ثلاث ملاحظات نقدية على هامش مؤتمر التوحيد والإصلاح

ثلاث ملاحظات نقدية على هامش مؤتمر التوحيد والإصلاح

المغرب اليوم -

ثلاث ملاحظات نقدية على هامش مؤتمر التوحيد والإصلاح

توفيق بو عشرين

تستعد حركة التوحيد والإصلاح لعقد مؤتمرها الخامس نهاية الأسبوع الجاري، وهي مناسبة للإطلالة على البيت الداخلي لهذه الحركة التي يرى فيها البعض أنها ذراع دعوي لحزب العدالة والتنمية

 ويرى فيها آخرون الحاضنة الأساسية لإسلاميي الحكومة والبرلمان، ويرى فيها آخرون امتدادا فكريا وعقديا للتيارات الأصولية العالمية، بينما هي تعرف نفسها بأنها إطار مدني مغربي يروم الإصلاح الديني والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة...

 ولدت حركة التوحيد والإصلاح سنة 1996 من رحم تجمع وحّد عددا من الحركات الإسلامية الصغيرة (حركة الإصلاح والتجديد ورابطة المستقبل الإسلامي التي بدورها جمعت شتات ثلاث جمعيات إسلامية وهي: الشروق بالرباط والدعوة بفاس والجمعية الإسلامية بالقصر الكبير).

وصاغ مشروع الحركة طرفان رئيسان؛ الأول هو أحمد الريسوني ومن معه، والذي وضع الأسس الفكرية لنمط من الفكر الديني المقاصدي والوسطي المعتدل، الذي بدأ يفكر في الأسئلة الدينية لأول مرة باستقلال نسبي عن الفكر المشرقي، والطرف الثاني هو بنكيران ومن معه، والذي صاغ المشروع السياسي للحركة، وهو مشروع إصلاحي وليس ثوريا، توافقي وليس صداميا، اختار العمل مع القصر لا ضده، وممارسة السياسة، ولو في باحة صغيرة، على الدخول في صراع مع الملكية.. هذا المشروع هو الذي تحول فيما بعد إلى حزب العدالة والتنمية وهو ما عليه اليوم...

لما دخل «الإخوان» إلى حزب عبد الكريم الخطيب انتبهوا إلى أن دخول السياسة في المغرب يقتضي إحداث نوع من التمييز بين الدعوي والسياسي، أي بين السياسة وصراعاتها والدين وحرمته، أي أن نوعا من العلمانية اللينة أو «المؤمنة» ضروري لكي لا يعيدوا أخطاء الإسلاميين في مصر والجزائر وسوريا والسودان... كان هذا التمايز في الوظائف والرموز والخطاب قفزة نوعية في الفكر الحركي والسياسي للإسلاميين الذين ولدوا في رحم فكر سيد قطب والمودودي وحسن البنا والخميني الذي ينظر لمقولة: «الإسلام دين ودولة». اليوم بعد 18 سنة من ولادة هذه الحركة لا بد من إبداء ثلاث ملاحظات نقدية على عملها وفكرها وخارطة طريقها للمستقبل.

أولا: مع كل النجاحات التنظيمية والفكرية التي حققتها الحركة، حيث تحولت إلى فاعل ديني مؤثر في الساحة، فإنها مع ذلك مازالت لم تتحول إلى حركة إسلامية مدنية منفتحة على كل أطياف المجتمع. إلى الآن الحركة لها زبون واحد هو حزب العدالة والتنمية، ولا علاقة تربطها بباقي الأحزاب والجمعيات والإطارات الأخرى، أي أنها حركة لم تخرج من «القوقعة الإخوانية» التي طبعت الإسلاميين في المغرب، في حين أن ميثاقها كان يطمح إلى تأسيس حركة دينية مدنية تشتغل على الإصلاح الهادئ في التربية والتعليم والأخلاق العامة وترشيد الحالة الدينية، وهذه أهداف كبرى يجب أن تتحقق في شراكة مع كل الأطراف لا مع حزب العدالة والتنمية لوحده.

ثانيا: كان المؤمل أن تلعب حركة التوحيد والإصلاح دورا فكريا تجديديا وتنويريا، وأن تبتعد بالحالة الدينية المغربية عن المؤثرات السلفية والوهابية والإخوانية القادمة من المشرق، وأن تؤسس لنمط من التدين المغربي الذي ينهل من الفكر المقاصدي ومن إسهامات علال الفاسي والمختار السوسي وشيخ الإسلام محمد بالعربي العلوي، وغيرهم من رموز الدعوة الإصلاحية المغربية قديما وحديثا، لكن الحركة مازالت اليوم بعيدة عن هذا الدور، حيث إن آثار الفكر السلفي المنغلق مازالت مترسبة في عقول الكثير من أفرادها لاستغراقهم في التنظيم وابتعادهم عن الفكر والعلم والبحث والحوار مع المرجعيات الفكرية الأخرى. لقد رأينا في تونس، مثلا، كيف أن حركة النهضة أحدثت ثورة في فكر الإسلام السياسي، وكيف أنها ابتلعت دون صعوبة مبدأ حرية العقيدة أثناء وضع الدستور الجديد، وكيف أن حركة التوحيد والإصلاح عارضت بشراسة هذا المبدأ في سنة 2011، إبان وضع الدستور المغربي. هذا مثل واحد فقط، وإلا لمن أراد أن يعرف ترسبات الفكر السلفي التقليدي في المرجعية الفقهية للحركة أن يطلع عما كانت جريدة التجديد تنشره من فتاوى وآراء فقهية، وهذا يؤثر ليس فقط في الحالة الدينية في المغرب، بل كذلك في السلوك السياسي والتشريعي للحزب الأول في البرلمان، الذي يجد صعوبات كبيرة في التكيف مع بعض المطالب الحقوقية نظرا إلى مرجعيته الفقهية التقليدية (زواج القاصر، عقوبة الإعدام مثلا).

ثالثا: إذا كان حزب العدالة والتنمية قد نجح، نسبيا، في الابتعاد عن المجال الدعوي، خصوصا عندما دخل إلى الحكومة، فإن الحركة لم تتخلص من هواجس السياسة الحزبية بعد، وإلى الآن يجد أعضاؤها أنفسهم متورطين في نقاشات حزبية بحتة، وبنزعة صدامية واضحة أحيانا، وإلى الآن يقفون صفا مرصوصا خلف حزب العدالة والتنمية، ولا ينتقدونه أبدا، لا في المعارضة ولا في الحكومة، ويتصرفون كذراع دعوي أو سياسي للحزب، كما أن الحركة لا تبدي أي اتجاه نقدي إزاء سياسة الدولة، وخاصة في الحقل الديني، وتتصرف كفاعل سياسي مطوق بواجب التحفظ وضرورات التوافق مع الدولة حول الكثير من القضايا الحساسة. يجب أن تتحرك حركة التوحيد والإصلاح كفاعل مدني مستقل عن كل الأطراف السياسية، وأن تشارك في ترشيد الحالة الدينية بفكر مستنير وجريء يتوافق مع العصر...

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ثلاث ملاحظات نقدية على هامش مؤتمر التوحيد والإصلاح ثلاث ملاحظات نقدية على هامش مؤتمر التوحيد والإصلاح



GMT 05:45 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

شهادة من اليابان!

GMT 05:43 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

شجاع بين متخاذلين

GMT 05:36 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

ما بعد الأسبوع الرابع ؟!

GMT 05:31 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

معشرك

GMT 05:29 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

جلسة مسائية مع أسرة طهرانية

GMT 05:29 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

طرابلس في حرب إيران

GMT 05:27 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

القراءة المبكرة... هل تحققت؟

GMT 05:27 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

«أرتميس ــ 2» وأوان العودة إلى القمر
المغرب اليوم - مسيّرة إيرانية تستهدف مجمع الوزارات في الكويت

GMT 15:46 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

عائشة بن أحمد تشوق محبيها بعمل فني جديد
المغرب اليوم - عائشة بن أحمد تشوق محبيها بعمل فني جديد

GMT 19:02 2020 الجمعة ,01 أيار / مايو

أبرز الأحداث اليوميّة

GMT 07:08 2019 الأحد ,31 آذار/ مارس

شهر بطيء الوتيرة وربما مخيب للأمل

GMT 18:22 2021 الإثنين ,01 شباط / فبراير

يبدأ الشهر مع تنافر بين مركور وأورانوس

GMT 18:36 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

أعد النظر في طريقة تعاطيك مع الزملاء في العمل

GMT 19:17 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

يحاول أحد الزملاء أن يوقعك في مؤامرة خطيرة

GMT 16:39 2020 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

تعيش ظروفاً جميلة وداعمة من الزملاء

GMT 07:43 2020 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الجوزاء الجمعة 30 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:00 2017 الأربعاء ,15 شباط / فبراير

شركة "بورش" تعلن عن مركبتها المميّزة "باناميرا 2018"
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib