رسومات شيطانية

رسومات شيطانية

المغرب اليوم -

رسومات شيطانية

توفيق بو عشرين


أما وإن الصدمة قد زالت عن فرنسا، وعبر المسلمون، شعوبا وحكومات، عن إدانتهم للإرهاب، ورفضهم مواجهة الريشة بالرصاص، فإن الوقت حان لمناقشة «شارلي إيبدو» في خطها التحريري وفي رسالتها الإعلامية وفي أسلوب تناولها للأديان، وخاصة الإسلام…

كما أن هناك من رفع شعار: «أنا شارلي»، هناك من حمل شعار: «أنا لست شارلي»، وهذا التناقض في الشعارات يعكس الجدل الدائر في فرنسا وأوروبا والعالم حول أسلوب استفزاز المسلمين، ومدى خدمته للتعصب والتطرف أو العكس. لا بد، أولا، أن نشير إلى أن مجلة «شارلي إيبدو» كانت على وشك أن تقفل أبوابها وأن تتوقف عن الصدور بسبب الأزمة الاقتصادية التي كانت تعانيها، وهي أزمة ناتجة عن أن القراء الفرنسيين لم يعودوا منذ سنوات يقبلون على قراءتها. هذه مجلة كانت تطبع حوالي 60 ألف نسخة، لكنها لا تبيع سوى خمسة آلاف إلى ستة آلاف نسخة كل أسبوع، وهذا معناه أن الشريحة الكبرى من القراء الفرنسيين لم تكن تتفق مع خط تحرير المجلة القائم على الاستفزاز والسخرية من كل شيء دون حدود ولا ضوابط…

 لقد كشفت حادثة «شارلي إيبدو» سوء فهم كبيرا موجودا في الغرب نحو المسلمين ونحو الإسلام، فجل ما يروج في الإعلام وعلى لسان السياسيين منبعه الكليشيهات الخاطئة عن الدين المحمدي وخلط بين الإسلام وتطرف القلة القليلة من أبنائه اليوم في الشرق والغرب لأسباب سياسية واقتصادية واجتماعية بالأساس قبل أن تكون عقائدية أو مذهبية، حتى إن كاتبا فرنسيا سطحيا اقترح على المسلمين قبل أسابيع إلغاء ثلثي القران الكريم إن هم أرادوا العيش بسلام في عالم اليوم، بل هناك من ذهبت به أوهام الإسلاموفوبيا إلى حدود تصور إمكانية إقامة خلافة إسلامية في فرنسا وفوز بلعباس بالانتخابات الرئاسية في فرنسا، وإجبار النساء الفرنسيات على وضع الحجاب ولزوم بيوتهن…

مناقشة الأديان والعقائد والكتب المقدسة والتشريعات السماوية تقليد قديم في الشرق والغرب، وهذا أمر لا يمكن أن يتوقف، وهو جزء من الأديان نفسها، لكن هذا تمرين فكري وعلمي وديني بين المتخصصين والعلماء والمثقفين، وليس مادة للاستهزاء بين رسامي الكاريكاتور، ولا مادة إعلامية لإحداث الصدمة لدى الآخرين وإجبارهم على رد الفعل…

الفاتيكان كان ذكيا وحكيما وهو يرى أن الجدل ينزلق إلى ما يشبه عودة الحرب الدينية بين المسلمين والمسيحيين، لهذا سارع بابا الفاتيكان إلى القول: «لا يمكنك أن تستفز الآخرين أو تُهين عقائدهم.. لا يمكنك أن تسخر من العقيدة. إن حرية العقيدة وحرية التعبير من حقوق الإنسان الأساسية لكن لا يجب أن تكون حرية التعبير مُسيئة».

قبل 27 سنة من اليوم انفجرت قضية مثل هذه في بريطانيا بمناسبة صدور رواية ‘‘آيات شيطانية’’ للكاتب البريطاني الهندي سلمان رشدي، وفيها تعرض لحياة نبي الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم، فقامت القيامة والتقط الخميني الخيط، وأصدر فتوى بهدر دم الكاتب البريطاني باعتباره تجرأ على مقدسات المسلمين، فهب الغرب كله للتضامن مع سلمان رشدي وقامت القيامة…

بادرت جمعيات إسلامية في لندن سنة 1989 برفع دعوى قضائية ضد ناشر ومؤلف ‘‘آيات شيطانية’’ بدعوى إهانة المعتقد الإسلامي، فماذا قالت المحكمة في حكمها الصادر في نوفمبر 1991؟ «المحكمة تجد نفسها في وضع لا يسمح لها بالفصل في موضوع القضية وحيثيات ذلك من جانبين؛ أولا، إن القوانين البريطانية تسمح لمن يشاء بإنكار الدين أو بمناقشة تعاليمه، وذلك عملا بمبدأ حرية كل إنسان في ما يؤمن به، لكن القوانين في بريطانيا، في الوقت نفسه، لا تسمح بإهانة الدين blasphemy لأن ذلك يخرج عن مبدأ حرية كل إنسان في عقيدته، باعتبار أن إهانة أي دين هي عدوان على عقائد المؤمنين به، يمس ضمائرهم ويجرح شعورهم، والخلاصة هنا أن إنكار الدين أو مناقشته يمكن أن يكون من أعمال حرية الفكر، لكن إهانة الدين اعتداء على حرية آخرين لهم الحق في كرامة عقائدهم».

المبرر الثاني الذي دفع المحكمة إلى عدم إصدار الحكم هو أن القوانين في بريطانيا لا تجرم سوى إهانة الدين المسيحي، وأن القضاة ليس أمامهم نصوص تسمح لهم بمساواة الإسلام بالمسيحية في هذا الباب، غير أن المحكمة، وتبعا للتقاليد القضائية البريطانية، لفتت انتباه البرلمان إلى أن بريطانيا أصبحت بلدا تعددت فيه الأديان على عكس ما كان عليه الأمر وقت وضع قوانين حظر إهانة الدين المسيحي، لذلك فإن حقوق غير المسيحيين من المواطنين البريطانيين قد تتطلب إجراء تعديلات وإضافة قوانين تحمي الأديان الأخرى من الإهانة.

حتى وإن لم تصدر المحكمة حكما في الموضوع، فإنها أقرت بمبدأ الفصل بين حرية التعبير وحق الأديان وأتباعها في حفظ كرامة ما يعتقدون. هذا ليس كلام شيخ في الأزهر أو الزيتونة أو القرويين أو النجف أو قم أو مكة أو المدينة… هذا كلام قاض بريطاني في لندن… حلل وناقش.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

رسومات شيطانية رسومات شيطانية



GMT 19:50 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

الحلم الإيراني والعتمة الكوبية

GMT 19:48 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

جمرٌ متوهّجٌ تحت رماد المفاوضات

GMT 19:19 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

إيران ترفض الهزيمة وواشنطن لا تحسم

GMT 19:14 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

مهرجان «كان»... قصة ولَّا مناظر

GMT 19:11 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

من مساخر العالم

GMT 19:09 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

حرب فلسطين العربية

GMT 18:15 2026 الأحد ,17 أيار / مايو

ذكرى النكبة

10 نجمات عربيات يخطفن الأنظار في مهرجان "كان" 2026

باريس ـ المغرب اليوم

GMT 17:13 2020 الجمعة ,10 إبريل / نيسان

أحوالك المالية تتحسن كما تتمنى

GMT 15:38 2019 الإثنين ,02 كانون الأول / ديسمبر

أبرز الأحداث اليوميّة لمواليد برج"الأسد" في كانون الأول 2019

GMT 21:35 2019 الإثنين ,01 تموز / يوليو

تنتظرك ظروف جيدة خلال هذا الشهر

GMT 18:27 2020 الإثنين ,09 تشرين الثاني / نوفمبر

تتمتع بسرعة البديهة وبالقدرة على مناقشة أصعب المواضيع

GMT 21:22 2019 الجمعة ,06 أيلول / سبتمبر

اترك قلبك وعينك مفتوحين على الاحتمالات

GMT 02:35 2020 الثلاثاء ,23 حزيران / يونيو

إعدام 1.6 طن من الفئران في الصين خوفًا من "كورونا"

GMT 02:38 2019 الخميس ,18 إبريل / نيسان

حل المشاكل الزوجية يحمي الأسر من التفكُّك
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib