رياح يوليو 1952

رياح يوليو 1952

المغرب اليوم -

رياح يوليو 1952

عبد المنعم سعيد
بقلم - عبد المنعم سعيد

استيقظت يوم الأربعاء الماضى 23 يوليو 2025 على مقال «الصديق اللدود» للأستاذ أحمد الجمال «الأربعاء الخالد»، الذى طرح فيه ذكرى اليوم الذى لا يُنسى، وتاريخه هو شخصيًا فى مدحه وقدحه وحتى السخرية منه ومن منتقديه ومادحيه معًا. التسجيل على هذا النحو بدا لى قضية جيلٍ سمع عن الثورة فى طفولته، وهتف لها فى شبابه، واصطلى بنار هزيمتها فى رجولته. ورغم أن مياهًا كثيرة جرت تحت الجسور بعد ذلك، بما فيها المشاركة فى الثأر واستعادة الأرض المحتلة، وقدوم رئاسات جديدة لمصر من الرئيس السادات وحتى الرئيس السيسى، فإن المناسبة تلح بوجودها، وزعيمها يظل مُطلًا بصوته وشخصيته. ومهما جاء الحديث سلبيًا أو إيجابيًا، فإن رياح يوليو تهب كل عامٍ مفصحة عن وجودٍ فى التركيبة الوطنية، والهوية الشخصية، للشعب المصرى، الذى يعيش حاليًا فى مرحلةٍ يلح داخلها تلاقى الجغرافيا المصرية مع الديموجرافيا، التى تعدى فيها المصريون المائة مليون وسبعة.


الرياح كان فيها بذرة ما نعيشه اليوم، حينما تولدت فكرة «مديرية التحرير» التى جرى الغناء فيها للصحراء حيث «المهندس جى». تأميم قناة السويس لم يكن فقط استعادةً لواحدةٍ من أهم الأصول المصرية التى صنعها المصريون؛ ولكنه كان تحقيق الاكتمال للعلاقات «الجيوسياسية» المصرية، سواء فى دوائرها السياسية - العربية والإفريقية والإسلامية - وإنما أكثر من ذلك فى تفاعلاتٍ سلميةٍ وعنيفة. السلمية كانت هى حفر قناة سويس إضافية تجهز لازدواجية القناة؛ وتحقيق حلمٍ إضافى بإنشاء منطقة اقتصادية ثرية وعفية ما بين القناة وفرع نيل دمياط. المجموع هو مضاعفة دخل القناة فى مصادفةٍ عنيفة مع حرب غزة الخامسة، وفروعها إلى البحر الأحمر، حيث هدد الحوثيون الملاحة والتجارة فى قصة صاروخية ألقت بظلالها على القناة، ليس باعتبارها مصدرًا للثروة، وإنما بقيمتها العالمية، التى جعلت الرئيس ترامب يتحدث عن «المرور فيها مجانًا»، وادعاء قيام الولايات المتحدة بإنشائها. الرد المصرى وضع الحديث فى حجمه، ولكن النهاية كانت تعنى كيف أن القناة تصير جزءًا من اللحمة الوطنية المصرية، كما جرى وقت التأميم 1956، ووقت فتحها بعد الإغلاق 1975، وافتتاح فرعها الجديد 2015 فى حدثٍ عالمى هام.

الرابط المسلسل فى رياح يوليو يفوق الكثير من الأحداث التى مرت بها، وما يحدث حاليًا فى البيئة الإقليمية من نهضةٍ بيئيةٍ من البناء والتعمير والتواجد الإنسانى على جانبى البحر الأحمر فى ناحية؛ والدمار والعنف والعار والتهديد فى الشمال الشرقى لمصر، حيث حرب غزة الخامسة، وفوقها عدوان المستوطنين الإسرائيليين على الضفة الغربية، وحروب لبنان وسوريا فى الشام، وعبر الجزيرة العربية إلى الخليج حيث جرت الحرب الإسرائيلية الإيرانية التى جاء منها التهديد بانتشار الإشعاعات النووية. حالة يوليو عندما تمتزج بالتطورات التاريخية تضيف للنقاش والحوار والجدل المصرى المدى الذى تصل إليه الهوية المصرية؛ بينما التهديدات، كما كانت فى الماضى، تأخذ صورًا جديدة تستوجب الحكمة والحزم فى اتخاذ قراراتٍ مصيرية لا تُفرط فى واجبٍ ولا تُستدرج إلى كارثة. التراكم الذى جرى اعتبارًا من يوليو كل عام يجعل مصر أكثر نضجًا وقدرة؛ وبقدر ما تصورت دوائر معادية، وفى مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين وتوابعها، فإن الشعب المصرى كان يعرف أين يجد البوصلة التاريخية الراهنة التى يُقدر فيها الاتجاه الواجب السير فيه. المسألة التى تستند إلى هويةٍ نضجت اعتبارًا من 1952 وحتى 2013 عانت من سقطات، ولكنها تركتنا بعد عقد ونحن دولة قوية وعفية.

بناء القدرات وعناصر القوة والطاقة المصرية قام منذ الفراعنة القدماء على نهر النيل الخالد. وبقدر ما ساهمت مصر الملكية فى بناء خزان أسوان، فإن رياح يوليو على مصر كانت بناء السد العالى. هنا كانت المحطة مزدوجةً بين الإنجاز لعملٍ عاش معنا حتى اليوم، وسوف يعنى الآن ما هو كثير. السد العالى لم يكن فقط إضافةً تنموية، وإنما كان فكرةً عريقة امتزج فيها الفيضان مع الجفاف مع قرص الشمس مع الحماية، عندما أتى الجفاف فى الثمانينيات من القرن الماضى، وعندما هلّ التهديد الإثيوبى مستغلًا ساعة الفوضى. فى المقابل، كانت الشخصية المصرية ساعيةً لكى تضيف إلى النيل «مفيض توشكى» وتوابعه من بحيراتٍ ظهرت فى قلب الصحراء، وتعطى منبعًا جديدًا لنهرٍ جديد يفرز دلتا جديدة. التطور جاء محض فكرة عظيمة قائمة تعبر العصور، استغلتها قامة علمية مصرية هو د. فاروق الباز فى مشروع للعصر المصرى فى زمن قيادة وإرادة مصريةٍ فاعلةٍ للرئيس السيسى. رياح يوليو دخلت فى شراعات سفن النيل، تحمل لأجيالٍ جديدة مساراتٍ تليق بالقرن الواحد والعشرين، وترسى انتقالًا إلى مصر جديدة بالفعل، تكون فى العقد الثلاثينى القادم قريبةً من أحلامٍ أصبح فيها الخير منتشرًا ما بين النهر والبحر؛ ومن توشكى إلى منخفض القطارة والبحر المتوسط.

«الصديق اللدود» فى «الأربعاء الخالد» تمنى البراءة من «متلازمة يوليو وعبد الناصر»؛ وفيما سبق محاولةٌ لوضع رياح يوليو فى سياق تاريخى مستقبلى، كانت أمجاده وأحزانه جزءًا من مسيرة أمة عظيمة.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

رياح يوليو 1952 رياح يوليو 1952



GMT 06:46 2026 الإثنين ,13 إبريل / نيسان

عودة الحربِ أو الحصار

GMT 06:44 2026 الإثنين ,13 إبريل / نيسان

«فيفتي فيفتي»

GMT 06:44 2026 الإثنين ,13 إبريل / نيسان

ساعة الالتفاتِ إلى الساعة

GMT 06:42 2026 الإثنين ,13 إبريل / نيسان

أمير طاهري و«جوهر» المشكلة

GMT 06:41 2026 الإثنين ,13 إبريل / نيسان

لبنان... مواجهة لعبة التفكيك

GMT 06:40 2026 الإثنين ,13 إبريل / نيسان

«جناح الفراشة» يتحدَّى قطعة «الكنافة»

GMT 06:40 2026 الإثنين ,13 إبريل / نيسان

هل ستموت الرواية فى عصر الذكاء الاصطناعى؟

GMT 06:38 2026 الإثنين ,13 إبريل / نيسان

ثلاث حكايات

هنا الزاهد تعيد إحياء فستان البولكا دوت بإطلالة أنثوية من باريس

القاهرة - المغرب اليوم

GMT 13:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 10:11 2026 السبت ,07 شباط / فبراير

مشروبات طبيعية لنوم هانئ في الشتاء

GMT 15:36 2026 الإثنين ,19 كانون الثاني / يناير

ميدفيديف يهزم دي يونغ في «أستراليا المفتوحة»

GMT 18:26 2017 الثلاثاء ,28 تشرين الثاني / نوفمبر

أشهر الأعمال الفنية التي خاضتها النجمة شادية

GMT 05:30 2020 الثلاثاء ,14 كانون الثاني / يناير

تعرف على أجمل 7 شواطئ في جزر الرأس الأخضر

GMT 15:39 2020 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

كن هادئاً وصبوراً لتصل في النهاية إلى ما تصبو إليه

GMT 07:11 2018 الثلاثاء ,16 كانون الثاني / يناير

أجمل الأماكن للتمتع بلون أزرق يهدئ العقل

GMT 19:50 2016 الخميس ,16 حزيران / يونيو

الحقن المجهري .. مميزاته وعيوبه

GMT 19:59 2019 الثلاثاء ,30 إبريل / نيسان

سعد لمجرد يحاول تخطي إقامته الجبرية في فرنسا

GMT 09:34 2018 الثلاثاء ,04 أيلول / سبتمبر

منتخب لبنان يفقد عبد النور في تصفيات مونديال السلة
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib