لندن تستيقظ على محيط أطلسي لم تعرفه
أخر الأخبار

لندن تستيقظ على محيط أطلسي لم تعرفه

المغرب اليوم -

لندن تستيقظ على محيط أطلسي لم تعرفه

سليمان جودة
بقلم - سليمان جودة

خرجت بريطانيا من منطقة الشرق الأوسط بعد الحرب العالمية الثانية، ولكنها لم تترك فراغاً وراءها؛ لأن الولايات المتحدة الأميركية كانت جاهزة فتقدمت تملأ الفراغ، ولم يكن موقف الرئيس الأميركي أيزنهاور في أثناء العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 سوى خطوة في هذا الاتجاه.

لم يكن موقفه المعلن ضد عدوان بريطانيا، وفرنسا، وإسرائيل، حباً في عيون المحروسة بالتأكيد، ولكن الموقف كان يؤسس لإخراج البريطانيين والفرنسيين من الشباك، إذا صح أن خروجهم كان هكذا، لتدخل «بلاد العم سام» من أوسع باب إلى المنطقة من بعدهم، ثم لتبقى إلى الساعة ترث عنهم ما خلَّفوه وراءهم في مناطق النفوذ السياسي بالذات.

ولكن فرنسا راحت من بعدها تخط لنفسها خطاً، أن لها من التاريخ، ومن الثقافة، ومن الفكر، ما يعزز استقلالية سياستها الدولية، فلا تكون تابعة للولايات المتحدة، ولا تقتفي أثرها في أي طريق، اللهم إلا إذا جاء اقتفاء الأثر عن اقتناع بأن السبيل الذي يسلكه الأميركيون هو السبيل الصحيح. وأن الفرنسيين يمشون فيه لأنه صحيح، لا لأنه أميركي، ولا لأن أميركا تريد منهم المشي فيه وراءها.

شيء من ذلك مضت عليه السياسة الفرنسية، من أيام الجنرال شارل ديغول إلى إيمانويل ماكرون، ومروراً بمن جاء بينهما من الرؤساء الذين تعاقبوا على الجمهورية الخامسة. كانت هناك درجات متفاوتة في الاستقلالية، ولكنها كانت موجودة طول الوقت، ولم يكن بين هؤلاء الرؤساء مَنْ هو أشد من ديغول في التأسيس للاستقلالية وفي الحفاظ عليها، ولكن الذين جاءوا من بعده عرفوا ما أسس له، ثم مارسوه بدافع وطني فرنسي خالص.

وعندما جاء الرئيس ماكرون إلى قصر الإليزيه، وضعت مجلة «تايم» الأميركية صورته على غلافها، وكتبت تحتها هذه العبارة: «الرجل القادم في أوروبا».

وكان المعنى أنه سيقود أوروبا؛ لا فرنسا وحدها، ولكن لأن مجيئه تصادف مع وجود المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل في دار المستشارية، ولأن القيادة كانت معقودة لها نظرياً على الأقل، أو عملياً أيضاً ولكن في مساحة مرسومة، فإن قيادته تأجلت إلى حين تغادر هي دار المستشارية. فلما غادرت راح يحاول متصوراً أن هذا وقته ووقت بلاده. ولكن ليس كل ما يسعى إليه المرء يدركه، ولا فرق بين أن يكون الساعي واحداً من آحاد الناس وراء مسألة شخصية في نطاقه، أو أن يكون الساعي هو الرجل الجالس على مقعد الجنرال ديغول في عاصمة النور.

أما بريطانيا، فلقد بقيت أقرب دول القارة الأوروبية إلى الولايات المتحدة. وكنت تستطيع أن تستشف الموقف البريطاني تجاه أي قضية دولية إذا عرفت الموقف الأميركي. ولم يكن الإنجليز يجدون حرجاً في هذا. كانوا يتطلعون إلى تطابقهم سياسياً مع واشنطن، بوصفه درجة من الشراكة البريطانية- الأميركية في التعامل مع العالم ومع قضاياه، ولم تكن المسألة شراكة طبعاً بالمعنى المفهوم؛ لأن الشراكة في حالة كهذه تقتضي وجود شريكين بنصيب معلوم لكليهما، لا أن يقود طرف ويتبعه الطرف الثاني، ثم يقال إنها شراكة بينهما، أو كالشراكة.

وإذا شئت قلت إن تحالفهما كان الأقوى بين دولتين على خريطة العالم، ولم يكن هذا سراً، ولكنه كان يجد تعبيراً عنه في كل مناسبة، وكان لسان حال بريطانيا وهي تعمل داخل تحالفهما، أنها إذا كان فاتها أن تبقى كما كانت في منطقة الشرق الأوسط، فليس أقل من أن تكون موجودة على طريقة أرسطو الذي كان يفرِّق بين وجود نظري للشيء بالقوة، وبين وجود عملي بالفعل، فوجود الإنجليز بالمعنى الثاني قد عز عليهم بعد حرب السويس وانقضت أيامه.

وقد مضى التحالف بين بريطانيا والولايات المتحدة في تياره المتدفق، إلى أن جاء الرئيس دونالد ترمب في رئاسته الثانية، فاتخذ موقفه المتخاذل تجاه أوروبا، ولم يفرق بين حليف وغير حليف في القارة، ولم يتصرف على أساس أن دول أوروبا كلها شيء بالنسبة لبلاده، وأن بريطانيا شيء آخر، وأن هذا ما عاش عليه أسلافه بدءاً من أيزنهاور إلى أن صارت الأمور إليه في ولايته الثانية.

لم يفرق ولم يفرز ولم يميز، وتعامل مع الإنجليز بمثل ما تعامل مع سواهم من الأوروبيين. وفوجئ الأوروبيون -بمن فيهم الإنجليز- بذلك، فلم تملك عواصم القارة سوى أن تدبر أمرها، وسمعنا عن «أم الصفقات التجارية» بينها وبين الهند، وعن صفقة أخرى مع تجمع «ميركوسور» في أميركا الجنوبية، ووجد رئيس الحكومة البريطانية أنه مدفوع إلى زيارة للصين، هي الأولى لرئيس وزراء بريطاني من 8 سنوات!

ولكن الرئيس ترمب لم يؤلمه إلا موقف بريطانيا بالذات، فتوقَّف أمام تقاربها مع الصين ورآه «خطيراً جداً»، ولو شاء لكان قد انتبه إلى أن ذهاب لندن إلى بكين لم يكن أمراً تستطيع أن تختار فيه.

كانت السُّبل قد تفرقت بين أوروبا وبريطانيا منذ خروجها من الاتحاد الأوروبي، ولكن الأفكار التي جاءت بها إدارة ترمب الثانية ربما تدفعها إلى إعادة التفكير في عواقب الابتعاد عن القارة. سوف تنتبه إلى أن الارتكان على التحالف القديم مع الأميركيين نوع من النوم على وسادة من خيش، بينما الظن كان أنها وسادة من حرير.

بقي المحيط الأطلسي جسراً يصل بريطانيا على شاطئه الشرقي، بالولايات المتحدة على شاطئه الغربي، ولكن أفكار الإدارة الترمبية الثانية بددت هذه الحقيقة بما يكفي، واستيقظت عاصمة الضباب على محيط يفصل ولا يكاد يصل بين الشاطئين.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

لندن تستيقظ على محيط أطلسي لم تعرفه لندن تستيقظ على محيط أطلسي لم تعرفه



GMT 12:13 2026 الأحد ,29 آذار/ مارس

إيران واعتقال الجغرافيا

GMT 02:02 2026 السبت ,14 آذار/ مارس

لبنان بين الأنوار والنيران

GMT 15:44 2026 الأحد ,08 آذار/ مارس

الخيار شمشون …!

GMT 15:42 2026 الأحد ,08 آذار/ مارس

اليوم العالمى للمرأة

GMT 13:06 2026 الجمعة ,06 آذار/ مارس

البحث عن إنسان

أناقة البدلات تسيطر على إطلالات النجمات في عيد الأضحى

دبي - المغرب اليوم

GMT 03:59 2026 الأربعاء ,20 أيار / مايو

"الناتو "يدرس" المساهمة في ضمان حماية مضيق هرمز

GMT 20:49 2019 الجمعة ,06 أيلول / سبتمبر

تنتظرك أحداث مهمة وسعيدة

GMT 07:00 2023 الأحد ,15 تشرين الأول / أكتوبر

مفتشو التعليم المغربي يرفضون تراجعات النظام الأساسي

GMT 14:46 2019 الإثنين ,29 إبريل / نيسان

مسجد لم يُرفع فيه الآذان يومًا في المغرب

GMT 16:58 2016 الإثنين ,18 كانون الثاني / يناير

السماعلي يدعو اتحاد الخميسات إلى تسوية وضعيته

GMT 22:41 2017 الجمعة ,10 تشرين الثاني / نوفمبر

صراع قوي على كؤوس الصخير والمرحومين العفو والعلوي

GMT 08:07 2020 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الجمعة 30 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 16:25 2020 الأربعاء ,17 حزيران / يونيو

إشبيلية في ضيافة ليفانتي في الدوري الإسباني

GMT 20:31 2020 الأحد ,05 إبريل / نيسان

عرض أعمال «+Disney» الأصلية على شبكة «OSN» قريبًا

GMT 21:17 2020 الأربعاء ,22 كانون الثاني / يناير

مروان محسن يودع وليد أزارو بعد الرحيل عن الأهلى

GMT 16:10 2019 الجمعة ,20 كانون الأول / ديسمبر

البحر الأحمر السينمائى يمول فيلم أربعون عامًا وليلة

GMT 10:14 2018 الأحد ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

مواصفات سيارة سيترون C5 Aircross ذات الدّفع الرباعي
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib