ليبيا بين الفشل والإنقاذ

ليبيا... بين الفشل والإنقاذ

المغرب اليوم -

ليبيا بين الفشل والإنقاذ

بقلم : د. جبريل العبيدي

مساحات متنوعة من الأزمات، هذه حال ليبيا الآن. تتفاقم الأزمات ويستمر الصراع المرير على السلطة من دون الالتفات لحل هذه الأزمات المتفاقمة.

هذه الأزمات أثقلت كاهل البلاد والعباد بدءاً من مأزق الفراغ التشريعي والدستوري، إلى تغييب الهوية السياسية للبلاد، مروراً بإهدار المال العام وتجاوز جغرافيا الوطن بولاءات خارجية، جعلت من ليبيا مجردَ محطة ترانزيت لدى البعض، خاصة ممن يحنّون إلى عودة المستعمر ولو بعباءة جديدة ومختلفة، في ظل وجود قراءة شريرة للمكون الديموغرافي الليبي، لتفتيته بنزعات إثنية، ضاربة في الاضمحلال منذ سنين، يحاول من يحاول إحياء نعراتها، لتفتيت الوطن، ولعل آخرها الإعلان عن استحداث إقليم جغرافي رابع في ليبيا باسم إقليم «الوسطى». أجل إقليم رابع، بعد أن تخلصت ليبيا من أقاليمها التاريخية الثلاثة (برقة وطرابلس وفزن) بفضل الموحد الملك إدريس السنوسي، تحت اسم المملكة الليبية المتحدة. وبعد مرور نحو سبعين عاماً على جعل ليبيا بلا أقاليم، ظهر علينا اليوم، من يريد عودتها بالإعلان عن إقليم رابع لتقسيم الوطن أكثرَ مما هو منقسم على نفسه، في محاولة لمزيد من التشظي السياسي والجغرافي.

ليبيا اليوم في حالة تصحر سياسي كتصحرها الجغرافي الكبير، بسبب النخبة الفاسدة والنفعية التي جلّها ضمن حزب الكنبة وموقف المتفرج على ما يحدث فوق تراب هذا البلد، والاكتفاء بالصمت، مع قليل من الثرثرة أحياناً تستثمرها لتحقيق مكاسبَ فئوية خاصة تجعل منها رهينة للعبودية المختارة.

ليبيا المنقسمة سياسياً وجغرافياً بين شرق وغرب، أزمتها مشتركة، محلية بالدرجة الأولى بانقسام نخبها السياسية؛ بين متعنت وفاشل ومراهن على الاستقواء بالأجنبي، وطاعة لمرشد من خارج حدود الوطن، يحمل أجندات تخريبية، خاصة من جماعات الإسلام السياسي، مقابل نخب وطنية تتلمس طريقَها عبر مواجهة تكتل إقليمي ودولي متغول وعابث بالمشهد الليبي، وأخرى خارجية يحكمها تقاطع مصالح ونصيبها من الكعكة الليبية، بينما بقي الحوار الليبي كمن يؤذن في الفاتيكان.

الأزمة الليبية تعاني من عمليات الترحيل المتعمد من غدامس الليبية إلى الصخيرات المغربية إلى تونس التونسية إلى جنيف السويسرية، وتواكب هذه العملية إعادة تكرار الوجوه والشخوص نفسها تقريباً بترتيب مختلف.

ففي التعريف السياسي، الدولة المنهارة هي مرحلة متقدمة من الدولة الفاشلة، كما يرى المفكر الأميركي روبرت روتبرغ أنها حالة تعبير عن فراغ كامل للسلطة في إقليم جغرافي محدد، فالدولة التي لا تستطيع القيام بالوظائف الأساسية، وعاجزة عن تأمين الأمن والغذاء لمواطنيها، تصبح دولة فاشلة إذا فقدت السلطة القائمة، وفقدت قدرتها على السيطرة الفعلية على أراضيها بفقدانها لشرعية اتخاذ القرارات والقدرة على تنفيذها، وعجزها عن التعاطي مع الدول الأخرى كعضو فاعل في الأسرة الدولية، وهذا جميعه ينطبق تمام الانطباق على ليبيا.

عرقلة وتعطيل بناء مؤسسات الدولة، هما من علامات الدولة الفاشلة، بسبب سيطرة آيديولوجيا أو جماعة دينية أو مناطقية من خلال ميليشيات الدفع المسبق، مما يجعل الدولة تتجه قهراً نحو الدولة الفاشلة.

أزمة وطن يئن من أزمات متعددة ومتجددة ومستمرة، المتسبب فيها ليس محلياً فقط. فليبيا اليوم يدور على أرضها صراع قوى أجنبية غارقة في نهب ثرواتها، في ظل محاولات وطنية يقودها الجيش الليبي لاستعادة الوطن من الميليشيات والجماعات الضالة، في مقابل ممانعة ومعارضة من القوى الخارجية التي تود أن تبقى الأوضاع على حالها مع استمرار الفوضى للسيطرة على ثروات البلاد.

لقد طال الأمد كثيراً على هذه الحال، ولكن كلنا أمل أن تسترد النخب الليبية عاصمة بلادها المختطفة من قبل الميليشيات ويسود الأمن والاستقرار وتبدأ عجلة التنمية في الدوران.

من قرأ التاريخ وتمعن فيه، يعرف أن ليبيا لن تكون دولة فاشلة، وستنهض بعزيمة المخلصين من أهلها وستخرج من دائرة الفشل، التي أجبرت على أن تكون فيها بتآمر دولي عليها، في محاولة لنهبها وجعلها موطناً للفوضى ومأوى للجماعات الإرهابية ومكاناً للتوطين.

للخروج من الأزمة الليبية من الممكن تحقيق ما يسمى الديمقراطية التوافقية من خلال نسخة (الليوجيركا) التي هي اجتماع موسع يضم القبائل (المكون المجتمعي الحقيقي) ووجهاء المجتمع وعلماء الدين ورجال سياسة وأساتذة جامعات ومفكرين، في اجتماع أشبه باجتماع مصالحة عامة، للخروج من مأزق الفراغ التشريعي والدستوري، بعد عجز الوجوه السياسية الموجودة في المشهد بالخروج بالبلاد من مستنقع الخلاف والتشظي السياسي.

المهم أن يبقى الحوار الليبي ليبياً، على أرض ليبية وليست خارجية، وضمن ثوابت وطنية تحترم الخيار الديمقراطي، هو الخيار المنطقي المرحب وليس في جنيف أو أي مكان آخر، فالحل لا بد أن يكون ليبياً إن أردنا له النجاح.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ليبيا بين الفشل والإنقاذ ليبيا بين الفشل والإنقاذ



GMT 04:08 2026 السبت ,13 حزيران / يونيو

الأسئلة …!

GMT 04:02 2026 السبت ,13 حزيران / يونيو

ما بعد الأيام

GMT 03:52 2026 السبت ,13 حزيران / يونيو

اختصار الأزمنة

GMT 03:51 2026 السبت ,13 حزيران / يونيو

النفس الإنسانية... تشابكاتها وتناقضاتها

GMT 03:50 2026 السبت ,13 حزيران / يونيو

وهْمُ أنَّ إسرائيل تحكم أميركا

GMT 03:49 2026 السبت ,13 حزيران / يونيو

هل أصبح النفوذ الإيراني عبئاً عليها؟

GMT 03:47 2026 السبت ,13 حزيران / يونيو

نهاية «نيوستارت» والحقبة النووية الثالثة

إطلالات النجمات الحوامل أناقة عصرية تجمع الراحة والفخامة

القاهرة ـ المغرب اليوم

GMT 12:54 2020 السبت ,26 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج العقرب السبت 26-9-2020

GMT 05:04 2017 الثلاثاء ,26 كانون الأول / ديسمبر

ساموزين يشارك في فيلم رومانسي كوميدي الفترة المقبلة

GMT 14:40 2016 الإثنين ,21 تشرين الثاني / نوفمبر

ماكلارين تحتفل بمرور 50 عامًا على انطلاق السباقات الأميركية

GMT 08:58 2021 الخميس ,09 كانون الأول / ديسمبر

تأجيل مباراة توتنهام ورين في "دوري المؤتمر الأوروبي"

GMT 02:06 2019 الأربعاء ,24 إبريل / نيسان

7 نصائح ديكور لاختيار أرضيات المنازل

GMT 16:37 2018 الأربعاء ,03 تشرين الأول / أكتوبر

بورشه تدخل المنافسة بقوّة في مجال تصنيع السيارات الطائرة

GMT 13:14 2017 الخميس ,14 كانون الأول / ديسمبر

وفاة سجين في القنطيرة لإصابته بأمراض القلب وسرطان الرئة

GMT 22:59 2017 الثلاثاء ,25 تموز / يوليو

السفارة الأميركية تهنئ روان العربي ومروان طارق
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib