قوة تخاف من نفسها

قوة تخاف من نفسها

المغرب اليوم -

قوة تخاف من نفسها

محمد الرميحي
بقلم - محمد الرميحي

الأنظمة السلطوية لا تسقط لأنها ضعيفة بالمعنى التقليدي، بل لأنها تمنع نفسها من التكيف، وتحرم نفسها آليتين لهما أهمية في بقاء النظام، هما المراجعة والمحاسبة.

تميل التحليلات في السياسة الدولية إلى النظر للأنظمة السلطوية بوصفها أنظمة قوية وقادرة على الحسم، إذ يهيمن فيها "الرجل القوي" على مؤسسات الدولة، ويمسك بالأمن، ويُخضع الإعلام، ويقلّص المعارضة. غير أن هذا التصور، كما يبيّن مقال في مجلة "فورين أفيرز"، يخفي حقيقة أكثر تعقيداً: هذه الأنظمة لا تعاني تهديداً خارجياً بقدر ما تعاني هشاشة داخلية متراكمة، وما يهددها فعلياً هو منطق حكمها نفسه.

ستيفن كوتكين الذي كتب المقال في مجلة "فورين أفيرز" المؤثرة (يناير -فبراير 2026) أكاديمي مشهور ومتخصص في تاريخ السلطويات المعاصرة. الإطلالة على فحوى المقال قد تقدم لنا بعض الأفكار المفيدة.

يرى الكاتب أن القوة في النظام السلطوي ليست مؤسسية، بل شخصية ومركّزة. تقوم على الخوف لا الثقة، وعلى الولاء لا الكفاءة، وعلى الطاعة لا المساءلة. هذا النموذج قد يوفّر استقراراً قصير الأمد، لكنه يزرع في العمق عوامل تآكل بطيئة، تجعل الدولة أقل قدرة على التكيف مع الأزمات. ومع الوقت، يتحول الاستقرار الظاهري إلى جمود سياسي واقتصادي، يؤدي إلى اضمحلال الدولة وربما إطلاق العنف المجتمعي.

يذهب المقال إلى أن التهديد الأخطر للرجل القوي في ذلك النظام، لا يأتي من الشارع، بل من داخل النخبة الصغيرة الحاكمة نفسها. ففي روسيا، تبدو قبضة فلاديمير بوتين الأمنية محكمة، لكن النظام يعاني انعدام الثقة داخل الدائرة الضيقة للسلطة، وعلى مستوى المؤسسات. 

 

المسؤولون ورجال الأعمال يدركون أن القرب من الحكم موقت، ولا أحد يعرف ماذا سيحل به في الغد من غضب "المعلم"، وأن الخطأ حتى في الصغائر مكلف، ما يدفعهم إلى الحذر المفرط، وتجنّب المبادرة، وتأجيل القرارات، مما يؤدي إلى بيروقراطية خانقة تتعطل فيها مصالح الناس. ذلك بالضبط ما عكسته مقدمة كتاب جواد ظريف "صعود الديبلوماسية" بوصفها للعبة الكراسي في طهران! 

 

هذا المناخ لا ينتج استقراراً حقيقياً، بل ينتج نظاماً مشلولاً يخشى الحركة، ويؤدي في النهاية إلى سقوط النظام بعنف.

في إيران، تتجلى الهشاشة في تناقض بنيوي بين دولة أمنية مغلقة، ومجتمع شاب متصل بالعالم. القمع يمنع الانفجار السريع، لكنه يمنع أيضاً التصحيح السياسي والاقتصادي. ومع كل موجة احتجاج، لا يسقط النظام، لكنه يخسر جزءاً إضافياً من شرعيته. الاقتصاد المأزوم والعقوبات وتراجع الثقة الشعبية، تجعل كلفة القمع أعلى، وتقلّص هامش المناورة أمام صانع القرار، ومع الزمن تظهر هشاشة النظام، و يقوم الشارع بالتصحيح حتى لو كان مكلفاً.

أما الصين، فهي المثال الأكثر تعقيداً. فقد نجح النظام في تحقيق نمو اقتصادي هائل، لكنه في المقابل عزّز مركزية السلطة في يد الرئيس، ما أضعف آليات النقد الداخلي. في دولة بحجم الصين، غياب التغذية الراجعة الصادقة يشكّل خطراً استراتيجياً. القرارات الكبرى تُتخذ في بيئة لا تسمح بالاعتراض الحقيقي، ما يجعل الخطأ، حين يقع، واسع التأثير وعميق النتائج. هنا تبدو القوة حقيقية، لكنها مشروطة بدقة القرار لا بصلابته.

يشير المقال إلى أن الاقتصاد هو كعب أخيل الأنظمة السلطوية. فالنمو يمكن فرضه موقتاً، لكن الابتكار يحتاج إلى حرية، والاستدامة إلى مؤسسات مستقلة. وعندما يتباطأ الاقتصاد، تتراجع الشرعية بسرعة، لأن النظام لا يملك أدوات سياسية مرنة لامتصاص الغضب الاجتماعي. عندها يتحول القمع من أداة ضبط إلى عبء ثقيل على النطام نفسه.

ويذهب التحليل إلى مقارنة جزئية مع الولايات المتحدة في عهد دونالد ترامب. فرغم أن أميركا ليست نظاماً سلطوياً، إلا أن الشعبوية ومحاولات تهميش المؤسسات، والتشكيك في استقلالية الإعلام، وربط السياسة بالولاء الشخصي، كشفت أن أي نظام يضعف حين تُستبدل المؤسسات بالأشخاص. الفارق الجوهري أن الديموقراطيات تملك آليات تصحيح ذاتي، وإن تأخرت ، كما حدث عندما اعتبرت المحكمة العليا الأميركية أن قرارات الرئيس في فرض الرسوم الجمركية ( غير دستوري)، بينما تغلق الأنظمة السلطوية هذه الآليات بيدها.

في السياق العربي، تكتسب هذه الخلاصات أهمية خاصة. فالمنطقة عاشت تجارب متنوعة مع أنماط حكم مركزية وتحت شعارات قومية أو إسلاموية، كلها تعتمد على نوع من القمع لا الإقناع، وأظهرت الأحداث أن الاستقرار القائم على القمع وحده لا يصمد طويلاً. الدول التي استثمرت في بناء المؤسسات، وتحسين الحوكمة، وتوسيع المشاركة الاقتصادية، كانت أقدر على امتصاص الصدمات، من تلك التي اعتمدت على القبضة الأمنية فقط. التجربة في فضائنا رغم تفاوتها، تشير إلى أن التحديث الاقتصادي من دون إصلاح إداري ومؤسسي يظل منقوصاً، وأن الاستقرار الحقيقي يتطلب توازناً بين السلطة والكفاءة والثقة المجتمعية.

الأنظمة السلطوية لا تسقط لأنها ضعيفة بالمعنى التقليدي، بل لأنها تمنع نفسها من التكيف. وتحرم نفسها آليتين لهما أهمية في بقاء النظام، هما المراجعة والمحاسبة. إنها تخشى النقد، فتفقد البوصلة، وتخشى المشاركة، فتتآكل الثقة، وتخشى الاعتراف بالخطأ، فتراكمه حتى يتحول إلى أزمة وجودية. القوة التي لا تسمح بالتصحيح ليست قوة، بل أداة موقتة لتأجيل الانفجار، والرجل القوي يظل أسير نظام يخاف من نفسه أكثر مما يخاف من خصومه.

هذا الملخص الكثيف لهذا المقال اللافت للانتباه، يقدم لنا أجندة لقراءة ما حولنا من تغيرات، ويحض القارئ على استخدام العقل في تحليل الظواهر ، بدلاً من العاطفة.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

قوة تخاف من نفسها قوة تخاف من نفسها



GMT 10:58 2026 الأحد ,05 إبريل / نيسان

كله من "هرمز"!

GMT 10:57 2026 الأحد ,05 إبريل / نيسان

البعثة القمرية

GMT 10:56 2026 الأحد ,05 إبريل / نيسان

صفقة ظريف غير الظريفة

GMT 10:55 2026 الأحد ,05 إبريل / نيسان

نحن... وإسرائيل في عصرها «الكاهاني»!

GMT 10:54 2026 الأحد ,05 إبريل / نيسان

«اليوم الموعود»

GMT 10:53 2026 الأحد ,05 إبريل / نيسان

مضيق هرمز ؟

GMT 10:51 2026 الأحد ,05 إبريل / نيسان

نسخة مُحسَّنة

GMT 10:50 2026 الأحد ,05 إبريل / نيسان

ذكريات روسية!
المغرب اليوم - مسيّرة إيرانية تستهدف مجمع الوزارات في الكويت

GMT 19:02 2020 الجمعة ,01 أيار / مايو

أبرز الأحداث اليوميّة

GMT 07:08 2019 الأحد ,31 آذار/ مارس

شهر بطيء الوتيرة وربما مخيب للأمل

GMT 18:22 2021 الإثنين ,01 شباط / فبراير

يبدأ الشهر مع تنافر بين مركور وأورانوس

GMT 18:36 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

أعد النظر في طريقة تعاطيك مع الزملاء في العمل

GMT 19:17 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

يحاول أحد الزملاء أن يوقعك في مؤامرة خطيرة

GMT 16:39 2020 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

تعيش ظروفاً جميلة وداعمة من الزملاء

GMT 07:43 2020 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الجوزاء الجمعة 30 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:00 2017 الأربعاء ,15 شباط / فبراير

شركة "بورش" تعلن عن مركبتها المميّزة "باناميرا 2018"

GMT 12:41 2023 الإثنين ,25 كانون الأول / ديسمبر

الطابع العصري يطغى على إطلالات ريم السعيدي في 2023

GMT 20:32 2016 الثلاثاء ,12 كانون الثاني / يناير

فوائد الريحان لعلاج القرح والجروح

GMT 12:10 2023 الأربعاء ,15 تشرين الثاني / نوفمبر

إردوغان يؤكد أن إسرائيل دولة إرهابية وأن نهاية نتنياهو اقتربت
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib