الحياة عند الفراعنة

الحياة عند الفراعنة

المغرب اليوم -

الحياة عند الفراعنة

زاهي حواس
بقلم : زاهي حواس

ترك لنا الفراعنة آثاراً خالدة تتعاقب عليها السنون والقرون فما تنقص منها ولكن تزيدها خلوداً وتضفي عليها المزيد من الأسرار التي يحاول العلماء إلى يومنا هذا سبر أغوارها، والكشف عن معجزات الفراعنة. وعندما ننظر إلى ما تركه لنا الفراعنة من آثار حضارتهم العظيمة نجد الأهرامات التي تبيِّن ما وصل إليه الفراعنة من علوم متقدمة في الفلك والهندسة المعمارية وحساب الزوايا وغيرها من العلوم التي ساعدتهم على تشييد أهرامات شُيِّدت لتبقى إلى الأبد. ومن حول الأهرامات بنى المصريون القدماء مقابر أشبه بالقصور العامرة المزينة بألوان ونقوش وصور كأنها سجل حي لحضارتهم.

ولقد أساء الكثيرون إلى حضارة الفراعنة بالظن بأنهم عاشوا يبنون للموت ويكرسون حياتهم من أجل اكتناز الكنوز والثروات في مقابرهم! والحقيقة أن عشق الفراعنة الحياة هو ما دفعهم إلى بناء الأهرامات والمقابر والمعابد الجنائزية والصرف عليها والاهتمام بعمارتها وإكمالها كدار للبقاء وليس الفناء.

آمن الفراعنة أن الإنسان خلق ليمر باختبار النعم في الحياة، بعدها يموت ليحاسب على ما صنعه في الحياة، ويكون الحساب بوزن القلب «مكمن الأعمال» في مقابل ريشة ترمز إلى الحق والعدل والنظام، أو ما يعرف باسم «ماعت» ونتيجة وزن القلب على ميزان الآخرة يحدد مصير الميت إما جنة وحياة خالدة، وإما عذاب وفناء أبدي.

وبغض النظر عن السؤال المحير الذي دائماً ما يطرح نفسه عن كيف للعقل المصري القديم الوصول إلى هذا الفكر الديني الراقي؟ وهو ما سنناقشه فيما بعد. فما يهمنا هنا هو التأكيد على أن ما كان يشغل الفكر المصري القديم حقاً ودوماً هو الحياة وليس الموت الذي كان بالنسبة إليهم مجرد محطة لا بد من الوصول إليها قبل العبور مرة أخرى إلى الحياة التي هي في تلك المرة حياة لا موت بعدها.

ولأن المصري القديم كان يؤمن بأن أفضل حياة على الأرض هي التي يعيشها على ضفاف نهر النيل في قلب صحراء تحميه من المعتدين، وتوفر له كل مواد الخلود من ذهب، ومعادن وأحجار، رسم الفراعنة عالمهم الآخر مشابهاً تماماً لحياته الأرضية فتمنى المصري القديم وجود نهر مثل نهر النيل وشمس مثل التي تشرق عليه كل صباح، وأشجار وزرع وفاكهة مثل التي تجود بها أرض مصر.

كان الفراعنة أهل فن وذوق رفيع، أحبوا الموسيقى والغناء بمختلف ألوانه سواء الديني أو العاطفي أو الحماسي مثل أناشيد الجنود، وتعددت آلاتهم الموسيقية من آلات وترية كآلة الهارب، وأخرى إيقاعية مثل الطبول والصلاصل، وآلات نفخ مثل الناي والبوق. وكان المغنون من الرجال والنساء هم العامل المشترك في كل احتفالاتهم وولائمهم التي يقيمونها سواء في الأعياد وكانت كثيرة، أو لمجرد دعوة الجيران والأصدقاء والتمتع بصحبتهم في وجود أشهى ألوان الطعام والشراب.

إن الصور المرسومة على جدران المقابر الفرعونية تشع حياة، ولا علاقة لها بالموت، ولكن هي صور من الحياة التي تمنى الفراعنة أن يعيشوها مرة أخرى وللأبد. مشاهد من الزراعة والحصاد، ورعي الماشية والأغنام، وصناعة الحلي والأثاث والمراكب، ومشاهد من الولائم والأعياد. وتتخلل تلك المشاهد المصورة على جدران المقابر نصوص تحمل ألواناً أخرى من المتعة وكأنها الترجمة المكتوبة على فيلم ناطق بلغة أجنبية، نسمع فيها النداءات والجمل المتبادلة بين الأشخاص، وكذلك النكات المتبادلة، بل نسمع أحياناً السباب واللعنات بين رئيس العمال وصبيانه الكسالى الذين لا ينفذون أوامره. نعم كان المصري القديم يعشق الحياة ويُجِلُّها ويعلم أنها هبة الإله الخالق له، ولذلك تمنى الخلود بعد الموت، ومن ثم تكبَّد الصعاب من أجل أن يبني لهذا الخلود الأهرامات والمقابر والمعابد.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الحياة عند الفراعنة الحياة عند الفراعنة



GMT 15:41 2026 الجمعة ,29 أيار / مايو

إيران... الهدنة لا تُنهي الحروب

GMT 15:30 2026 الجمعة ,29 أيار / مايو

طه في المدينة

GMT 00:16 2026 الخميس ,28 أيار / مايو

42 عاماً من الأفكار

GMT 00:12 2026 الخميس ,28 أيار / مايو

إيران تستقوي بدعم عسكري وتقني صيني ــ روسي

GMT 00:09 2026 الخميس ,28 أيار / مايو

عصب الحياة المشلول في السودان!

GMT 00:04 2026 الخميس ,28 أيار / مايو

كنوز الحج في «ضرية»

أناقة البدلات تسيطر على إطلالات النجمات في عيد الأضحى

دبي - المغرب اليوم

GMT 03:59 2026 الأربعاء ,20 أيار / مايو

"الناتو "يدرس" المساهمة في ضمان حماية مضيق هرمز

GMT 20:49 2019 الجمعة ,06 أيلول / سبتمبر

تنتظرك أحداث مهمة وسعيدة

GMT 07:00 2023 الأحد ,15 تشرين الأول / أكتوبر

مفتشو التعليم المغربي يرفضون تراجعات النظام الأساسي

GMT 14:46 2019 الإثنين ,29 إبريل / نيسان

مسجد لم يُرفع فيه الآذان يومًا في المغرب

GMT 16:58 2016 الإثنين ,18 كانون الثاني / يناير

السماعلي يدعو اتحاد الخميسات إلى تسوية وضعيته

GMT 22:41 2017 الجمعة ,10 تشرين الثاني / نوفمبر

صراع قوي على كؤوس الصخير والمرحومين العفو والعلوي

GMT 08:07 2020 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الجمعة 30 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 16:25 2020 الأربعاء ,17 حزيران / يونيو

إشبيلية في ضيافة ليفانتي في الدوري الإسباني

GMT 20:31 2020 الأحد ,05 إبريل / نيسان

عرض أعمال «+Disney» الأصلية على شبكة «OSN» قريبًا

GMT 21:17 2020 الأربعاء ,22 كانون الثاني / يناير

مروان محسن يودع وليد أزارو بعد الرحيل عن الأهلى

GMT 16:10 2019 الجمعة ,20 كانون الأول / ديسمبر

البحر الأحمر السينمائى يمول فيلم أربعون عامًا وليلة

GMT 10:14 2018 الأحد ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

مواصفات سيارة سيترون C5 Aircross ذات الدّفع الرباعي
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib