جنوب لبنان ماذا يبقى من التاريخ حين تضيع الجغرافيا

جنوب لبنان: ماذا يبقى من التاريخ حين تضيع الجغرافيا؟

المغرب اليوم -

جنوب لبنان ماذا يبقى من التاريخ حين تضيع الجغرافيا

مصطفى فحص
بقلم - مصطفى فحص

جنوب لبنان، أو جنوب النهر، أو جنوب الجنوب، حيز جغرافي غارق في القدم، منذ أن شكلت الشعوب والقبائل التي تعاقبت على الإقامة فيه، قبل آلاف السنين، ذاكرة جماعية متوارثة، مكتوبة وشفهية، حفرت أثرها في الأمكنة وفي الذاكرة.

فيه صنع السيد المسيح أولى معجزاته في قانا الجليل، حيث يربط المؤرخون بين تعاليمه وتجلياته، فوصف ب«بلد الإنجيل»، وعرف لاحقاً ب«بلاد البشارة». وفيه حط الكنعانيون رحالهم قادمين من جزيرة العرب، وبنوا أولى لبنات حضارتهم وحضورهم قبل ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد. ومن مرفأ صور، أبحرت أليسار ابنة ملكها إلى قرطاجة، وأعطت أختها أوروبا اسمها للقارة العجوز. وإلى ذلك المكان جاءت قبيلة عاملة اليمانية واستوطنته بعد سيل العرم في مأرب، فسمي على اسمها جبل عامل.

جبل عامل، الذي تتكئ هضابه على كتف الجليل، هو بوابة عبور للذاهبين والعائدين إلى بيت المقدس، غزاة محتلين أو حجاجاً زائرين. وفي حاضرنا، هو المكان الواسع من لبنان الكبير الذي شكل الذاكرة الجماعية للجماعات الشيعية التي سكنته منذ أكثر من ألف عام. هناك صنعت سردياتها عن الأزمنة التي حلت وعبرت، وعن السلاطين الذين مروا، وعن الجيوش الذين عبروا ثم رحلوا، وعن احتلالات هزمت، وعن لبنانيين انتموا إليه مكاناً وتراثاً وذاكرة وهوية، حفروا في الصخر من أجل بنائه، ودفعوا أرواحهم من أجل الحفاظ عليه، كانوا في كل مرة يغادرونه غصباً على أمل العودة.

هو ليس مجرد مكان، بل انتماء ثقافي وحاضنة للذاكرة الفردية والجماعية. هذه الذاكرة التي تتقن تحويل الحزن والألم إلى فرح، والنكبة إلى فرصة جديدة للنهوض والخروج من الموت والحرب، والحرب لا تمحو الحجر فقط، بل تمحو الحكايات والقصص والذكريات الشفهية المرتبطة به، حيث يصعب على الشعوب استعادة ماضيهم وذكرياتهم. فاللجوء والنزوح يسببان قطيعة بين الإنسان والمكان، ومع مرور الوقت يتحول المكان إلى ذكرى متخيلة، وتفقد الذاكرة صورها السابقة. وهنا لا بد من السؤال، إن عاد الجنوبيون، وأعادوا بناء قراهم ومدنهم وبيوتهم، فهل سيستطيعون إعادة بناء ما انقطع من الذاكرة؟

الحرب تعيد إنتاج سرديات متعددة وحكايات مختلفة، وتقلص الذاكرة الجمعية لصالح روايات متفرقة، مشتتة، ويصبح لكل فرد روايته الخاصة المختلفة، وهذا ما ينتج خلافاً في الذاكرة لا اختلافاً. الذاكرة المثقوبة يتسرب منها الإحساس بالجمع، وتنمو محله الأنا القاطعة والمنقطعة...

قد يستطيع الجنوبيون إعادة بناء ما تهدم، ولكن هل من السهولة إنقاذ ما تهدم من ذاكرة عمرها آلاف السنين؟ هل يمكن أن نسحبها حية من تحت الأنقاض؟ القرى المدمرة بما تشكله من إرث إنساني، من قيم ومن عادات، من أغانٍ ومواويل وساحات ودور عبادة ومقابر وشواهد... هي شواهد للذاكرة والتاريخ.

ما سيواجهه الجنوبيون ليس فقط هموم العودة أو إعادة البناء، بل الخوف على ذاكرة غنية بتفاصيلها، بتأثيراتها بحضورها وحواضرها. وهذه المعرفة في الأدب والشعر والثقافة يصفها الشاعر الجنوبي الكبير شوقي بزيع بقوله: «بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب الفردية مع الشرط الموضوعي، الذي يحتل التاريخ جانباً منه، والجغرافيا جانباً آخر، إضافة إلى عوامل حضارية وثقافية مختلفة. ولعل التقاء هذه العوامل في بؤرة واحدة هو الذي أتاح للجنوب اللبناني أن يكون حاضنة ملائمة لكل تلك الشاعريات التي تعاقبت فوق أرضه منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا».

الجنوب، أمكنتنا، حواضرنا وخواطرنا التي دمرت، أرواحنا التي أزهقت، ذاكرة يصعب نسيانها، لكن ربما صعب علينا أن نحميها.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

جنوب لبنان ماذا يبقى من التاريخ حين تضيع الجغرافيا جنوب لبنان ماذا يبقى من التاريخ حين تضيع الجغرافيا



GMT 05:45 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

شهادة من اليابان!

GMT 05:43 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

شجاع بين متخاذلين

GMT 05:36 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

ما بعد الأسبوع الرابع ؟!

GMT 05:31 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

معشرك

GMT 05:29 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

جلسة مسائية مع أسرة طهرانية

GMT 05:29 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

طرابلس في حرب إيران

GMT 05:27 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

القراءة المبكرة... هل تحققت؟

GMT 05:27 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

«أرتميس ــ 2» وأوان العودة إلى القمر
المغرب اليوم - مسيّرة إيرانية تستهدف مجمع الوزارات في الكويت

GMT 15:46 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

عائشة بن أحمد تشوق محبيها بعمل فني جديد
المغرب اليوم - عائشة بن أحمد تشوق محبيها بعمل فني جديد

GMT 19:02 2020 الجمعة ,01 أيار / مايو

أبرز الأحداث اليوميّة

GMT 07:08 2019 الأحد ,31 آذار/ مارس

شهر بطيء الوتيرة وربما مخيب للأمل

GMT 18:22 2021 الإثنين ,01 شباط / فبراير

يبدأ الشهر مع تنافر بين مركور وأورانوس

GMT 18:36 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

أعد النظر في طريقة تعاطيك مع الزملاء في العمل

GMT 19:17 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

يحاول أحد الزملاء أن يوقعك في مؤامرة خطيرة

GMT 16:39 2020 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

تعيش ظروفاً جميلة وداعمة من الزملاء

GMT 07:43 2020 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الجوزاء الجمعة 30 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:00 2017 الأربعاء ,15 شباط / فبراير

شركة "بورش" تعلن عن مركبتها المميّزة "باناميرا 2018"

GMT 12:41 2023 الإثنين ,25 كانون الأول / ديسمبر

الطابع العصري يطغى على إطلالات ريم السعيدي في 2023

GMT 20:32 2016 الثلاثاء ,12 كانون الثاني / يناير

فوائد الريحان لعلاج القرح والجروح

GMT 12:10 2023 الأربعاء ,15 تشرين الثاني / نوفمبر

إردوغان يؤكد أن إسرائيل دولة إرهابية وأن نهاية نتنياهو اقتربت
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib