موضعٌ وموضوع سُرَّ من رأى ثم حزن

موضعٌ وموضوع: سُرَّ من رأى... ثم حزن!

المغرب اليوم -

موضعٌ وموضوع سُرَّ من رأى ثم حزن

مشاري الذايدي
بقلم - مشاري الذايدي

كما ذكرنا آنفاً، فإنَّ هناك مواضع من الأرض تملك طاقةً تاريخية لا تفنى، مهما تبدّلت العصور، لأسبابٍ يشقُّ شرحُها هنا.

منها بلدة أو مدينة (سامرّاء) العراقية، وسبب توقفّنا اليوم في سلسلة «موضعٌ وموضوع» هو أنّه في مثل هذا اليوم، 22 فبراير (شباط) من عام 2006 وقعت الواقعة في المدينة ذات العبَق العبّاسي، حين فجّر بعض الأشقياء مقام العسكريين، الحسن العسكري وابنه الغائب، وهما آخر السلسلة الاثني عشرية عند الطائفة الإمامية، لتحدث بعدها فتنة طائفية شعواء، معنا آثارها لليوم.

لن نخوض فيمن وقف خلف هذا التفجير - وليس من نفّذ فقط - مع مفارقة أن سكان سامرّاء عبر الدهور هم من أهل السنّة، وهذه مفارقة، حيث ظل هذا المزار الشيعي الشهير تحت حماية سكان المدينة المعروفين بانتمائهم للسنّة، فما عَدا ممّا بَدا!

بكلّ حال، فإنّ «سُرَّ مْن رأَى» بناها الخليفة العبّاسي الثامن، المعتصم، عام 221 هجرية - 835 ميلادية، واتخذها عاصمة له ولجنده الأتراك، بعد تضايق أهل بغداد منهم، تلك السياسة «التتريكية» التي جنَت على الدولة العبّاسية لاحقاً، وغيَّرت وجه الشرق الإسلامي.

سامرّاء تقع بالجهة الشرقية لدجلة على بعد نحو 125 كيلومتراً إلى الشمال من بغداد. وفيها أسر وعشائر كثيرة، وخرج منها علماءٌ وأعلامٌ كُثُر، لن تؤثر في بياض تاريخهم لطخة إبراهيم عوّاد البدري، أو أبو بكر البغدادي!

جاء في كتاب «آراء وأحاديث في التاريخ والاجتماع» للقومي الشهير في مطالع القرن العشرين، وأحد رجالات العراق، ساطع الحُصَري، قوله: «بعد أن كان النَّاس يُسمُّونها اسم (سُرَّ من رأى) أضحوا يُسمُّونها باسم (ساءَ مْن رأى)، وبعد أن كان الشعراء يتسابقون في مدح قصورها أخذوا يسترسلون في رثاء أطلالها».

قال ابن الجهم في وصف أحد قصورها:

بدائعُ لم تَرَها فارسٌ ولا الرومُ في طولِ أعمارِها

صحونٌ تُسافر فيها العيونُ إذا ما تجلَّت لأبصارِهاصار يرثيها ابن المعتز بقوله:

قد أقفرَتْ سُرَّ مْن رأى وما لشيءٍ دوامُ ماتت كما مات فيلٌ تُسَلُّ منه العِظامُ

تلك المدينة هي «المشروع» المعتصمي الهائل، الذي استقدم له الخليفة مئات المهندسين والعباقرة من أنحاء الدنيا، ومن ذلك مصر وأنطاكيا. يقولون إن اسمها أقدم من حصره بالمعنى العربي «سُرَّ مْن رأى» فهل تسمية ذات أصلٍ: «آرامي، يشبه أسماء مدن أخرى ككربلاء وباعقوبا»، كما قال الحُصَري، ويقُال ذات أصل إغريقي «سوما» وقيل غير ذلك.

من آثار فجر العصر التركي العبّاسي سورٌ في المدينة باسم «سور أشناس» نسبة للقائد التركي أشناس، وهو محلٌّ معروف إلى اليوم - في زمن الحُصَري - وهو يوافق تمام الموافقة موضع قطيعة أشناس التي يذكُرها اليعقوبي... المؤرخ المعروف.

العراقُ - عافاه الله وصانه - هو مسرح الحياة الإنسانية الحضارية العتيق، وما زال ينطوي في دواخله على الأسرار، رغم كُلّ ما باحت به خزائن التاريخ العراقي.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

موضعٌ وموضوع سُرَّ من رأى ثم حزن موضعٌ وموضوع سُرَّ من رأى ثم حزن



GMT 12:13 2026 الأحد ,29 آذار/ مارس

إيران واعتقال الجغرافيا

GMT 02:02 2026 السبت ,14 آذار/ مارس

لبنان بين الأنوار والنيران

GMT 15:44 2026 الأحد ,08 آذار/ مارس

الخيار شمشون …!

GMT 15:42 2026 الأحد ,08 آذار/ مارس

اليوم العالمى للمرأة

GMT 13:06 2026 الجمعة ,06 آذار/ مارس

البحث عن إنسان

GMT 15:46 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

عائشة بن أحمد تشوق محبيها بعمل فني جديد
المغرب اليوم - عائشة بن أحمد تشوق محبيها بعمل فني جديد

GMT 19:02 2020 الجمعة ,01 أيار / مايو

أبرز الأحداث اليوميّة

GMT 07:08 2019 الأحد ,31 آذار/ مارس

شهر بطيء الوتيرة وربما مخيب للأمل

GMT 18:22 2021 الإثنين ,01 شباط / فبراير

يبدأ الشهر مع تنافر بين مركور وأورانوس

GMT 18:36 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

أعد النظر في طريقة تعاطيك مع الزملاء في العمل

GMT 19:17 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

يحاول أحد الزملاء أن يوقعك في مؤامرة خطيرة

GMT 16:39 2020 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

تعيش ظروفاً جميلة وداعمة من الزملاء

GMT 07:43 2020 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الجوزاء الجمعة 30 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:00 2017 الأربعاء ,15 شباط / فبراير

شركة "بورش" تعلن عن مركبتها المميّزة "باناميرا 2018"

GMT 12:41 2023 الإثنين ,25 كانون الأول / ديسمبر

الطابع العصري يطغى على إطلالات ريم السعيدي في 2023

GMT 20:32 2016 الثلاثاء ,12 كانون الثاني / يناير

فوائد الريحان لعلاج القرح والجروح

GMT 12:10 2023 الأربعاء ,15 تشرين الثاني / نوفمبر

إردوغان يؤكد أن إسرائيل دولة إرهابية وأن نهاية نتنياهو اقتربت
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib