السودان اتساع الهوة بين الجيش وخصومه

السودان: اتساع الهوة بين الجيش وخصومه

المغرب اليوم -

السودان اتساع الهوة بين الجيش وخصومه

عثمان ميرغني
بقلم - عثمان ميرغني

منتصف هذا الأسبوع بثت شبكة «سي إن إن» التلفزيونية تقريراً من السودان عن أن «قوات الدعم السريع» تجبر أعداداً من الرجال والأطفال في ولاية الجزيرة على التجنيد للقتال في صفوفها مستخدمة سلاح الترهيب والتجويع، وذلك بحرمان من يرفضون الانضمام إليها من الحصول على الطعام والإمدادات الغذائية، وذلك بعد أن سيطرت هذه القوات على مخازن الغذاء بما في ذلك التابعة لمنظمات الإغاثة الدولية. وأورد التقرير الذي استند إلى أقوال شهود عيان تحدثت إليهم الشبكة، أنَّ «قوات الدعم السريع» جنّدت نحو 700 رجل و65 طفلاً في ولاية الجزيرة وحدها بهذه الأساليب التي تتضمَّن أيضاً التعذيب وأحياناً إعدام بعض الأشخاص أمام آخرين لترهيبهم وإرغامهم على التجنيد في صفوفها.

مرَّ هذا التقرير على كثيرين مرور الكرام؛ ما جعلني أقارن الأمر بالضجة الواسعة التي أثارها البعض عندما انطلقت حملات الاستنفار للمقاومة الشعبية الداعمة للجيش السوداني. كانت حملات الاستنفار طوعية، وانخرط فيها عشرات الآلاف من المواطنين المدفوعين بالرغبة في نصرة جيشهم وفي الدفاع عن أنفسهم ومناطقهم وممتلكاتهم وأعراضهم بعدما تمددت «قوات الدعم السريع»، وانتشرت الانتهاكات المروعة على نطاق واسع. وعلى الرغم من ذلك انبرى البعض، لا سيما في صفوف خصوم الجيش، لاستنكار حملة الاستنفار الشعبي وقالوا إنها خطر على البلد لأنها تنشر السلاح بين الناس، وقد تدفع نحو الحرب الأهلية، علماً بأن السودان لم يأتِ بسابقة؛ إذ إن هناك الكثير من التجارب التي انطلقت فيها المقاومة الشعبية لدعم الجيوش الوطنية في مواجهة مخاطر جسيمة داخلية أو خارجية. وما مرّ به السودان اليوم قد يحفزه للتفكير مستقبلاً في تطبيق تجارب دول أخرى تحتفظ بقوات احتياط كبيرة من المدنيين المدربين والعسكريين المتقاعدين، بما في ذلك العمل بالتجنيد الإلزامي.

الغريب، أن كثيراً من منتقدي الجيش لا يستنكرون تجنيد «قوات الدعم السريع» للمرتزقة بأعداد كبيرة، أو إجبارهم المدنيين في مناطق سيطرتهم على الانخراط في صفوفهم؛ وهو ما يوضح اختلال المعايير.

الانتقادات لم تتوقف عند حملات الاستنفار الشعبي، بل نراها اليوم أيضاً في ما يثار حول مشاركة بعض الحركات المسلحة الموقّعة على اتفاقية جوبا للسلام في القتال إلى جانب الجيش ضد «قوات الدعم السريع». وقد بدأت قيادات هذه الحركات تتعرَّض لانتقادات شديدة منذ قرارها بالخروج من حالة الحياد في هذه الحرب، للانخراط في صفوف الجيش، واتهمها البعض بالانتهازية، بينما قال بعض آخر إنها ستكون خطراً على الدولة وإن الجيش بقبوله لها إلى جانبه إنما يكرر الخطأ الذي سمح بنمو «قوات الدعم السريع».

مرة أخرى يجد المرء نفسه يتساءل: إذا كانت «قوات الدعم السريع» تحارب مدعومة من الخارج سواء من دول أو مرتزقة، فلماذا يستنكر البعض على الجيش الاستعانة بحركات سودانية موقّع معها اتفاقية للسلام وينتظر دمجها في القوات النظامية؟

أضف إلى ذلك أن الجيش أكد مراراً وتكراراً في الآونة الأخيرة أنه تعلّم من تجربة هذه الحرب القاسية، وأنه لن يكون هناك سلاح بعد اليوم خارج سيطرة الدولة، ولن تكون هناك بندقية غير بندقية القوات المسلحة النظامية. وفي هذا الإطار أيضاً سمعنا الدكتور جبريل إبراهيم، زعيم حركة العدل والمساواة ووزير المالية، يؤكد في لقاء بالإعلاميين السودانيين في مصر هذا الأسبوع أن حركاتهم المسلحة لن تحتفظ بقواتها بعد الحرب ولن تسمح بقوة مسلحة غير القوات المسلحة. الأمر ذاته أكدته قيادات حركات أخرى تقاتل إلى جانب الجيش الآن، وهو موقف يعزز ما ورد في اتفاقية جوبا للسلام بشأن دمج قوات هذه الحركات في القوات المسلحة وفقاً للمعايير المتبعة وتجارب السودان السابقة في هذا الصدد، بل إن مشاركتها في القتال الآن جنباً إلى جنب مع الجيش قد يسهل لاحقا عملية دمجها.

بعض الناس يستغلون كرههم للإسلاميين (الكيزان وفق التعبير الشائع في السودان) فصاروا يبحثون عن كل صغيرة وكبيرة أو أي سانحة للهجوم على الجيش؛ مما زاد في حالة الاستقطاب الشديد. أخطر ما في هذه الحملة هو، في تقديري، إصرار البعض على ترويج مقولة أن الجيش هو جيش الكيزان والفلول (أي الإسلاميين وبقايا النظام السابق)، وبالتالي لا يفوّتون فرصة للهجوم عليه، والتقليل من أي انتصار يحققه، والتهليل لأي نكسة يتعرض لها. هذا التوصيف إضافة إلى أنه خاطئ ويعتمد التعميم المُخل، فإنه يوسع الشقة بين الجيش وخصومه، لا سيما في صفوف القوى السياسية والمدنية. فالجيش وإن كان فيه إسلاميون وبعضهم قيادات، إلا أنه لا يمكن وضعه كله في سلة واحدة وتصنيفه على أنه جيش فلول وكيزان، وتجريده من مهنيته التي يعتز بها ضباطه وجنوده. وقد سمعت بعض العسكريين الذين أعرف تماماً عدم انتمائهم للإسلاميين يعبّرون عن غضب شديد من القوى السياسية والمدنية، وبوجه خاص «قوى الحرية والتغيير» (قحت) و«تنسيقية القوى المدنية الديمقراطية» (تقدم)، ويشنّون هجوماً كاسحاً على مواقفها.

هذا العداء المتزايد بدأ يظهر في التصريحات الأخيرة الصادرة من قيادات الجيش والتي تكرر فيها الهجوم على «قحت» و«تقدم»، واعتبارهما الجناح السياسي لـ«قوات الدعم السريع»، بل والتهديد بتقديمهم لمحاكمات.

لقد كانت هناك الكثير من المواقف والحسابات الخاطئة في هذه الحرب، والهجوم المتواصل على الجيش أحدها، وستكون له تداعياته التي تضيف إلى تعقيدات المشهد السوداني.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

السودان اتساع الهوة بين الجيش وخصومه السودان اتساع الهوة بين الجيش وخصومه



GMT 14:15 2024 الأربعاء ,15 أيار / مايو

في ذكرى النكبة..”إسرائيل تلفظ أنفاسها”!

GMT 12:08 2024 الثلاثاء ,14 أيار / مايو

مشعل الكويت وأملها

GMT 12:02 2024 الثلاثاء ,14 أيار / مايو

بقاء السوريين في لبنان... ومشروع الفتنة

GMT 11:53 2024 الثلاثاء ,14 أيار / مايو

“النطنطة” بين الموالاة والمعارضة !

GMT 11:48 2024 الثلاثاء ,14 أيار / مايو

نتنياهو و«حماس»... إدامة الصراع وتعميقه؟
المغرب اليوم - مسيّرة إيرانية تستهدف مجمع الوزارات في الكويت

GMT 15:46 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

عائشة بن أحمد تشوق محبيها بعمل فني جديد
المغرب اليوم - عائشة بن أحمد تشوق محبيها بعمل فني جديد

GMT 19:02 2020 الجمعة ,01 أيار / مايو

أبرز الأحداث اليوميّة

GMT 07:08 2019 الأحد ,31 آذار/ مارس

شهر بطيء الوتيرة وربما مخيب للأمل

GMT 18:22 2021 الإثنين ,01 شباط / فبراير

يبدأ الشهر مع تنافر بين مركور وأورانوس

GMT 18:36 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

أعد النظر في طريقة تعاطيك مع الزملاء في العمل

GMT 19:17 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

يحاول أحد الزملاء أن يوقعك في مؤامرة خطيرة

GMT 16:39 2020 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

تعيش ظروفاً جميلة وداعمة من الزملاء

GMT 07:43 2020 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الجوزاء الجمعة 30 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:00 2017 الأربعاء ,15 شباط / فبراير

شركة "بورش" تعلن عن مركبتها المميّزة "باناميرا 2018"

GMT 12:41 2023 الإثنين ,25 كانون الأول / ديسمبر

الطابع العصري يطغى على إطلالات ريم السعيدي في 2023

GMT 20:32 2016 الثلاثاء ,12 كانون الثاني / يناير

فوائد الريحان لعلاج القرح والجروح

GMT 12:10 2023 الأربعاء ,15 تشرين الثاني / نوفمبر

إردوغان يؤكد أن إسرائيل دولة إرهابية وأن نهاية نتنياهو اقتربت
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib