«تسونامي» اسمُه ممداني

«تسونامي» اسمُه ممداني

المغرب اليوم -

«تسونامي» اسمُه ممداني

سوسن الأبطح
بقلم - سوسن الأبطح

غيرُ مسبوقٍ، أن يفوزَ بمنصبِ عمدةِ نيويورك، مسلمٌ، من أصولٍ هندية، متزوجٌ من سورية، اشتراكيٌّ، ضد الرأسمالية، لا يتجاوز عمره 34 عاماً، لم يولد في أميركا، ونالَ الجنسية قبل سنوات عدة، تعاديه الأوليغارشية النيويوركيةُ، تحاربه منظمة «الأيباك» اليهوديةُ التي تُعلِي رؤوساً وتسقطُ أخرى، تهاجمه كبرياتُ الصحف، ويهدّده رئيسُ الجمهورية ترمب بمنعِ المساعدات الفيدرالية عن مدينتِه في حال انتخابه. أضف، أنَّنا في وقت يحاسب فيه من يضع إعجاباً على منشور يؤيد فلسطين، فإذا بممداني يقول جهاراً، إنَّ ما ترتكبه إسرائيل في غزة «إبادة جماعية»، وإنَّه سيقبض على رئيس الوزراء نتنياهو في حال زار نيويورك، تنفيذاً للحكم الصادر ضدّه من محكمة الجنايات الدولية.

كل العوامل تبدو مجتمعةً لتطيح الشابَّ الطموح، صاحبَ الضحكة التي لا تغيب، والحيوية الفياضة. لكن ما لم يأخذه كثيرون بعين الاعتبار أنَّ الاستطلاعات الأميركية، في السنوات الأخيرة، كانت تظهر تحولات كبرى عند الشباب، خصوصاً في الحزب الديمقراطي، الذين يعبرون عن نزعة إنسانية، وأنفة من العنف، والفساد، وتحكّم رأس المال. رفض دعم إسرائيل بالسلاح لارتكاب مجازرها، يأتي في هذا السياق. والحركات الاعتراضية على حرب غزة، التي قُمعت في الجامعات، جزء من الديناميكية الشبابية التي تتعدى حدود نيويورك، إلى أميركا والعالم.

ثمة جيل جديد يبزغ، تنبه له نتنياهو متأخراً، وهبّ ليستولي حلفاؤه على «تيك توك» عادّاً أنه رأس الحربة، وليقنع صديقه إيلون ماسك، بتشغيل خوارزمياته، لطمس ما تبقى من تمرد، على منصته «إكس».

الإجراءات كثيرة، ولكن هل تنجح؟ هذا هو السؤال، بعد أن فاز ممداني في نيويورك، حيث لم يكن قبل أشهر قد سمع باسمه أحد، وصار نجماً ومصدر وحي واستلهام، حتى قبل أن يتبيَّن مناصروه، إن كان برنامجه يمكن تطبيقه وسط أجواء لا تتمنَّى له سوى الفشل.

جيش من أكثر من مائة ألف شاب متطوع، تجندوا لإنجاح حملة ممداني. واحد من كل ثلاثة يهود صوتوا له. حتى وإن وصفهم ترمب بالأغبياء، فهم ماضون في تأييده، على رأسهم السيناتور بيرني ساندرز، وشخصيات يهودية بارزة، ترى فيه فرصة لفرملة تغوّل رأس المال، وسيطرة مافيات البورصة والاستثمارات. «أنفقت طبقة المليارديرات ملايين الدولارات لإقناع من يتقاضى 30 دولاراً في الساعة، بأن عدوه هو من يتقاضى 20 دولاراً»، قال ممداني ساخراً.

وبينما كان المقترعون يقفون في طوابير للإدلاء بأصواتهم لانتخاب عمدة نيويورك، كانت صفوف أخرى تنتظر وجبتها الغذائية دون أن تتمكن من الحصول عليها. في الوقت نفسه تحطَّمت طائرة على مدّرج مطار لويفيل الأميركي، والمسافرون في المطارات، ينتظرون رحلاتهم لساعات بسبب الشلل المتأتي من الإغلاق الحكومي، ومئات آلاف الموظفين، انقطعت رواتبهم، وكثر مهددون بالطرد.

الليبرالية المتوحشة، تصيب أميركا في مقتل، وتزيد من عدد الفقراء والمحبطين، حتى صاروا من الكثرة، بحيث إنهم قادرون على تغيير المعادلة. سمعنا عن مقاطعة ناخبين لمن يقبل تمويلاً من «أيباك» الوكالة اليهودية، بالإضافة لآخرين يرفضون انتخاب من يتعامل مع مؤسسات استغلالية. ممداني أحد الذين رفضوا تمويلاً ملوثاً، يخضعه لشروط، ممَّا أعطاه مساحة حرة وأيادي طليقة. أثبت أنه بقليل من المال، وكثير من المؤيدين، يمكنه أن ينجح. سابقة لم تسجل منذ وقت طويل، حيث صار بلوغ منصب يحتاج إلى المليارات، والخضوع لابتزازات.

كسر ممداني الحلقة الجهنمية، بوعود وردية، يراهن أعداؤه على أنَّها عصيَّة على التنفيذ. من تجميد إيجارات السكن لأربع سنوات، إلى تأمين حضانات أطفال، ومواصلات سريعة مجانية، إلى رفع الأجور. هي كلها حقوق يفترض أن تؤمن لمواطن في مدينة ثرية، هي عاصمة العالم المالية. بالتالي، لا ثورية فيما يريده ممداني، بقدر ما هو إعادة الحقوق إلى أصحابها، بعد أن ابتلعتها دوائر المافيات المتنفذة. هؤلاء يشعرون بالخطر. ما يقارب مليون ملياردير في نيويورك يهدّدون بمغادرتها إذا ما رفعت الضرائب وأرغموا على الدفع. فرصة لوزير الشتات الإسرائيلي عميحاي شيكلي، ليبث الخوف في قلوبهم، ويقول لهم إن «المدينة التي كانت رمزاً للحرية العالمية أعطت مفاتيحها إلى مؤيد لـ(حماس)»، وإنها تسير إلى الهاوية التي سقطت فيها لندن، إشارة إلى عمدتها المسلم صادق خان، ودعاهم للهجرة إلى إسرائيل. لم يحتمل شيكلي أن يرى نيويورك المدينة التي استقبلت اليهود وصارت أكبر معقل لهم منذ أواخر القرن التاسع عشر، تنتخب شخصاً لا يدين بالطاعة لإسرائيل.

ثمة من عدّه «فوزاً لمعاداة السامية» مثل بن غفير، وهناك آخرون وجدوه «يوماً أسودَ لإسرائيل»، فيما كان اليهود المؤيدون لممداني في نيويورك يحتفلون معه ويلتقطون الصور، ويتبادلون التهاني.

هناك من لا يريد رؤية التحولات، بينهم الطبقة السياسية الأميركية من الحزبين الرئيسيين، التي تنتمي إلى القرن السابق. معظم المتحمسين لممداني دون الأربعين، تابعوه على وسائل التواصل وعبر اللقاءات الافتراضية، لا تعنيهم الآيديولوجيا، والتسميات، ولم يخفهم القول إنه «شيوعي»، لأنهم على الأرجح لا يعرفون معنى الكلمة ولا مغزاها، كما الكثير من المصطلحات الأخرى. هؤلاء صوتوا لممداني النشيط، المتحمس، الذي كان يغني الراب، ويمارس الرياضة، ويعيش في شقة صغيرة، يستقلّ المترو، ويعدهم بحياة أفضل، فيها شيء من عدالةٍ، وحقوق مصونة، ورؤية إنسانية أشمل للعالم.

ببساطة، ما فعله ممداني على محدودية رقعته الجغرافية، أنه أشعل في نفوس كثيرين ليس فقط في مدينته بصيص أمل، في مناخ سياسي مظلم ومقفر، بل ومرعب.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«تسونامي» اسمُه ممداني «تسونامي» اسمُه ممداني



GMT 12:13 2026 الأحد ,29 آذار/ مارس

إيران واعتقال الجغرافيا

GMT 02:02 2026 السبت ,14 آذار/ مارس

لبنان بين الأنوار والنيران

GMT 15:44 2026 الأحد ,08 آذار/ مارس

الخيار شمشون …!

GMT 15:42 2026 الأحد ,08 آذار/ مارس

اليوم العالمى للمرأة

GMT 13:06 2026 الجمعة ,06 آذار/ مارس

البحث عن إنسان
المغرب اليوم - مسيّرة إيرانية تستهدف مجمع الوزارات في الكويت

GMT 19:02 2020 الجمعة ,01 أيار / مايو

أبرز الأحداث اليوميّة

GMT 07:08 2019 الأحد ,31 آذار/ مارس

شهر بطيء الوتيرة وربما مخيب للأمل

GMT 18:22 2021 الإثنين ,01 شباط / فبراير

يبدأ الشهر مع تنافر بين مركور وأورانوس

GMT 18:36 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

أعد النظر في طريقة تعاطيك مع الزملاء في العمل

GMT 19:17 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

يحاول أحد الزملاء أن يوقعك في مؤامرة خطيرة

GMT 16:39 2020 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

تعيش ظروفاً جميلة وداعمة من الزملاء

GMT 07:43 2020 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الجوزاء الجمعة 30 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:00 2017 الأربعاء ,15 شباط / فبراير

شركة "بورش" تعلن عن مركبتها المميّزة "باناميرا 2018"

GMT 12:41 2023 الإثنين ,25 كانون الأول / ديسمبر

الطابع العصري يطغى على إطلالات ريم السعيدي في 2023

GMT 20:32 2016 الثلاثاء ,12 كانون الثاني / يناير

فوائد الريحان لعلاج القرح والجروح

GMT 12:10 2023 الأربعاء ,15 تشرين الثاني / نوفمبر

إردوغان يؤكد أن إسرائيل دولة إرهابية وأن نهاية نتنياهو اقتربت
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib