بدور نسجت تاريخها

بدور نسجت تاريخها

المغرب اليوم -

بدور نسجت تاريخها

إنعام كجه جي
بقلم : إنعام كجه جي

«هذا الوجود ليس لي وحدي. إنه ميراث أسلافي الذين خطّوا هذا الدرب من قبل. وها هم الآن ينادونني لأتذكرهم. لأجمع حكمتهم ومعرفتهم وأحملها شعلة متقدة أسلّمها إلى أجيال لم تولد بعد». هذا ما تخبرنا به بدور القاسمي في تمهيدها لكتابها الصادر حديثاً بعنوان: «أخبروهم أنها هنا». وهناك عنوان أصغر هو «بحثاً عن ملكة مليحة». ومليحة مملكة عتيقة تقع إلى الجنوب من الشارقة، جمعت بعثات التنقيب وغيرهم من المولعين بالآثار.

اعتدت التعامل بحذر مع الكتب والدواوين والروايات التي يؤلفها أشخاص يحملون ألقاباً عالية. أقول لنفسي إنهم يملكون إمكانيات لا تتاح لمؤلف من العامة. لكنني سمعت بدور القاسمي تتحاور في واحد من المؤتمرات العالمية وأمتعني حديثها. درست الآثار في كامبردج وتخصصت في الأنثروبولوجيا. تخبرنا أنها تلقّت في بيت عائلتها ما لا تعلّمه الجامعات.

كانت في كلباء، قرية الصيد القريبة من الشارقة، حين نبعت في رأسها فكرة الكتاب. رأت قبراً مفتوحاً على تلّة وتخيّلت أنه لملكة من سومر. سمعت صوتها يناديها: «أخبريهم أنني هنا». تسلحّت الباحثة الشابة بفريق طاف معها المنطقة. عيسى يوسف مدير هيئة آثار الشارقة، وعالم الطبيعة المتمرّس أجمل حسن. رحلة تبعتها رحلات ودأب عجيب. وكانت النتيجة نصاً كأنه من الواقعية السحرية.

زارت المؤلفة بقاعاً قصية شرقاً وغرباً. ارتقت جبالاً ودخلت أهراماً وانضمّت إلى خلوات روحية وصادقت أجناساً من البشر. عادت تتوغل في صحاري موطنها، تُسائل ما فات وتستنطق كل ذرة رمل. تربط بين ما شاهدته لدى الحضارات الأخرى، وماضٍ رافدَينيّ وعربي عريق. تنقل دهشتها لقارئها وكأنه رفيق الرحلة. تفرش له المعارف العلمية والفلسفية على بساط من الشغف. تمسك بالتأريخ المتحجر وتصوغه شعراً. كتاب يُقرأ مثل رواية شيقة، كل صفحة فيه ثمرة سنوات من الاطلاع والتأمل.

بحثها عن ملكة مليحة أخذها إلى الممالك النسائية في الجزيرة العربية. بلقيس وزنوبيا وماويّة وأروى. هؤلاء نعرفهن. فهل عرفنا نساء دومة الجندل ولميس بنت نوف؟ أسماء بعضهن محفورة على النقود المجلوّة من غبار الأزمنة. ويوم تسلقت الكاتبة جبل كليمنجارو الشاهق في أفريقيا كادت عزيمتها أن تخذلها. الاسم يعني باللغة السواحيلية «جبل الشموخ». تجمدت من البرد في خيمتها وعاشت لحظات تصفها بأنها أذلّت كبرياءها وفتحت قلبها. خرجت بحكمة تقول: «كلما خفّ حمل المرء علت خطاه». حفريات تقود إلى سبر أغوار الروح ووشائج الهوية.

تستوقفني مقدمة الكتاب التي تتحدث عن نساء تصفهن بأنهن «ناسجات العالم». وأنا ضعيفة أمام كل ما يتعلق بالنسيج، حرفة وحروفاً. حملت طوال عمري اسماً عائلياً صعب النطق ويثير التساؤل. يسألونني ما معنى لقبي وأجيب بأنه صفة مهنة، تُطلق على المشتغل بنسج خيوط «الكجة» الخشنة. ما يشبه اللباد. أشعر، عند الاشتغال على رواياتي، أنني أنسج الحكاية مهتدية بصنعة الأجداد.

نقرأ في كتاب بدور القاسمي أن النسج ليس مجرد عمل منزليّ قليل الشأن بل هو فن الإبداع المقدس. وفي كثير من الثقافات القديمة أوكلت مهمة النسج للنساء بدافع الإجلال. ما أجمل قولها: «إن النساء، منذ الأزل، هن حافظات الأنوال اللواتي يغزلن الحياة بأناملهن، وأنفاسهن، وأرحامهن».

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

بدور نسجت تاريخها بدور نسجت تاريخها



GMT 05:45 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

شهادة من اليابان!

GMT 05:43 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

شجاع بين متخاذلين

GMT 05:36 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

ما بعد الأسبوع الرابع ؟!

GMT 05:31 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

معشرك

GMT 05:29 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

جلسة مسائية مع أسرة طهرانية

GMT 05:29 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

طرابلس في حرب إيران

GMT 05:27 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

القراءة المبكرة... هل تحققت؟

GMT 05:27 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

«أرتميس ــ 2» وأوان العودة إلى القمر

النجمات يودّعن الشتاء بإطلالات جريئة

باريس - المغرب اليوم

GMT 10:11 2026 السبت ,07 شباط / فبراير

مشروبات طبيعية لنوم هانئ في الشتاء

GMT 13:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 02:01 2019 الأحد ,20 كانون الثاني / يناير

مرق العظام يُساعد على تعزيز صحة القلب والأوعية الدموية

GMT 04:03 2017 الإثنين ,25 كانون الأول / ديسمبر

السلطة الفلسطينية تدرس إعلان أراضيها دولة تحت الاحتلال

GMT 00:38 2013 الجمعة ,01 آذار/ مارس

"دبي الإسلامي" يعرض الاستحواذ على "تمويل"

GMT 21:58 2021 السبت ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

شرط واحد يفصل أوناجم للعودة إلى أحضان الوداد الرياضي

GMT 01:53 2018 الخميس ,20 أيلول / سبتمبر

مكسيم خليل يبيّن أن "كوما" يعبر عن واقع المجتمع

GMT 07:03 2018 الأربعاء ,24 كانون الثاني / يناير

نجم مولودية الجزائر يُؤكّد قدرة الفريق على الفوز بالدوري

GMT 19:21 2018 الإثنين ,08 كانون الثاني / يناير

فتح الناظور يتعاقد مع المدرب المغربي عبد السلام الغريسي

GMT 13:29 2017 الأحد ,26 آذار/ مارس

طرق تجويد التعليم
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib