ثقافة الحوار وحوار الثقافات

ثقافة الحوار وحوار الثقافات

المغرب اليوم -

ثقافة الحوار وحوار الثقافات

ناصيف حتّي
بقلم : ناصيف حتّي*

نعيش اليوم في ما يشبه «القرية الكونية»، كما يصف الكثيرون عالم اليوم رغم أن البعض يفضل وصف هذا العالم بالمدينة الكونية. «فسقوط» حاجز المسافات بسبب ثورة الاتصالات والمواصلات وازدياد حجم التفاعل والاندماج بأشكال وصيغ مختلفة صار واقعاً، لكن ما زال «ضجيج المدينة» على حساب «هدوء القرية» هو السمة الأساسية لهذا العالم، في ظل غياب المشترك المجتمعي، بقيمه وسلوكياته، الذي يميز القرية عن المدينة. وللتذكير أيضاً، وفي وصف عالم «ما بعد بعد الحرب الباردة» كتب فرنسيس فوكوياما عن «نهاية التاريخ والرجل الآخر» ليتحدث عن انتصار الغرب، في حين كتب صامويل هانتغتون عن «صدام الحضارات وإعادة صنع النظام العالمي» كأمر حتمي. رأيان يحملان رؤيتين مختلفتين لا بل متناقضتين، منذ عقود ثلاثة ونيف من الزمن حول مستقبل النظام العالمي. سقطت ثنائية الشرق والغرب لتحل مكانها ثنائية الشمال والجنوب، فتغيرت أسس وعناوين ومضامين الصراعات. كما أن الصدام بين الحضارات، ولنقل بين الثقافات، لم يكن حتمياً بالشكل الذي قُدم فيه. مسار القضايا والأولويات المصلحية التي تطبع العلاقات بين الدول والمجتمعات لا يندرج بتاتاً في تلك الحتمية الحاملة لصورة كلية، ولتفسير أحادي تبسيطي واختزالي لعملية تطور نظام عالمي لم تتحدد ولم تستقر بعدُ قواعده، وبالتالي سماته الناظمة للعلاقات بين الدول والمجتمعات. نجد الصراعات السياسية والاستراتيجية والاقتصادية والاجتماعية والقيمية ضمن الجغرافيا الحضارية أو الثقافية ذاتها رغم المشترك المشار إليه في تلك النظرية، والذي هو دون شك أحد العوامل المؤثرة بدرجات مختلفة حسب كل قضية أو مسألة، ولكن ليس المحدد شبه الكلي لذلك الصراع أو الصدام.

يعود الموضوع بقوة في هذا الزمن بسبب عودة الهويات الأصلية ما دون الوطنية في حالات معينة، والعابرة للوطنية في حالات أخرى حسب تاريخ «الدولة الوطنية» التي نتحدث عنها في حالة معينة. من أهم عناصر إحياء الهويات الأصلية حتى في الدول التي نجحت في بناء الدولة الوطنية منذ تاريخ ليس بالقصير، التحديات التي تواجهها مجتمعات هذه الدول لأسباب مختلفة في مسار تطور هذه المجتمعات، وحدوث أزمات قد تكون مسبباتها اقتصادية أو سياسية تؤدي إلى ردود فعل هوياتية. من المسببات السائدة في مجتمعات متعددة لعودة إحياء مخاوف الهويات دون الوطنية أو الوطنية، ولكن بشكل حاد ومتطرف، التداعيات السلبية العديدة لعولمة متسارعة أحدثت مكاسب ونجاحات للبعض، وهمّشت أو أسقطت اقتصادياً واجتماعياً البعض الآخر. من مظاهر ردود الفعل هذه أحياناً التعلق بتفسيرات تقوم على التبسيط والاختزال والتعميم في بلورة الرد، وبالتالي ما يجب عمله. خطاب شعبوي تبسيطي واختزالي يلامس أحياناً نظرية المؤامرة في قراءة وضع معين وفي بلورة «الوصفة المطلوبة» للإنقاذ: إنه «الآخر» المختلف في اللون أو الدين أو الهوية الأصلية «المسؤول عما آلت إليه الأوضاع».

ثلاثية التعميم والاختزال والنظرية التآمرية هي التي تبلور وتحكم الرؤية والسلوكية في هذا المجال.

صدام الحضارات أو الثقافات كأمر حتمي، حسب ما أشرنا إليه، لا يمكن مواجهته فقط بالدعوة إلى حوار الثقافات. هذا بالطبع أمر أكثر من ضروري لمعالجة الكثير من التوترات بين الدول، وحتى في الدول ذاتها ضمن مجتمعاتها المتنوعة في هوياتها الأصلية، أو ما دون الهوية الوطنية المشتركة والجامعة.

ما هو المطلوب في ظل ازدياد عملية إحياء الهويات الأولية بشكلٍ خاص التي تتغذى على أساس التفسير التبسيطي لكثير من الأزمات، والتي تؤدي ليس إلى صدام الحضارات والثقافات والهويات الأصلية، بل في حقيقة الأمر إلى صدام «الفوبيات» والمخاوف بين هذه الأطراف المشار إليها؟ هذا الصدام وتلك المخاوف لن يقدما الحلول المطلوبة للتحديات المتعددة والمختلفة بتداعياتها على المجتمع المعني.

إن شرط النجاح في حوار الثقافات الأكثر من ضروري كما نرى في العلاقات الدولية، وحتى أحياناً ضمن الدولة المتعددة الهويات الأصلية ذاتها، هو بلورة وتعزيز ودعم ثقافة الحوار. الثقافة التي تقوم على البحث عن المشترك الإنساني والقيمي والبناء عليه، والتي تقوم على احترام التنوع كمصدر غنى للمشترك. إن ما يُعرف بصراع الحضارات أو الثقافات هو ليس بينها، بل بين من يصادر بمفاهيمه ورؤيته الحق المطلق بالتحدث باسمها: إنه صراع ضمن الحضارات والثقافات بين من يؤمن بالتعددية القائمة على احترام الآخر، وعلى أن الاختلاف هو مصدر تنوع وغنى إذا ما أُحسنت إدارته، وبين أصحاب المدرسة الإلغائية. خلاصة الأمر أن الشرط الأكثر من ضروري للنجاح في مسار حوار الثقافات يمر عبر تعزيز ثقافة الحوار، ولا سبيل أخرى غير ذلك.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ثقافة الحوار وحوار الثقافات ثقافة الحوار وحوار الثقافات



GMT 05:45 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

شهادة من اليابان!

GMT 05:43 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

شجاع بين متخاذلين

GMT 05:36 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

ما بعد الأسبوع الرابع ؟!

GMT 05:31 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

معشرك

GMT 05:29 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

جلسة مسائية مع أسرة طهرانية

GMT 05:29 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

طرابلس في حرب إيران

GMT 05:27 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

القراءة المبكرة... هل تحققت؟

GMT 05:27 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

«أرتميس ــ 2» وأوان العودة إلى القمر

GMT 15:46 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

عائشة بن أحمد تشوق محبيها بعمل فني جديد
المغرب اليوم - عائشة بن أحمد تشوق محبيها بعمل فني جديد

GMT 19:02 2020 الجمعة ,01 أيار / مايو

أبرز الأحداث اليوميّة

GMT 07:08 2019 الأحد ,31 آذار/ مارس

شهر بطيء الوتيرة وربما مخيب للأمل

GMT 18:22 2021 الإثنين ,01 شباط / فبراير

يبدأ الشهر مع تنافر بين مركور وأورانوس

GMT 18:36 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

أعد النظر في طريقة تعاطيك مع الزملاء في العمل

GMT 19:17 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

يحاول أحد الزملاء أن يوقعك في مؤامرة خطيرة

GMT 16:39 2020 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

تعيش ظروفاً جميلة وداعمة من الزملاء

GMT 07:43 2020 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الجوزاء الجمعة 30 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:00 2017 الأربعاء ,15 شباط / فبراير

شركة "بورش" تعلن عن مركبتها المميّزة "باناميرا 2018"

GMT 12:41 2023 الإثنين ,25 كانون الأول / ديسمبر

الطابع العصري يطغى على إطلالات ريم السعيدي في 2023

GMT 20:32 2016 الثلاثاء ,12 كانون الثاني / يناير

فوائد الريحان لعلاج القرح والجروح

GMT 12:10 2023 الأربعاء ,15 تشرين الثاني / نوفمبر

إردوغان يؤكد أن إسرائيل دولة إرهابية وأن نهاية نتنياهو اقتربت
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib