لبنان من ساحة إلى طرف في النزاع

لبنان... من ساحة إلى طرف في النزاع

المغرب اليوم -

لبنان من ساحة إلى طرف في النزاع

بقلم : سام منسي

لم يعد ما يجري في لبنان قابلاً للاختزال في توصيفات تقليدية من قبيل «ضعف الدولة» أو «تعقيد التوازنات الداخلية»، بل نحن أمام واقع أكثر خطورة يتمثل في انهيار تدريجي شامل وفراغات موحشة على المستويات الرسمية والقيادية السياسية والدينية.

هذا الفراغ هو نتيجة مسار طويل من الاغتيالات بدأ مع الرئيس المنتخب بشير الجميل مروراً برئيس الحكومة رشيد كرامي ومفتي الجمهورية حسن خالد، إلى رينيه معوض، ليبلغ ذروته مع اغتيال رفيق الحريري وما تلاه من مسلسل تصفيات مستمر حتى اليوم.

وبين القتل المتعمد والغياب الطبيعي لزعامات لم يُملأ فراغها، انكشفت السلطة السياسية فتحولت من مرجعية سيادية إلى كيان يُعاد في ظله إنتاج قرار الحرب والسلم خارج مؤسساته وعلى أرضه، وباسمه أحياناً. حتى بات الوطن مثل «الرجل المعلق في الهواء».

شكلت نهاية حرب الإسناد الأولى وتوقيع اتفاق وقف الأعمال العدائية بين «حزب الله» وإسرائيل في 27 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، إلى جانب انتخاب العماد جوزيف عون وتكليف نواف سلام رئاسة الحكومة، فرصة معلنة لإعادة تثبيت دور الدولة. غير أن ما تلاها لم يكن استعادة للسيادة بقدر ما كان مرحلة انتقالية كرست الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع.

كشفت المعطيات عن إعادة بناء قدرات «حزب الله» بإشراف مباشر من «الحرس الثوري» الإيراني، وتحويل هيكلية الحزب من قيادة هرمية إلى وحدات لا مركزية، بما يعكس انتقالاً من نفوذ إيراني خارجي إلى مشاركة فعلية في إدارة القرار العسكري داخل لبنان. وهنا يبرز السؤال: هل نحن أمام اختراقات جديدة أم تراكمات ممتدة؟ وإذا كانت كذلك، فماذا فعلت السلطة الجديدة لاحتوائها خارج حدود العناوين العامة؟

الحاصل منذ 28 فبراير (شباط) الماضي لا يقتصر على استعادة تنظيم عسكري لفاعليته، بل كان تحولاً بنيوياً نحو نموذج لا مركزي يصعب احتواؤه، مستفيداً من دروس المواجهات السابقة، خصوصاً استهداف مراكز القيادة. أمَّا دلالته الأهم فهي سياسية تتمثل بانتقال لبنان عنوة من ساحة لصراعات الآخرين إلى طرف فيها.

في هذا السياق، تصبح الدولة اللبنانية في موقع الاتهام لا الشكوى. فالدولة التي أعلنت بدء تنفيذ التزاماتها في الجنوب، تبين عجزها أو عدم رغبتها في ضبط ما يجري داخل أراضيها أو حماية حدودها، كما تجلَّى بدخول عناصر «الحرس الثوري». والأدق أن الدولة لم تسمح بذلك بقدر ما فشلت في منعه أو جرى من دون علمها، ما يكشف إما ثغرة أمنية خطيرة أو شبهة تواطؤ لا يمكن تجاهلها. ويُطرح أيضاً سؤال أكثر إرباكاً: أين كانت ترسانة الحزب طوال هذه الفترة؟

العجز لا يُختزل بنقص الإمكانات، بل بفقدان الدولة السيطرة على حدودها واحتكار استخدام القوة، فتتحول من كيان ضعيف إلى واجهة شكلية لقرار يُصنع خارجها، تصدر المواقف وتعلن تنفيذ الالتزامات من دون أن تتحكم في مسار الأحداث، فيما تنتقل وظيفتها الفعلية إلى قوى موازية، في واقع لم يعد استثناء بل قاعدة مستقرة.

تعيش السلطة حالة إنكار، فهناك من يتصرف وكأن الأولوية لا تزال لآليات تفاوضية شكلية فقدت معناها. هذا الانفصال عن الواقع لا يقل خطورة عن الانتهاكات نفسها. كيف تُطرح مفاوضات فيما القرار ليس بيد الدولة؟ ولماذا تُهمش مبادرات لاستعادة الحد الأدنى من القرار السياسي بذريعة توازنات داخلية مختلة؟

الوقت ليس لتقاذف المسؤوليات ولا لتحميلها لطرف واحد، بل للاعتراف بالواقع. فالقوى السياسية، بانشغالها بصراعاتها الضيقة، ساهمت في تكريسه بفعل التقصير أو التكيّف، فتوزعت المسؤولية بين من صادر القرار ومن سمح بمصادرته ومن تعامل مع ذلك كأمر واقع.

وبينما كانت الدولة تعلن خطوات سيادية في ظل ما يجري من «الحرس الثوري»، انشغلت القوى السياسية في حساباتها الانتخابية بتنافسها على سلطة تدرك أنها معطلة. أي مفارقة أقسى من هذه؟! ولا يُعفى المجتمع بدوره؛ إذ أسهم صمت شرائح واسعة، أو تكيفها مع هذا الواقع أو تبريرها له أحياناً، في تطبيع انتهاك السيادة وتحويله من صدمة إلى أمر مألوف.

لم يشهد لبنان أياماً مصيرية كهذه ولا يبدو الخروج من النفق ممكناً من دون إعادة الاعتبار للدولة، كمصدر وحيد للقرار، لكن من يبدأ ومن أين؟ فالمشكلة لم تعد في فقدان الدولة موقع المرجع الوحيد بل في ثقة المجتمع بقدرتها أو إرادتها على استعادة أدوارها. بين دولة تتراجع، وقوة تتقدم خارجها، ومنظومة سياسية عاجزة أو متواطئة، وشعب صامت، وحكومة إسرائيلية شرسة متهورة، يُكتب مستقبل بلد لم يُحسم بعد. فهل يستعيد دولته أم سيتكيف مع غيابها؟

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

لبنان من ساحة إلى طرف في النزاع لبنان من ساحة إلى طرف في النزاع



GMT 03:38 2026 السبت ,30 أيار / مايو

امرأتان في الزعامة

GMT 03:37 2026 السبت ,30 أيار / مايو

حنه أرنت... تحليل النظام الشمولي

GMT 03:36 2026 السبت ,30 أيار / مايو

إعادة مجد بلاد الرافدين

GMT 03:35 2026 السبت ,30 أيار / مايو

بين الحرب والسلام... مأزق النظام الإيراني

GMT 03:34 2026 السبت ,30 أيار / مايو

العالم وإشكالية الاستقرار الاستراتيجي

GMT 03:27 2026 السبت ,30 أيار / مايو

التنافس الاستراتيجي

GMT 03:20 2026 السبت ,30 أيار / مايو

القائمة السوداء!

GMT 03:16 2026 السبت ,30 أيار / مايو

العطر.. والسياسة

أناقة البدلات تسيطر على إطلالات النجمات في عيد الأضحى

دبي - المغرب اليوم

GMT 03:59 2026 الأربعاء ,20 أيار / مايو

"الناتو "يدرس" المساهمة في ضمان حماية مضيق هرمز

GMT 20:49 2019 الجمعة ,06 أيلول / سبتمبر

تنتظرك أحداث مهمة وسعيدة

GMT 07:00 2023 الأحد ,15 تشرين الأول / أكتوبر

مفتشو التعليم المغربي يرفضون تراجعات النظام الأساسي

GMT 14:46 2019 الإثنين ,29 إبريل / نيسان

مسجد لم يُرفع فيه الآذان يومًا في المغرب

GMT 16:58 2016 الإثنين ,18 كانون الثاني / يناير

السماعلي يدعو اتحاد الخميسات إلى تسوية وضعيته

GMT 22:41 2017 الجمعة ,10 تشرين الثاني / نوفمبر

صراع قوي على كؤوس الصخير والمرحومين العفو والعلوي

GMT 08:07 2020 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الجمعة 30 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 16:25 2020 الأربعاء ,17 حزيران / يونيو

إشبيلية في ضيافة ليفانتي في الدوري الإسباني

GMT 20:31 2020 الأحد ,05 إبريل / نيسان

عرض أعمال «+Disney» الأصلية على شبكة «OSN» قريبًا

GMT 21:17 2020 الأربعاء ,22 كانون الثاني / يناير

مروان محسن يودع وليد أزارو بعد الرحيل عن الأهلى

GMT 16:10 2019 الجمعة ,20 كانون الأول / ديسمبر

البحر الأحمر السينمائى يمول فيلم أربعون عامًا وليلة

GMT 10:14 2018 الأحد ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

مواصفات سيارة سيترون C5 Aircross ذات الدّفع الرباعي
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib