لم نرَ «الهولوكوست» ورأيناه في غزة

لم نرَ «الهولوكوست» ورأيناه في غزة

المغرب اليوم -

لم نرَ «الهولوكوست» ورأيناه في غزة

مأمون فندي
بقلم : مأمون فندي

لا شكَّ أنَّ سؤالَ الأخلاق في العلاقات الدولية أمرٌ مهمٌّ، وسيزداد أهميةً كلما تمكَّن الناسُ من متابعة الأحداث من خلال السوشيال ميديا وما بعدَها. ربَّما لو نظر أحدُنا إلى المستقبل إلى مدى نصفِ قرنٍ إلى الأمام مثلاً، سيكون توثيقُ الأحداث أكثر دقة، ويصعب إنكار ممارسة أعمال منافية للأخلاق الإنسانية مثل الإبادة والتطهير العرقي الذي تمارسه إسرائيلُ على الفلسطينيين اليوم.

لم يرَ العالم «الهولوكوست» الذي حدث لليهود في ألمانيا ومحارق بولندا، لكنَّ التاريخَ سجَّل هذه السقطة الإنسانية في مستنقع العنف البدائي، وأدَّى هذا الحدث الكبير والمروع لما نعرفه الآن باتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية (Genocide Convention) عام 1948، التي دخلت حيز التنفيذ عام 1951.

المحرقة، التي عُرفت لاحقاً باسم «الهولوكوست»، كشفت للعالم مدى وحشية الإبادة الجماعية، ودفعت إلى التفكير في وضع قانون دولي لمنع تكرارها، لكنَّها للأسف تتكرّر اليوم وعلى يد أبناء الناجين من المحرقة وأحفادهم، تتكرَّر في غزة، مع فارق أساسي وهو أنَّ كلَّ شيء موثق بالصوت والصورة.

فهل سيقدم العالم المتحضر اليوم على حوار جاد وجديد عن الإبادة في غزة؟ وهل سيؤدي ذلك إلى تغليظ العقوبات أو مراجعة اتفاقية الإبادة السابقة؟ نحن الآن أمام نوعٍ جديدٍ من الإبادة، موثق وعلني، يمارَس أمام أعين العالم، وتشارك في تغطيته مئاتُ القنوات ووسائل الإعلام، ومع ذلك لا يتحرَّك ضميرُ العالم بالشكل الذي يليق بالكارثة، كما تحرَّك بعد الحرب العالمية الثانية.

إنَّ ما نشهده اليوم في غزة ليس مجرد حرب أو عملية عسكرية، بل هو تفكيك منظم لبنية مجتمع بأكمله: قتل جماعي، تجويع، حصار، تدمير للبنية التحتية، استهداف للمستشفيات والمدارس ومخيمات اللاجئين. إنَّها ليست حرباً على فصيل مسلح كما تدّعي إسرائيل، بل حرب على فكرة الوجود الفلسطيني ذاته. هذا هو جوهر الإبادة كما عرّفتها اتفاقية 1948: «أفعال ترتكب بقصد تدمير جماعة قومية أو إثنية أو دينية بشكل كلي أو جزئي». فهل ثمة وصف أدق لما يحدث في غزة اليوم؟

في زمن «الهولوكوست»، لم يكن العالم يملك وسائل الإعلام الحديثة ولا الكاميرات التي توثق الجرائم في حينها، فالكثير من الفظائع لم تُكتشف إلا بعد التحرير وسقوط النظام النازي. أمَّا اليوم، فكل شيء يُعرض لحظة بلحظة أمام ملايين الشاشات. ومع ذلك، لا يبدو أنَّ توثيق الجرائم كافٍ لإيقاظ الضمير الإنساني، أو تحريك إرادة دولية حقيقية لوقف المذبحة.

وهنا يبرز سؤال جوهري: هل فقدت الإنسانية معناها في عالم تحكمه المصالح؟ وهل تحولت الأخلاق إلى ترفٍ فكري لا مكان له في العلاقات الدولية؟ ما معنى أن تعقد الأمم المتحدة جلسات متكررة، وأن تخرج المنظمات الحقوقية ببيانات استنكار، بينما تستمر آلة القتل في عملها بلا توقف؟

الازدواجية الأخلاقية في النظام الدولي اليوم أصبحت فاضحة. فالعالم الذي شرّع قوانين بعد «الهولوكوست» لمنع تكرار الإبادة الجماعية هو نفسه الذي يصمت أمام إبادة تُبثّ مباشرة على الهواء. يبدو أن القانون الدولي لم يُكتب لحماية الضعفاء، بل لخدمة الأقوياء. فحين يكون القاتل حليفاً استراتيجياً، تتغير القواعد ويُعاد تفسير النصوص، وتُعطّل القرارات، وتُبرَّر الجرائم باسم «حق الدفاع عن النفس».

ما يحدث في غزة اليوم اختبار حقيقي ليس فقط للقانون الدولي، بل لضمير الإنسانية جمعاء. فإما أن يثبت العالم أنه تعلم من دروس التاريخ، وأنه قادر على مواجهة الظلم مهما كان مصدره، أو أن يسقط مرة أخرى في فخ الازدواجية والنفاق الأخلاقي. فالتاريخ لا يرحم، وسيكتب يوماً أن الإنسانية رأت الإبادة بالصوت والصورة، لكنها لم تحرّك ساكناً بما يليق بالحدث.

من المهم أن ندرك أن الصمت اليوم جريمة بحد ذاته. فحين تسكت الحكومات والمؤسسات الدولية، يبقى صوت الشعوب هو الأمل الأخير. وهذا ما نراه في المظاهرات العالمية التي تخرج تنديداً بالعدوان، وفي الحملات التي يقودها ناشطون من كل الجنسيات دفاعاً عن الحق الفلسطيني. هذه الأصوات ربما لن توقف الحرب اليوم، لكنها تضع الأساس لعالم جديد لا تقوده الرواية الرسمية بل الوعي الجمعي الإنساني.

قد لا يوقف هذا الجيل الإبادة، لكنه سيحاكمها في الذاكرة. كما حُوكم النازيون بعد «الهولوكوست»، سيأتي يوم تُعرض فيه جرائم غزة أمام محكمة الضمير والتاريخ. فالفارق بين الأمس واليوم أن كل شيء موثق، ولا يمكن لأي جهة أن تدّعي الجهل أو تنكر ما حدث.

إن ما يجري في غزة يجب أن يدفع العالم لإعادة التفكير في منظومة القيم والقوانين التي تحكمه. فربما تكون الحاجة اليوم إلى «اتفاقية غزة» جديدة، تُعيد تعريف الإبادة الجماعية بما يتناسب مع واقع التكنولوجيا الحديثة وتوثيق الجرائم في زمن الإعلام الرقمي. لم تعد الإبادة مجرد أفعال تُمارس في الظل، بل مشاهد تُبثّ في وضح النهار، ومع ذلك لا تجد من يوقفها.

إن الإنسانية التي لم ترَ «الهولوكوست» رأته اليوم في غزة. فهل ستتعلّم هذه المرة، أم سننتظر محرقة جديدة لنكتب بعدها اتفاقية جديدة؟

لكن، ها هو العالم بدأ في الإفاقة بعد هذه المذابح الإسرائيلية المروّعة، فها هي دول العالم توالي الاعتراف بالدولة الفلسطينية نكاية في الهمجية الإسرائيلية والأفعال الشنيعة التي يمارسها الإسرائيليون في قطاع غزة والضفة الغربية.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

لم نرَ «الهولوكوست» ورأيناه في غزة لم نرَ «الهولوكوست» ورأيناه في غزة



GMT 05:45 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

شهادة من اليابان!

GMT 05:43 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

شجاع بين متخاذلين

GMT 05:36 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

ما بعد الأسبوع الرابع ؟!

GMT 05:31 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

معشرك

GMT 05:29 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

جلسة مسائية مع أسرة طهرانية

GMT 05:29 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

طرابلس في حرب إيران

GMT 05:27 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

القراءة المبكرة... هل تحققت؟

GMT 05:27 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

«أرتميس ــ 2» وأوان العودة إلى القمر

GMT 15:46 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

عائشة بن أحمد تشوق محبيها بعمل فني جديد
المغرب اليوم - عائشة بن أحمد تشوق محبيها بعمل فني جديد

GMT 19:02 2020 الجمعة ,01 أيار / مايو

أبرز الأحداث اليوميّة

GMT 07:08 2019 الأحد ,31 آذار/ مارس

شهر بطيء الوتيرة وربما مخيب للأمل

GMT 18:22 2021 الإثنين ,01 شباط / فبراير

يبدأ الشهر مع تنافر بين مركور وأورانوس

GMT 18:36 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

أعد النظر في طريقة تعاطيك مع الزملاء في العمل

GMT 19:17 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

يحاول أحد الزملاء أن يوقعك في مؤامرة خطيرة

GMT 16:39 2020 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

تعيش ظروفاً جميلة وداعمة من الزملاء

GMT 07:43 2020 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الجوزاء الجمعة 30 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:00 2017 الأربعاء ,15 شباط / فبراير

شركة "بورش" تعلن عن مركبتها المميّزة "باناميرا 2018"

GMT 12:41 2023 الإثنين ,25 كانون الأول / ديسمبر

الطابع العصري يطغى على إطلالات ريم السعيدي في 2023

GMT 20:32 2016 الثلاثاء ,12 كانون الثاني / يناير

فوائد الريحان لعلاج القرح والجروح

GMT 12:10 2023 الأربعاء ,15 تشرين الثاني / نوفمبر

إردوغان يؤكد أن إسرائيل دولة إرهابية وأن نهاية نتنياهو اقتربت
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib