخسارة.

واللافت أيضاً أن هذه الشريحة كلما اشتد دفاعها الإيديولوجي عن موقف ما، وكلما ارتفعت نبرة خطابها المتنمر ، كان ذلك في الأغلب مؤشراً إلى ضعف ذلك الموقف، لا إلى قوته. فالتاريخ يعلّمنا أن الحقائق السياسية الصلبة لا تحتاج إلى ضجيج كي تثبت نفسها.

من هنا يمكن قراءة كثير من تلك الحملات ضد دول الخليج بطريقة مختلفة. إنها دليل على أن تلك الأصوات لا تزال أسيرة قراءة إيديولوجية عمياء للعالم. ولهذا، فإن السؤال "لماذا يكرهوننا؟" قد لا يكون السؤال الأدقّ. السؤال الأدقّ ربما هو: لماذا يكرّر بعض المحلّلين الأخطاء نفسها في قراءة السياسة؟ لأن المشكلة في النظارة الإيديولوجية التي يقرأون بها!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

لماذا الشماتة لماذا الشماتة



GMT 17:07 2026 الأربعاء ,15 إبريل / نيسان

لبنان يرفض الساعة الإيرانيّة

GMT 17:03 2026 الأربعاء ,15 إبريل / نيسان

مياه جديدة في نهر الدانوب

GMT 17:00 2026 الأربعاء ,15 إبريل / نيسان

الأرض... زورق النجاة الأزرق

GMT 16:57 2026 الأربعاء ,15 إبريل / نيسان

جنوبيّون في روايتهم الصادقة وعاطفتهم النبيلة

GMT 16:55 2026 الأربعاء ,15 إبريل / نيسان

الحضارات أقوى مِن المَوات

GMT 16:52 2026 الأربعاء ,15 إبريل / نيسان

بكين ــ بيونغ يانغ... خريطة الشطرنج الآسيوية

GMT 16:49 2026 الأربعاء ,15 إبريل / نيسان

القرصان الأشقر!

GMT 06:34 2026 الأربعاء ,15 إبريل / نيسان

تذكرة المليون

هنا الزاهد تعيد إحياء فستان البولكا دوت بإطلالة أنثوية من باريس

القاهرة - المغرب اليوم

GMT 21:51 2017 الأربعاء ,08 تشرين الثاني / نوفمبر

تنظيم دوريات رياضية بمناسبة ذكرى المسيرة الخضراء

GMT 17:58 2017 الجمعة ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

رؤية الإسلام في ظاهرة ختان الإناث خلال "الجمعة في مصر"

GMT 16:03 2023 الأحد ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

أفضل العطور الرجالية لهذا العام

GMT 07:04 2019 السبت ,19 تشرين الأول / أكتوبر

وكيل الخارجية الأميركية يزور الإمارات والسعودية

GMT 21:05 2019 الجمعة ,06 أيلول / سبتمبر

تنتظرك أجواء هادئة خلال هذا الشهر

GMT 10:29 2019 الأربعاء ,22 أيار / مايو

اهتمامات الصحف المصرية اليوم الأربعاء

GMT 13:04 2014 الثلاثاء ,22 إبريل / نيسان

كشف سرطان الثدي المبكر ينقذ 90% من الحالات

GMT 00:32 2024 الأحد ,29 كانون الأول / ديسمبر

أتالانتا ينفرد بالقمة بتعادل صعب أمام لاتسيو

GMT 09:41 2024 الثلاثاء ,03 كانون الأول / ديسمبر

أفضل ألوان الديكور لغرفة المعيشة المودرن
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib