تصفية المحاور السياسية

تصفية المحاور السياسية

المغرب اليوم -

تصفية المحاور السياسية

حازم صاغية
بقلم - حازم صاغية

الدول العظمى في العالم لديها من عناصر القوة المتعددة ما يجعلها قادرة على بناء محاور سياسية وتصفية مثيلاتها، مع القدرة في الآن ذاته على غض الطرف عن بعض الدول نكاية بدول أخرى أو بغرض ابتزازها باستمرار، هكذا جرى في الماضي ويجري في الحاضر، والنماذج كثيرة على طول التاريخ وعرض الجغرافيا.

باستقراء الواقع وأحداثه وسياساته يمكن بسهولة معرفة أن سياسات أقوى إمبراطورية عرفها التاريخ وهي أميركا، قد تغيرت بالكامل عن عهد الإدارة السابقة، وأن الرئيس ترمب دخل البيت الأبيض في ولايته الثانية مختلفاً عن ولايته الأولى، فلم يعد لديه ما يخسره وهو يعيد ترتيب علاقات أميركا بالعالم كما يشاء ضمن التوازنات السياسية الداخلية الأميركية، ولكنه يذهب بالأمور لمداها الأقصى.

يفعل ذلك مع كندا، ومع المكسيك، ومع غرينلاند الدنماركية، ومع أوروبا دولاً واتحاداً، وكذلك مع «الناتو»، وهو يصنع الأمر ذاته تجاه منطقة الشرق الأوسط، والقرار واضح في تغييرات جذرية للخرائط السياسية حول العالم، دون مواربةٍ أو دبلوماسية، وكما هو قادر على إنهاء الحروب كما في الحرب الروسية الأوكرانية، فهو قادر على إشعال غيرها، خصوصاً في منطقتنا.

ثمة مؤشراتٌ تؤكد أن «أميركا ترمب»، وأميركا الدولة، لديهما هدف لتغيير كثيرٍ من المبادئ الدولية، والمواضعات السياسية، وتوازنات القوى حول العالم سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، والتي يمثلها «النظام الدولي» وفي منطقتنا تجلَّى ذلك بوضوحٍ في القيادة الأميركية الكاملة لضرب «محور المقاومة» الذي سمحت له أميركا وأوروبا بالعمل والتوسع أكثر من أربعة عقود على حساب دول المنطقة.

المؤدلجون العرب وأمثالهم من مؤيديهم في الإعلام والتحليل السياسي من الباحثين والكتّاب والمعلقين، لا يستطيعون استيعاب حجم التغييرات الكبرى التي تجري حول العالم وفي الشرق الأوسط، فقد ركض كثيرٌ منهم خلف اليسار الليبرالي الأميركي، وطروحات أوباما، وسياسات بايدن التي أوصلت العالم لحافة الهاوية والحرب العالمية الثالثة، والتي جاء ترمب ليوقفها جميعاً بقرارٍ سياسيٍ ورؤية سياسية أكثر اتزاناً وإن لم تكن أكثر دبلوماسيةً.

تجاه القضية الفلسطينية وحرب غزة، صفق كثيرٌ من المثقفين والمحللين والكتّاب والقنوات لما جرى في غزة في 7 أكتوبر (تشرين الأول) قبل سنتين، وأفسدوا عقول الشعوب بشعاراتهم ومفاهيمهم حول معنى النصر والهزيمة، وحول رفض الواقعية السياسية، وبترويجٍ للرؤية الآيديولوجية الضيقة، فشاركوا شاءوا أم أبوا في دفع «حزب الله» اللبناني إلى نهايته المحتومة حين اقتنع بذلك الطرح.

استمروا في غيهم السياسي يعمهون، وفي تحليلهم يتيهون، فسقط نظام الأسد في سوريا، وجاءت الخسارة الكبرى للمحور قاسيةً وقويةً وسريعةً، فبدأوا بالتشبث بالوهم وسعوا لتمجيد «ميليشيا الحوثي»، وأنها ستقضي على أميركا وإسرائيل وسيدعمها «المحور» بكل قوته، فجاءت الهجمات الأميركية المركزة وغير المسبوقة ضد هذه الميليشيا، قياداتٍ ومقراتٍ وأسلحةٍ ومؤيدين، وتهدد بالقوة الخشنة أي تحركاتٍ داعمةٍ لها إن من العراق أو من أي دولةٍ تقود المحور أو تشارك فيه.

حديث الأوهام يتبخر أمام قوة الواقع، ولنا أن نتذكر أنه قبل عقدٍ ونصف العقد، كانت أحداث ما كان يُسمى «الربيع العربي» تملأ السمع والبصر، وكانت ضمن رؤية أوباما التي هدفت إلى إسقاط الجمهوريات العربية وتسليمها لجماعات الإسلام السياسي، وطبلت لذلك أقلامٌ وكتابٌ وقنوات.

هنا يجب طرح أسئلةٍ ملحةٍ، مَن المسؤول فعلياً عمّا جرى في غزة؟ فساد السلطة، نعم. تشتت الرأي والقرار، نعم. ولكن أيضاً عمل «محور الممانعة» وعمل «المحور الأصولي» مع حركة «حماس»، ولكن المؤثر الأكبر كان رضا إسرائيل ونتنياهو عن انقلاب «حماس» ومدها الدائم بالحياة وضمان استمراريتها.

ثم من قبل، مَن المسؤول فعلياً عن إرهاب تنظيم «القاعدة»؟ الخطاب المتطرف دينياً، نعم. وخطاب جماعات «الإسلام السياسي»، نعم. ولكن ما منحته الحياة والقدرة على التأثير هي السياسات الغربية التي كانت تدافع عن قياداته ورموزه، وتضغط على دول المنطقة حتى لا توقف مده، ومنعها من المواجهة الصريحة والقاطعة، مع إيواء رموز وقادة هذه التنظيمات، وغض الطرف عن الدولة الإقليمية التي تكفلت بالتنظيم رعايةً ودعماً وتدريباً.

وأيضاً، مَن المسؤول فعلياً عن تنظيم «داعش»؟ نظام الأسد، نعم. ودولة إقليمية استفادت من صادراته، نعم. ولكن قبل ذلك الحكومة العراقية وقتها وداعمتها الإقليمية حينذاك، والأموال المليارية التي كانت تتدفق على التنظيم تحت مسميات متعددة.

أخيراً، فالسياسة ليست مؤامرة، بل هي قوة وتوازنات ومصالح، ولأجل ذلك تُبنى الاستراتيجيات وتُصنع السياسات وتتخذ القرارات، وكذلك تحاك المؤامرات، ولكن في منطقتنا دائماً ما تجد موقفاً غربياً متراخياً أو متقلباً يحمي بعض الجهات دولاً وجماعات وأفراداً، ثم يهاجمها أو العكس.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

تصفية المحاور السياسية تصفية المحاور السياسية



GMT 19:50 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

الحلم الإيراني والعتمة الكوبية

GMT 19:48 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

جمرٌ متوهّجٌ تحت رماد المفاوضات

GMT 19:19 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

إيران ترفض الهزيمة وواشنطن لا تحسم

GMT 19:14 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

مهرجان «كان»... قصة ولَّا مناظر

GMT 19:11 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

من مساخر العالم

GMT 19:09 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

حرب فلسطين العربية

GMT 18:15 2026 الأحد ,17 أيار / مايو

ذكرى النكبة

10 نجمات عربيات يخطفن الأنظار في مهرجان "كان" 2026

باريس ـ المغرب اليوم

GMT 17:13 2020 الجمعة ,10 إبريل / نيسان

أحوالك المالية تتحسن كما تتمنى

GMT 15:38 2019 الإثنين ,02 كانون الأول / ديسمبر

أبرز الأحداث اليوميّة لمواليد برج"الأسد" في كانون الأول 2019

GMT 21:35 2019 الإثنين ,01 تموز / يوليو

تنتظرك ظروف جيدة خلال هذا الشهر

GMT 18:27 2020 الإثنين ,09 تشرين الثاني / نوفمبر

تتمتع بسرعة البديهة وبالقدرة على مناقشة أصعب المواضيع

GMT 21:22 2019 الجمعة ,06 أيلول / سبتمبر

اترك قلبك وعينك مفتوحين على الاحتمالات

GMT 02:35 2020 الثلاثاء ,23 حزيران / يونيو

إعدام 1.6 طن من الفئران في الصين خوفًا من "كورونا"

GMT 02:38 2019 الخميس ,18 إبريل / نيسان

حل المشاكل الزوجية يحمي الأسر من التفكُّك

GMT 20:11 2018 الإثنين ,27 آب / أغسطس

خاصية جديدة من "فيسبوك" للمستخدمين

GMT 16:21 2014 الأحد ,27 تموز / يوليو

التشويق سبب أساسي في نجاح مسلسل "الصياد"

GMT 01:40 2024 الثلاثاء ,26 تشرين الثاني / نوفمبر

جيمي كاراجر يكشف تأجيل تقديم عرض رسمي لمحمد صلاح مع ليفربول

GMT 16:01 2024 الأربعاء ,09 تشرين الأول / أكتوبر

موديلات أقراط ذهب لإطلالة جذابة في خريف 2024
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib