لماذا تخاصمنا الحداثة

لماذا تخاصمنا الحداثة؟

المغرب اليوم -

لماذا تخاصمنا الحداثة

خالد منتصر
بقلم : خالد منتصر

الدول والمجتمعات التى تقود العالم الآن تملك باسوورد صار معروفاً للجميع، ولم يعد غامضاً أو سرياً، مفتاح الشفرة هو الحداثة، التى ما إن يتصالح معها مجتمع حتى يدخل إلى جنة وفردوس الرفاهية، ابحث عن العلاقة بين أى بلد ومؤشر السعادة فيها، تجد أن جميعها تشترك فى هذا الباسوورد السحرى، الحداثة، من الدنمارك والسويد وفنلندا والنرويج إلى أمريكا وهولندا واليابان.

وكل البلاد التى تكتسح المركز الأول فى مفهوم ومعنى السعادة، لكن ما هى الحداثة، حتى نفهم لماذا نخاصمها فى منطقتنا العربية؟، الحداثة ليست مجرد تطور تكنولوجى، أو تحقيق معدل نمو اقتصادى فقط، لكنها تحوّل جذرى فى طريقة التفكير وتنظيم المجتمع، هى انتقال من الاعتماد على التقليد والنقل إلى الاعتماد على الابتكار والعقل.

ومن القداسة غير القابلة للمساءلة إلى التفكير النقدى وطرح الأسئلة بجرأة وجسارة، تحول من السلطة الشخصية إلى المؤسسات والقانون، ومن المعرفة الموروثة إلى العلم القابل للاختبار والتكذيب، الحداثة، بهذا المعنى، ليست شكلًا خارجيًا بل بنية ذهنية وثقافية، قبل أن تكون مصانع أو ناطحات سحاب أو سيارات أو صواريخ.

الحداثة فى جوهرها، تعنى فلسفياً أن الإنسان أصبح يثق فى العقل كأداة لفهم العالم، يعتمد على العلم والمنهج التجريبى، يعترف بحق الفرد فى الاختيار والمسؤولية، يخضع السلطة للنقد والمساءلة، وقد عبّر الفيلسوف إيمانويل كانط عن هذا المعنى عندما كان يتحدث عن التنوير بقوله التنوير هو «الجرأة على استعمال العقل»، هل هناك معايير محددة؟، نعم هناك معايير ولم تعد المسألة كيمياء أو سراً حربياً، إنها العقلانية، تفسير الظواهر بالقانون والسبب، لا بالخرافة.

إنها العلم اعتماد على المنهج العلمى فى إنتاج المعرفة، وإجابة الأسئلة، الإيمان بالدولة الحديثة، دولة القانون والمؤسسات، وليست الكل فى واحد، احترام حرية الفرد، اعتبار الفرد وحدة أساسية لها حقوق وحريات، العلمانية التى هى شرط أساسى ومبدئى للحداثة، يعنى ببساطة حياد الدولة تجاه الأديان والمعتقدات، الاقتصاد الحديث، الصناعة، السوق، والتنظيم للعمل بقوانين صارمة وعادلة.

 


احتمال النقد، بل المطالبة به، كل الأفكار والمؤسسات قابلة للمساءلة، كانت مصر أولى البلاد العربية التى تماست مع بدايات الحداثة منذ القرن التاسع عشر، خاصة فى عهد محمد على، من خلال بناء جيش حديث، وإرسال بعثات تعليمية، وإنشاء المدارس والمطابع، لكن هذا الاحتكاك للأسف لم ينتج طاقة حداثة مكتملة تستطيع الدفع إلى الأمام ومواصلة المسير.

كان استيرادًا للأدوات أكثر منه تحولًا فى البنية الفكرية وفى القرن العشرين برغم أن مصر شهدت توسعًا فى التعليم الجامعى، والقانون الوضعى، وبناء مؤسسات الدولة الحديثة، إلا أن هذا التحديث ظل إداريًا أكثر منه ثقافيًا، شكليًا أكثر منه نقديًا، فبقى العقل النقدى الجمعى ضعيفًا، والفرد تابعًا للسلطة أو الجماعة.

بينما ظلت الدولة قوية والمجتمع ضعيفًا، كان هناك أفراد متنورين يمتلكون لبنات البناء الحداثى للمجتمع، لكنهم لم يشكلوا تياراً، ولم يسمح لهم أصلاً بتكوين تيار، فأصبحنا فى شيزوفرينيا، فى حالة ازدواجية حداثية، تكنولوجيا حديثة مع تفكير تقليدى، لدينا مؤسسات حديثة فى الشكل، وثقافة أبوية وسلطوية فى العمق.

لم ندخل الحداثة بوصفها مشروعًا متكاملًا، لكننا دخلنا مسار التحديث، امتلكنا الوسائل، لكننا تعثرنا فى تحقيق الشروط الفكرية والثقافية، افتقدنا العقل النقدى، واستقلال الفرد، وحياد الدولة، حرية المعرفة، استيقظنا على صدمة، أننا برغم بداياتنا منذ محمد على، إلا أننا ما زلنا على عتبة الحداثة، نقدم رجلاً ونؤخر أخرى، صار المزاج السلفى الصحراوى الجاف يقلص مساحات الخصب الحداثى الأخضر بظلاله الوارفة، فصرنا بين مناخين، إما صقيع نكوص إلى الخلف، أو حرارة هرولة إلى المجهول.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

لماذا تخاصمنا الحداثة لماذا تخاصمنا الحداثة



GMT 18:26 2026 الأحد ,10 أيار / مايو

يوم النصر الكبير

GMT 18:23 2026 الأحد ,10 أيار / مايو

التأمُّل في المسألة العوضية

GMT 18:18 2026 الأحد ,10 أيار / مايو

الحرب... ونفوسنا المصابة بالخَدَر

GMT 18:15 2026 الأحد ,10 أيار / مايو

التوازن والحكمة في مواجهة الرداءة

GMT 18:12 2026 الأحد ,10 أيار / مايو

جنازة شعبية فى زمن «المحمول»

GMT 18:09 2026 الأحد ,10 أيار / مايو

المفاوضات والمساومات في حرب «هرمز»

GMT 18:06 2026 الأحد ,10 أيار / مايو

السياحة قصة أكبر

سحر التراث المغربي يزين إطلالات النجمات في "أسبوع القفطان" بمراكش

مراكش ـ المغرب اليوم

GMT 10:11 2026 السبت ,07 شباط / فبراير

مشروبات طبيعية لنوم هانئ في الشتاء

GMT 13:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 11:58 2017 الثلاثاء ,17 تشرين الأول / أكتوبر

حسام حسني يحلّ ضيفًا على برنامج "من غير سياسة" الإذاعي

GMT 07:24 2023 الإثنين ,25 كانون الأول / ديسمبر

هزة أرضية تضرب منطقة الحدود بين تركيا وسوريا

GMT 21:13 2020 الأحد ,21 حزيران / يونيو

«تيز ذا لو» يفوز بسباق بلمونت ستيكس

GMT 13:49 2018 الإثنين ,03 كانون الأول / ديسمبر

"الرجاء" يواجه "الترجي التونسي" في السوبر الإفريقي

GMT 19:24 2020 السبت ,04 كانون الثاني / يناير

بلاغ الدفاع الجديدي بخصوص تذاكر مواجهة الرجاء

GMT 06:54 2019 الخميس ,25 إبريل / نيسان

10 نشاطات سياحية يجب عليك تجربتها في أذربيجان

GMT 04:47 2019 الإثنين ,04 شباط / فبراير

أجدد إطلالات ميلانيا بموضة المعطف

GMT 05:38 2019 السبت ,19 كانون الثاني / يناير

شركة "فورد" تُطلق سيارة "Explorer" رباعية الدفع

GMT 08:59 2018 الجمعة ,23 تشرين الثاني / نوفمبر

"A1 الهاتشباك الجديدة" ترضي جميع أنواع الشخصيات
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib