2025 تغيّر التحالفات ليس عيباً

2025... تغيّر التحالفات ليس عيباً

المغرب اليوم -

2025 تغيّر التحالفات ليس عيباً

عبدالله بن بجاد العتيبي
بقلم - عبدالله بن بجاد العتيبي

التاريخ خير معلمٍ، ودروسُه أبلغُ الدروس. إنَّه مدرسةٌ مجانيةٌ لكل باحثٍ مجدٍّ وكلّ متعلّمٍ نبيه، وقد علمنا في مسيرته الطويلة أنَّ الإمبراطوريات والدولَ لا تكون قويةً بنفسها فقط، بل هي على الدوام تقوى بتحالفاتِها التي تخلقها وتنتمي إليها، قيادةً أو انخراطاً، ينطبقُ هذا على أغلبِ الإمبراطوريات والدولِ في التاريخ القديم والحديث.

أوضحُ الأمثلة المعاصرة على هذا، الإمبراطوريةُ الأقوى في التاريخ، وهي الولايات المتحدة، التي انتصرت في الحرب العالمية الثانية مع تحالف دول «الحلفاء» المقابل لتحالف دول «المحور» في 1945، وانتصرت في الحرب الباردة في قيادة «المحور الغربي» أو «حلف الناتو» في مقابل «المحور الشرقي» أو «حلف وارسو» وسقوط الاتحاد السوفياتي في 1991.

تسعى أميركا اليوم، بعنجهيةٍ اعتورتِ الإمبراطوريات قبلها، لإعادة صياغة العالم منفردةً، وتسعى لبناء نظامٍ دوليٍ جديدٍ لا يحظى بأي نوعٍ من أنواع الدعم الحقيقي سوى قوة أميركا المجردة، ولئن كانت محاولات اليسار الليبرالي الأميركي تسعى لتغطية سياساتها واستراتيجياتها، فإنها هي مَن بدأت فعلياً بمحاولات تفكيك النظام الدولي المستقر بعد الحرب العالمية الثانية، وهي التي شكَّلت تهديداً حقيقياً لقيمته ولمؤسساته الدولية والتجارية والقانونية كافة، خصوصاً بعد الحرب الروسية الأوكرانية، ثم جاء اليمين الترمبي ليكمل القصة بشكلٍ صاخب.

على طول التاريخ وعرض الجغرافيا، كانت التحالفات السياسية المتينة هي التي تضمن نجاح الإمبراطوريات والدول الكبرى والمؤثرة، لا القوة العسكرية وحدها، ولا الاقتصاد الغني وحده، والأمثلة التاريخية كثيرةٌ، ولكن من أهمها تجربة «المغول» والأمة المتوحشة التي خرجت من صحاري وسط آسيا بقوةٍ عسكريةٍ غاشمة، فأسقطت الإمبراطوريات شرقاً وغرباً، وتوغلت شمالاً وجنوباً، وقضت بالقوة العسكرية على كثيرٍ من الممالك والدول في آسيا وأوروبا وفي الشرق الأوسط، حيث أسقطت الدولة العباسية التي يروي التاريخ فظائع المغول أو التتار في إسقاطها.

وبعد سنواتٍ ليست بالطويلة، سقطت هذه الدولة المغولية لأسبابٍ متعددةٍ، منها أنَّها اعتمدت فقط على قوتها العسكرية الضاربة، وأنَّها لم تمتلك أي نظريةٍ حضارية وفكرية وثقافية تستند إليها قوتها العسكرية ونجاحاتها المتوالية، فاستطاعت الأمم المتحضرة، والتي تمتلك قاعدةً ثقافيةً وفكريةً وفلسفيةً، هزيمتها، وإجبار قوتها العسكرية على الاندماج مع قوةٍ حضاريةٍ أقوى وأكثر رسوخاً واستمرارية.

كتب زبيغنيو بريجنسكي في كتابه «رؤية استراتيجية» في 2011 ما نصه: «لعل الاحتمال الأقوى هو حصول حقبةٍ متطاولة لحشد تحالفاتٍ متجددة أقرب إلى التذبذب، وفوضوية إلى حدود معينةٍ، لقوى عالمية وإقليمية على حد سواء، من دون أطرافٍ كبيرةٍ رابحةٍ وأطرافٍ خاسرةٍ كثيرة، على خلفية دولية مطبوعةٍ باللايقين، بل وحتى زاخرة ربما بأخطارٍ قد تكون مصيرية قاتلة بالنسبة إلى رخاء كوكب الأرض».

اليوم تعود المنطقة لمرحلةٍ جديدةٍ من بناء التحالفات الإقليمية والدولية، في عالمٍ متقلبٍ وتتغير معادلاته السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بل والمناخية بشكلٍ مذهلٍ، وها نحن نشهد بوادر صعود هذه التحالفات الجديدة التي ستلغي بشكلٍ منطقيٍ تحالفاتٍ كانت سائدةً في عقودٍ مضت، ولئن سقط «محور الممانعة» بفعل يده وسياساته واستراتيجياته، فإن المحاور القديمة الأخرى قد بدأت في التفكك والتشكل من جديد وفق معايير مختلفةٍ.

في السياسة، ليس في تغيير التحالفات عيبٍ، ولا في تعديل الاستراتيجيات حرجٌ، على أنَّها في كل الأحوال لا يمكن أن تتغير كما تتغير أخبار الصحف أو القنوات الإخبارية، ولا كما تختلف تحليلات الخبراء والمفكرين، هذا فضلاً عن أن تتقلب تقلباتٍ بهلوانية كما يجري في عالم السوشيال ميديا.

هذه عوالم مختلفةٌ تماماً في أولوياتها وطرائق تفكيرها وأساليب تعبيرها، واكتساح أدناها لأعلاها مؤشرٌ على أخطاء كارثيةٍ في المستقبل، قريباً كان أم بعيداً، فالتفكير الآني واللحظي وذو المكاسب الشخصية والسريعة لا يمكن بأي حالٍ من الأحوال أن يحلّ محلّ التفكير الاستراتيجي والسياسات طويلة المدى والمصالح العليا للدول.

تعبتِ العلوم وشقي العلماء في التفتيش عن قراءة المستقبل، وظلَّ البشر على مدى قرونٍ متطاولةٍ يفتشون عن هذا الحل المستحيل في معرفة الغد والتنبؤ به، بين خرافات العرافين والمنجمّين وضاربي الودع في كل أمةٍ وكل ثقافةٍ، وتطوّر ذلك مع تطوّر العلم والأمم والحضارات، ولكنه لم يصل لشيء يذكر على الرغم من التطور الهائل الذي أحرزته البشرية في شتى العلوم وصنوف المعارف.

أخيراً، فهل تنجح أميركا في تغيير النظام الدولي، وهل ينجح ترمب في فرضه على العالم كله دون تنظيرٍ ودون تحالفات؟ والحقيقة أنَّه ومع تطوّر علوم «المستقبليات» فإنَّ أحداً لا يستطيع الجزم بشيء بشكلٍ علميٍ ومنهجيٍ، ومن هذا المنطلق باتت العودة للآيديولوجيات ممكنةً، والاتكاء على الأوهام محتملاً، خصوصاً حين تجتمع مع الآيديولوجيا والوهم، العزيمة وقوة الانتشار والتنظيم، فحينئذٍ تصبح الأمم والدول والبشر بحاجةٍ لتنظيرٍ جديدٍ يعالج المشكلات بعلمٍ ورؤيةٍ ووعي.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

2025 تغيّر التحالفات ليس عيباً 2025 تغيّر التحالفات ليس عيباً



GMT 12:13 2026 الأحد ,29 آذار/ مارس

إيران واعتقال الجغرافيا

GMT 02:02 2026 السبت ,14 آذار/ مارس

لبنان بين الأنوار والنيران

GMT 15:44 2026 الأحد ,08 آذار/ مارس

الخيار شمشون …!

GMT 15:42 2026 الأحد ,08 آذار/ مارس

اليوم العالمى للمرأة

GMT 13:06 2026 الجمعة ,06 آذار/ مارس

البحث عن إنسان

GMT 15:46 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

عائشة بن أحمد تشوق محبيها بعمل فني جديد
المغرب اليوم - عائشة بن أحمد تشوق محبيها بعمل فني جديد

GMT 19:02 2020 الجمعة ,01 أيار / مايو

أبرز الأحداث اليوميّة

GMT 07:08 2019 الأحد ,31 آذار/ مارس

شهر بطيء الوتيرة وربما مخيب للأمل

GMT 18:22 2021 الإثنين ,01 شباط / فبراير

يبدأ الشهر مع تنافر بين مركور وأورانوس

GMT 18:36 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

أعد النظر في طريقة تعاطيك مع الزملاء في العمل

GMT 19:17 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

يحاول أحد الزملاء أن يوقعك في مؤامرة خطيرة

GMT 16:39 2020 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

تعيش ظروفاً جميلة وداعمة من الزملاء

GMT 07:43 2020 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الجوزاء الجمعة 30 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:00 2017 الأربعاء ,15 شباط / فبراير

شركة "بورش" تعلن عن مركبتها المميّزة "باناميرا 2018"

GMT 12:41 2023 الإثنين ,25 كانون الأول / ديسمبر

الطابع العصري يطغى على إطلالات ريم السعيدي في 2023

GMT 20:32 2016 الثلاثاء ,12 كانون الثاني / يناير

فوائد الريحان لعلاج القرح والجروح

GMT 12:10 2023 الأربعاء ,15 تشرين الثاني / نوفمبر

إردوغان يؤكد أن إسرائيل دولة إرهابية وأن نهاية نتنياهو اقتربت
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib