هل بنكيران خوانجي

هل بنكيران خوانجي؟

المغرب اليوم -

هل بنكيران خوانجي

توفيق بوعشرين

ينظر الديمقراطيون بعين الرضى إلى الخروج التدريجي لإسلاميي العدالة والتنمية من خانة الأصوليين، الذين يعلنون الوصاية على تدين المجتمع، إلى خانة المحافظين المعتدلين المتصالحين مع الحرية والتعددية ونمط العيش المنفتح، أما أقطاب الاستبداد وبقايا السلطوية في بلادنا، فينظرون بعين الأسى والحزن إلى خطاب الاعتدال الفكري والسياسي الذي يبديه بنكيران والعثماني والرميد وآخرون.. يغيظهم اعتدال هؤلاء لأنه يصعب مهمة إقصائهم ومحاربتهم، فأعداء الديمقراطية يريدون لخطة شيطنة الحزب أن تستمر، ويريدون من بنكيران أن يساعدهم على قتله سياسيا بانغلاقه وتطرفه وتعصبه، وأن يساهم معهم في رسم صورة سوداء عن صندوق الاقتراع في المغرب من أنه صندوق لا يلد إلا أصوليا متطرفا أو شعبويا قاتلا، وأن المغاربة ليسوا مؤهلين لأن يصوتوا على حزب يخدم المستقبل ويخدم مصالحهم، ولا يضعهم في مواجهة مع الغرب وقيم العصر.
عندما يقول بنكيران: «أنا لست إخوانيا، ولا أنتمي إلى هذا التيار الديني الذي يقسم المجتمعات المسلمة إلى جاهلية وإسلامية»، يقولون له: «أنت تُمارس التقية». عندما يقول بنكيران: «أنا لست إسلاميا ولكني مجرد مسلم، ولم آت إلى السلطة لفرض نمط من التدين على شعب مسلم»، يقولون له: «إنك قلبت الفيستا». عندما يقول بنكيران إن «البي جي دي» حزب سياسي بمرجعية إسلامية وليس حزبا دينيا، يقولون له هذا توزيع أدوار مع الذراع الدعوي، أي حركة التوحيد والإصلاح. عندما يتحالف بنكيران في حكومة واحدة مع يساريي التقدم والاشتراكية وليبراليي التجمع الوطني للأحرار يتهمونه بأنه يريد أكل هؤلاء، وأنه يخبئ برنامجه السري في حكومة بلا لون ولا طعم ولا رائحة. عندما يضع وزيره في العدل والحريات، مصطفى الرميد، مشروعا جديدا للقانون الجنائي بنفَس ليبرالي متسامح إزاء الحريات الفردية والجماعية، يقولون له «هذه مناورة»، ومنهم من يلبس عباءة المفتي الديني ويقول: «اللهم إن هذا منكر، وهذا تشجيع على الفساد وشرب الخمر والإفطار في رمضان». عندما يخرج العثماني بموقف معتدل إزاء الإجهاض يساند مقترح فتح باب الاستثناء في القانون الجنائي لتقريب القاعدة القانونية من الواقع المعيش، يقول بعضهم -في مزايدة صبيانية لا تراعي المجتمع المحافظ الذي نعيش فيه- «هذا غير كاف، ويجب إسقاط الطابع الجرمي عن العلاقات الجنسية بين البالغين خارج مؤسسة الزواج».
وهكذا كلما اقترب حزب العدالة والتنمية من الاعتدال الفكري والإيديولوجي فإنه يسبب السعار لمركب الاستبداد والفساد والجمود الذي يلعب لعبة مزدوجة. من جهة، يحاول أن يستفز الإسلاميين، وهم في حالة مراجعة واختبار وتدريب على ممارسة السلطة في إطار الدستور والقانون، للرجوع بهم إلى النضال الهوياتي، والطابع الاحتجاجي، والخوف المرضي على الهوية، وهدفه أن يبقى الإسلاميون فزاعة يخيف بها الغرب ومصالحه، والمجتمع المغربي واعتداله، والفئات البرجوازية وانفتاحها، والليبراليين وقناعاتهم، والنتيجة أن يقولوا لكل هؤلاء: «إن الأمن والتعددية والحريات الفردية ونمط العيش المفتوح لا توجد في الديمقراطية وصناديق الاقتراع، بل توجد في ظل ‘‘الاستبداد المتنور’’، لهذا تعالوا جميعا، يساريين وليبراليين، علمانيين وأمازيغيين، شبابا ونساء، إلى خيمة الاستبداد المتنور لمكافحة الاستبداد الظلامي، فشر أهون من شر».
لما فشل هذا الشق من لعبة شيطنة الإسلاميين مع خصومهم أو مع الفئات المؤثرة في المجتمع، مروا إلى حيلة أخرى ترمي إلى إحراج الإسلاميين مع قواعدهم المحافظة، والمزايدة عليهم، وتصويرهم وكأنهم تجار دين باعوا مبادئهم في أول اختبار، وأنهم يتنكرون من أجل المناصب للدين والشريعة ومشروع الدولة الإسلامية، وأنهم ليسوا جديرين بالاتباع ولا بإعادة التصويت عليهم. الغرض أن يدفعوا إسلاميي العدالة والتنمية، أو الرؤوس الحامية وسطهم، إلى ابتلاع الطعم، والرجوع إلى الانغلاق وإلى ردود الفعل غير المحسوبة، وإلى إعلاء راية الإسلام الاحتجاجي الراديكالي خوفا من ضياع الشعبية في مجتمع محافظ يغضب من ظهور جنيفر لوبيز بلباس فاضح في التلفزة، ولا يغضب من ظهور رموز الفساد والاستبداد بلباس أنيق في الواجهة وعلى التلفزة.
يستطيع المرء أن يعارض الحكومة وسياساتها، ويستطيع أن ينتقد اختياراتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وهذا واجب وليس حقا فقط، وكاتب هذه السطور له ألف ملاحظة على أداء هذه الحكومة في تنزيل الدستور، وحماية حقوق الإنسان، وحرية التعبير والصحافة، وفي التردد إزاء قرارات مصيرية في الملف الاجتماعي… لكن بلادنا تربح نقاطا مهمة في امتحان الاستقرار والتعايش وتحييد الدين في الصراع السياسي. عندما يتجه فصيل كبير له عمق فكري واجتماعي في قاع المجتمع إلى الاعتدال والوسطية والقبول بالاختلاف، والخضوع لحكم صندوق الاقتراع، والتصرف كحزب لخدمة الشعب لا للوصاية عليه.. هذا هو مربط الفرس في هذا الموضوع.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

هل بنكيران خوانجي هل بنكيران خوانجي



GMT 07:51 2026 الثلاثاء ,07 إبريل / نيسان

الرؤية الإلكترونية

GMT 07:50 2026 الثلاثاء ,07 إبريل / نيسان

مولد سيدي أبوالحجاج الأقصري

GMT 07:49 2026 الثلاثاء ,07 إبريل / نيسان

ما بناه الدكتور شاكر

GMT 07:47 2026 الثلاثاء ,07 إبريل / نيسان

تحت الشباك ولمحتك يا جدع!

GMT 07:45 2026 الثلاثاء ,07 إبريل / نيسان

فانتازيا مظلمة

GMT 07:44 2026 الثلاثاء ,07 إبريل / نيسان

ماذا فعلت إسرائيل بأمريكا؟! (2)

GMT 07:17 2026 الثلاثاء ,07 إبريل / نيسان

دعني أسأل

GMT 07:14 2026 الثلاثاء ,07 إبريل / نيسان

هرمز... نووي إيران الجديد

GMT 02:13 2026 الثلاثاء ,07 إبريل / نيسان

نابولي يفوز على ميلان بهدف في الدوري الإيطالي
المغرب اليوم - نابولي يفوز على ميلان بهدف في الدوري الإيطالي

GMT 19:53 2019 الجمعة ,03 أيار / مايو

تمتع بالهدوء وقوة التحمل لتخطي المصاعب

GMT 21:14 2019 الجمعة ,06 أيلول / سبتمبر

تجنب اتخاذ القرارات المصيرية أو الحاسمة

GMT 21:02 2017 الأحد ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

"اصاحبى" يجمع بيومي فؤاد مع محمد ثروت

GMT 12:45 2018 الجمعة ,09 تشرين الثاني / نوفمبر

ندوة أدبية بعنوان"روايات مرئية" في "الشارقة الدولي للكتاب"

GMT 05:38 2017 السبت ,02 كانون الأول / ديسمبر

عمرو الليثي يُوضّح كواليس آخر حوار أجرته الراحلة شادية

GMT 00:24 2016 الثلاثاء ,29 تشرين الثاني / نوفمبر

اليابان تخطط لبناء أسرع حاسب عملاق في العالم

GMT 18:52 2017 الخميس ,05 تشرين الأول / أكتوبر

أنباء عن تغيير موعد مواجهة نهضة بركان والوداد البيضاوي

GMT 00:51 2017 الإثنين ,23 تشرين الأول / أكتوبر

رامي رضوان يؤكد أن تقديم توك شو صباحي أسهل من المسائي

GMT 11:18 2015 الجمعة ,17 تموز / يوليو

السجن لأب أسترالي زوج ابنته ذات الـ12 عام
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib