الفرق بين «ماكارثر» والمكارثية
أخر الأخبار

الفرق بين «ماكارثر» والمكارثية

المغرب اليوم -

الفرق بين «ماكارثر» والمكارثية

مأمون فندي
بقلم - مأمون فندي

سمع العرب بالمكارثية، ولم يسمعوا تقريباً بماكارثر. عرفوا المكارثية بوصفها زمن خوف ومحاكم تفتيش طالت الجامعات، وتخويناً واسعاً للمثقفين في ذروة الحرب الباردة. والمكارثية، كما هو معلوم، تُنسب إلى السيناتور جوزيف مكارثي الذي قاد تلك الحملة. في المقابل، لم تحظَ مؤسسة «ماكارثر» بالمعرفة نفسها في الوعي العربي، رغم أنها تقف على النقيض التام من منطق المكارثية، وتمنح ما يُعرف عالمياً بـ«منحة العبقرية» القائمة على الثقة، وحماية الإبداع، واحترام استقلال العقل.

الفارق بين الاسمين ليس لغوياً فحسب، بل حضاري ومعرفي. ولتوضيح هذا الفارق، أبدأ بحكاية شخصية أرويها بحذر، ووفق القواعد الأخلاقية للأمانة العلمية. في عام 2000، حين كنت أعمل أستاذاً في جامعة جورجتاون بواشنطن، وصلني خطاب مقتضب وغامض يُفيد بانضمامي إلى «شبكة الترشيحات» التابعة لمؤسسة «ماكارثر». هي شبكة سرّية لرصد المواهب الفكرية العابرة للتخصصات. لا يحق لعضو الشبكة ترشيح نفسه، ولا يعرف بقية الأعضاء، ولا من سيُرشَّح أو لماذا. كل ما طُلب مني هو كتابة تقييمات فكرية لمسارات بعض المبدعين، تُرسل مباشرة إلى مقر المؤسسة. حتى اليوم، وبعد نحو ربع قرن، لا أعرف لماذا اختير اسمي، ولا كيف تُدار المنحة في تفاصيلها الدقيقة. لكنني فهمت منذ اللحظة الأولى أنني أمام منطق مختلف في النظر إلى المعرفة ودورها في المجتمع.

تبلغ قيمة منحة ماكارثر نحو 800 ألف دولار أميركي، تُصرف على خمس سنوات، من دون شروط إنفاق، ومن دون تقارير مرحلية، ومن دون أهداف قابلة للقياس. الشرط الوحيد هو أن يواصل الحاصل على المنحة ما كان يفعله قبلها. لا مشروع جديداً مفروض، ولا خطابَ مُعدّلاً، ولا استجابة لإملاءات ممول. فقط استمر في مسارك. وهذه في حد ذاتها ثورة صامتة على ثقافة التمويل السائدة، التي تختزل المعرفة في مؤشرات أداء وعوائد سريعة.

«ماكارثر» منحة غير تقليدية بكل المقاييس: لا استمارات، لا مقابلات، لا ملفات إنجاز، ولا سباق سِيَر ذاتية. الباحث أو الفنان لا يتقدم إليها أصلاً، بل تُراقَب مسيرته لسنوات من دون علمه، ثم يُرشَّح إن رأتِ المؤسسة في مساره قيمة طويلة الأمد. هنا لا تُكافَأ النتيجة الجاهزة، بل طريقة التفكير، والقدرة على الربط بين الحقول المعرفية، والجرأة على العمل في المناطق الرمادية بين التخصصات، والاستقلال عن إملاءات السوق والسلطة معاً.

من هنا يبرز السؤال الطبيعي: لماذا لا نملك «ماكارثر» عربية؟

الإجابة لا تتعلق بندرة المال ولا بندرة العقول، بل بغياب البيئة المؤسسية. «ماكارثر» تفترض جامعة مستقلة، ومجالاً عاماً يحمي الاختلاف. في المقابل، تُختزل جامعاتنا غالباً في خطاب «سوق العمل»، وتُدان إن لم تُخرِّج «موظفين جاهزين»، مع أن هذه ليست وظيفة الجامعة الأولى، بل وظيفة المعاهد المهنية.

الجامعة البحثية لم تُنشأ لتكون مكتب توظيف، بل لإنتاج الأسئلة الجديدة. من يخلط بين الجامعات البحثية الكبرى وجامعات السوق والدراسات التطبيقية يتجاهل حقيقة أساسية: السوق تتغير أسرع من أي منهج، بينما يظل التفكير الخلّاق هو الاستثمار الوحيد طويل الأمد. «ماكارثر» تفهم ذلك، ولذلك تفصل بوضوح بين التفكير والتشغيل، بين العقل والآلة.

المفارقة أن كثيرين ممن يرفعون شعار «العقلانية» و«قيم السوق» يتبنّون عملياً منطقاً مكارثياً صريحاً: تخوين المثقف، شيطنة النقد، وتحميل الأفكار مسؤولية فشل السياسات. هكذا تُبرَّأ الإدارة من سوء الإدارة، وتُعفى السوق من اختلالات التوزيع، ويُلقى العبء كله على المثقف.

تاريخ العلوم يخبرنا عن المجتمعات التي قدمت فسحة من النقد لجامعاتها، بل تركتها تطرح الأسئلة غير المريحة، ولم تطلب من الباحث أن يُثبت جدواه فوراً في سوق العمل، بل صدق تفكيره على المدى الطويل. في هذا المعنى، ليست «ماكارثر» جائزة أميركية، بل درس عالمي في إدارة المعرفة.

وأخيراً، لا بد من التمييز: مؤسسة «ماكارثر» ليست ضد السوق، لكنها ترفض أن تكون السوق الحاكم الوحيد. كما ترفض مصادرة المعرفة. هناك فرق جوهري بين المكارثية التي تطارد الأفكار، و«ماكارثر» التي تحميها. في عالمنا العربي، اخترنا الأولى، وربما آن الأوان لإعادة النظر، لا لأن النموذج أميركي، بل لأن أي مجتمع يريد مستقبلاً واعداً يحتاج، قبل كل شيء، إلى عقول حرة تعمل في جامعات مستقلة، وتنظر إلى تراكم المعرفة بوصفه أساس النهضة، لا إلى آليات السوق وحدها.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الفرق بين «ماكارثر» والمكارثية الفرق بين «ماكارثر» والمكارثية



GMT 12:13 2026 الأحد ,29 آذار/ مارس

إيران واعتقال الجغرافيا

GMT 02:02 2026 السبت ,14 آذار/ مارس

لبنان بين الأنوار والنيران

GMT 15:44 2026 الأحد ,08 آذار/ مارس

الخيار شمشون …!

GMT 15:42 2026 الأحد ,08 آذار/ مارس

اليوم العالمى للمرأة

GMT 13:06 2026 الجمعة ,06 آذار/ مارس

البحث عن إنسان

أناقة البدلات تسيطر على إطلالات النجمات في عيد الأضحى

دبي - المغرب اليوم

GMT 03:59 2026 الأربعاء ,20 أيار / مايو

"الناتو "يدرس" المساهمة في ضمان حماية مضيق هرمز

GMT 20:49 2019 الجمعة ,06 أيلول / سبتمبر

تنتظرك أحداث مهمة وسعيدة

GMT 07:00 2023 الأحد ,15 تشرين الأول / أكتوبر

مفتشو التعليم المغربي يرفضون تراجعات النظام الأساسي

GMT 14:46 2019 الإثنين ,29 إبريل / نيسان

مسجد لم يُرفع فيه الآذان يومًا في المغرب

GMT 16:58 2016 الإثنين ,18 كانون الثاني / يناير

السماعلي يدعو اتحاد الخميسات إلى تسوية وضعيته

GMT 22:41 2017 الجمعة ,10 تشرين الثاني / نوفمبر

صراع قوي على كؤوس الصخير والمرحومين العفو والعلوي

GMT 08:07 2020 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الجمعة 30 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 16:25 2020 الأربعاء ,17 حزيران / يونيو

إشبيلية في ضيافة ليفانتي في الدوري الإسباني

GMT 20:31 2020 الأحد ,05 إبريل / نيسان

عرض أعمال «+Disney» الأصلية على شبكة «OSN» قريبًا

GMT 21:17 2020 الأربعاء ,22 كانون الثاني / يناير

مروان محسن يودع وليد أزارو بعد الرحيل عن الأهلى

GMT 16:10 2019 الجمعة ,20 كانون الأول / ديسمبر

البحر الأحمر السينمائى يمول فيلم أربعون عامًا وليلة

GMT 10:14 2018 الأحد ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

مواصفات سيارة سيترون C5 Aircross ذات الدّفع الرباعي
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib