إيران وإسرائيل والالتباس اللبناني

إيران وإسرائيل والالتباس اللبناني

المغرب اليوم -

إيران وإسرائيل والالتباس اللبناني

مصطفى فحص
بقلم : مصطفى فحص

الالتباس اللبناني معضلة وجودية مزمنة، ناتجة من حقبات متعاقبة من الهيمنة والوصايات والاحتلالات. وقد أفرزت هذه العوامل خطابين: كلاهما وطنيّ بالنسبة لمتبنّيهما، لكنهما في الواقع متنافران، يعكسان بدقّة الانقسام اللبناني العمودي والأفقي حيال القضايا الكبرى والصغرى، الداخلية منها والخارجية، منذ نشأة الكيان.

سابقاً وحديثاً، أدّى هذا الانقسام إلى بروز مواقف وشعارات «وطنية» و«سيادية» و«استقلالية» ملتبسة، تفتقر إلى تعريف موحّد للسيادة، أو فهم مشترك للاستقلال، أو توصيف جامع للوطنية؛ ما جعلها عرضة لتأويلات متناقضة تبعاً للمصلحة السياسية، والانتماء الآيديولوجي أو الجماعاتي. وقد انعكس هذا التضارب سلباً على بناء الدولة ووحدة قرارها الوطني، وتسبّب بتموضعات متناقضة في صراعات الإقليم؛ وهو ما يتمظهر اليوم في المعادلة الشائكة والمقاربة الحسّاسة بين إيران وإسرائيل.

بين إيران التي خسرها لبنان (بصفتها داعماً سياسياً لكل اللبنانيين لا لفئة معيّنة)، وإسرائيل التي يستحيل كسبها أو وصفها حليفة أو قريبة من أي طرف لبناني، أو وقف تهديداتها أو ردعها عسكرياً، يتجلّى الالتباس اللبناني في الموقفين الرسمي والنخبوي.

فالموقف الرسمي واضح وصريح، ويعبّر عنه وزير الخارجية يوسف رجّي في السقف الذي تلتزم به الحكومة لناحية هدف المفاوضات مع إسرائيل. أمّا فيما يتعلّق بطهران، فمن الضروري أن يتشدّد الوزير رجّي دبلوماسياً في مطالبتها بالكفّ عن التدخّل في الشؤون الداخلية، لكن من الأفضل – بصفته رئيساً للدبلوماسية – أن يتوجّه إلى طهران نفسها، لا للمجاملة، بل ليسمعِها خطاباً صريحاً: خطاباً يحمي العلاقات التاريخية بين الشعبين، ويشرح للقيادة الإيرانية، التي تعاني حالة إنكار، الفرق بين الدور المرحَّب به والنفوذ أو الهيمنة المرفوضَين. كما يوضح أنّ روابطها الثقافية والتجارية والاجتماعية يجب أن تشمل جميع الجماعات اللبنانية، وليس من شأنها التذرّع بحماية جماعة معيّنة، بل من شأن الدولة وحدها حماية مواطنيها. أمّا الخصوصية الشيعية، فإن الكلام الواضح والصريح في طهران هو حماية لشيعة لبنان ولدورهم، وحفاظ على الروابط الثقافية والروحية التي تجمعهم بإيران.

الأفضل أن تسمع القيادة الإيرانية في طهران، من مسؤول لبناني رفيع، أنّ لبنان وشيعته ليسا منصة أو أداة توسّعية أو استراتيجية بيد طهران، وأنّه غير مسموح بالمغامرة بأبناء طائفة مؤسسة في صراعات المنطقة نتيجة انتماءات عقائدية. وبما أنّ العلاقات الدبلوماسية قائمة، فلا مفرّ من التعامل مع إيران بوصفها خصماً سياسياً هيمن على لبنان في فترة معيّنة، لا عدواً وجودياً، على غرار ما فعلته دول عربية شقيقة، ويبرز النموذج السعودي هنا مثالاً على التعامل الواقعي والمسؤول.

وفي المقلب الآخر، لا يمكن، في سياق «الالتباس اللبناني»، خصوصاً عند بعض النخب، اعتبار السلام مع العدو الإسرائيلي مجرّد خيار أو رغبة سياسية. فرغبوية بعض اللبنانيين بسلام مستعجل، على غرار نماذج ملتبسة حصلت في السنوات الأخيرة في الظروف الحالية، خيار مرفوض لدى ما لا يقلّ عن نصف اللبنانيين. ونموذج اتفاق «17 أيار» (مايو) 1983، (اتفاق أمني - سياسي بين لبنان وإسرائيل) الذي وُقّع في ظلّ الاجتياح، لم يُفضِ إلى سلام، وقد تخلّى عنه من فاوض لأجله، لا من ادّعى أنّه أسقطه فيما يعرف بانتفاضة 6 شباط (فبراير) العسكرية سنة 1984 ضد حكومة الرئيس أمين الجميل. وتُظهر التجربة السابقة أنّه كلّما اقتربت النخب اللبنانية من التفكير في السلام وفق شروط وطنية، اصطدمت باستحالته البنيوية.

ولا يعني ذلك إغراق لبنان في أعباء الصراع العربي – الإسرائيلي، بل الاعتراف بوجود عوائق بنيوية داخلية تجعل من المستحيل تمرير أي سلام منفرد لا يندرج ضمن حل عربي شامل، أو ضمن المسار الذي تقوده الرياض والمشروط بـ«حلّ الدولتين». وهو مسار تدركه دمشق أيضاً؛ إذ تسعى إلى اتفاقات أمنية تضع حداً للنزاع المسلّح، وليس بإنهاء الصراع، الذي قد يتّخذ أشكالاً أخرى غير عسكرية.

وعليه، فإن الالتباس اللبناني بين إيران وإسرائيل يحتاج إلى تفكيك. فالمشتركات بين إيران دولةً وشعباً، وبين شعوب ودول المنطقة، كبيرة وعميقة، وتتجاوز أفعال النظام وارتكاباته. أمّا في إسرائيل، فهناك مجتمع متشدّد لا يعترف بأيّ آخر، وقد أظهر موقفه فيمن يمثّله سياسياً؛ مجتمعٌ، بأغلبيته، لا يملك أدنى قاسم مشترك مع شعوب المنطقة.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

إيران وإسرائيل والالتباس اللبناني إيران وإسرائيل والالتباس اللبناني



GMT 19:50 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

الحلم الإيراني والعتمة الكوبية

GMT 19:48 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

جمرٌ متوهّجٌ تحت رماد المفاوضات

GMT 19:19 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

إيران ترفض الهزيمة وواشنطن لا تحسم

GMT 19:14 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

مهرجان «كان»... قصة ولَّا مناظر

GMT 19:11 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

من مساخر العالم

GMT 19:09 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

حرب فلسطين العربية

GMT 18:15 2026 الأحد ,17 أيار / مايو

ذكرى النكبة

10 نجمات عربيات يخطفن الأنظار في مهرجان "كان" 2026

باريس ـ المغرب اليوم

GMT 21:17 2019 الجمعة ,03 أيار / مايو

المكاسب المالية تسيطر عليك خلال هذا الشهر

GMT 18:06 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

كن هادئاً وصبوراً لتصل في النهاية إلى ما تصبو إليه

GMT 18:03 2020 الثلاثاء ,08 كانون الأول / ديسمبر

تتخلص هذا اليوم من بعض القلق

GMT 09:35 2022 الثلاثاء ,25 تشرين الأول / أكتوبر

الفن وتهذيب السلوك والاخلاق

GMT 23:11 2021 الجمعة ,15 تشرين الأول / أكتوبر

أفضل الأماكن السياحية لقضاء شهر العسل في سويسرا

GMT 22:43 2014 الأربعاء ,22 كانون الثاني / يناير

تصويّرُ العروسيّن غيّر التقليّدي الأحدث والأفضل

GMT 07:55 2017 الأربعاء ,20 أيلول / سبتمبر

"فيات كرايسلر" تستدعي حوالي 500 ألف شاحنة حول العالم

GMT 19:20 2023 الجمعة ,10 آذار/ مارس

بورصة البيضاء تستهل التداول بارتفاع طفيف

GMT 23:31 2022 السبت ,02 إبريل / نيسان

بايدن يهنئ المسلمين بحلول رمضان بآية قرآنية

GMT 06:58 2021 الثلاثاء ,20 تموز / يوليو

مانهارت تجري تعديلات على لاند روفر Defender
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib