البرقع والخمار واستراتيجية الأنـوار

البرقع والخمار واستراتيجية الأنـوار

المغرب اليوم -

البرقع والخمار واستراتيجية الأنـوار

بقلم - امحمد لقماني

أةً، وبغير قليل من العجب، انتبه بعض "الحقوقيون" و "الديمقراطيون" إلى أن منع بيع لباس البؤس النسائي من برقعٍ وخمارٍ وكل ما يدخل في حكم الدربلة الإخوانية، إنما يدخل في باب المس بالحريات و الحقوق !! ولا ضير لديهم إن كان ذلك القماش اللعين هو حمّال  ثقافة مهينة للمرأة نفسها بحسبانها عورة يجب سترها، حتى لا نضيف إليه أنه ضربٌ للباسٍ مغربي أصيل وهو جزء من ثقافة شعب بأكمله يريدون لها أن تختفي وينمحي وجودها من الفضاء العام تحت سطوة الثقافة الدينية القروسطوية.

وكم كنت أتمنى أن يكون لمنع هذا النوع من اللباس مبررٌ ثقافيٌ بالأساس أكثر منه  أمنيٌ يعتبره غطاء تٌخفى بداخله الهويات وتُنتحل الصفات و تتوارى أجساد قابلة للانفجار، مع أننا نتفهم مثل هذه القرارات ذات الطبيعة الاحترازية في سياق تشديد الخناق على الخلايا الإرهابية، المتحركة منها والنائمة.

 لا أحد يشك في كون المغرب نجح في مقاربته الأمنية لمحاربة الظاهرة الإرهابية، لكن طبيعة هذه المقاربة أنها تعالج النتائج والتجليات والتداعيات أكثر من المسببات، فتبقى معزولة في فاعليتها وتتسبب أكثر من ذلك، في استنزاف مجهودات وإمكانيات الأجهزة الأمنية. المشكلة إذن أكبر وأعمق، إذا لم يتم إدراج المقاربة الأمنية ضمن استراتيجية شاملة لمحاربة التطرف التي توطنت أفكاره وأوهامه في العقول بفعل نظامٍ تعليميٍ وتربويٍ زاد من حدته فوضى إعلامية وفضائيات تلفزيونية يطل من على شاشاتها عصابات من دعاة الفتنة في الدين والدنيا بعد أن توسعت لها مساحات التعبير وأٌغدقت عليها الأموال والهبات من التنظيمات والمشيخات...، فلم نكن نحتاج إلا لبضع سنوات حتى وقعت الواقعة ونشأت، في غفلة من الجميع، بيئةٌ حاضنةٌ لجيل قابل للتفجير والانفجار. فأي جريمة هذه مع سبق الإصرار التي غُضَّ الطرف عن مقدماتها وفصولها،  والدولة تعلم علم اليقين أنها ستكون من أولى ضحاياها ؟

لم يخطر ببال السلطة السياسية تقدير الكلفة الباهظةلأخطائها الفادحة جراء سياساتها السابقة في التغاضي عن نشر الفكر الديني المتطرف لغايات تعرفها (...)، ولم تتوقع أيضًا  أن تلك السياسات ستضرب في العمق إحدى مصادر الشرعية والمشروعية للدولة والمجتمع على السواء، وهي هنا الإسلام المغربي والتديّنُ الوسطيُّ الذي جُبل عليه المغاربة منذ قرون، والذي شكل دومًا صمّام أمانٍ ضابطٍ  لتوازنات الأمن الروحي للمغاربة.

لن تستطيع المواجهة الأمنية لوحدها اقتلاع الإرهاب والتطرف ولو امتلكت الدولة سلطة العنف المشروع، كما لا يكفي فصل هذه النزعات المتطرفة عن بيئتها الاجتماعية الحاضنة حتى تستقيم المواجهة الفاصلة، بل المعركة أكبر من ذلك بكثير: إنها فكرية وثقافية في المقام الأول، يكون هدفها تجفيف الينابيع الفكرية للظاهرة الإرهابية، وتستدعي لأجل ذلك قراءةً تنويريةً وتقدميةً للنص الديني، وتبيان براءته من كل ما ألصق به من تفسيراتٍ برّانيةٍ عن تعاليمه الأصلية ومقاصده الإنسانية والتحررية. إنها بلا شك معركة شـاقة وطويلة النفس، تستدعي لإنجاحها امتلاك رؤية واضحة لطبيعة المجتمع الذي نريـد، بعد أن يتم تشخيص المعضلة بكل دقـة ويتم فيها إشراك شبكة واسعة من الفاعلين والمختصين، أفرادًا ومؤسسات، على نحو ما كان عليه الأمر لحظة صياغة تقرير الخمسينية للتنمية البشرية في أفق 2025.

آن الأوان كي تكفّر الدولة عن أخطائها الاستراتيجية التي كادت أن تحفر بها قبرها لنفسها، وأن تعكف، عاجلًا، على إقرار استراتيجية للتنوير على شاكلة الاستراتيجيات التنموية المعتمدة في مجالات الفلاحة والصناعة والسياحة والتنمية البشرية...إلخ. فالأولى لا تقل أهمية عن الثانية، بل نحسبها البنية التحتية الأساس التي لا تقوم قائمة الاستقرار والتقدم بدونها. ولعل إحدى المداخل الرئيسية وذات الأولوية في هذا العمل الاستشرافي هو عصرنة نظامنا التعليمي والثقافي والديني، وذلك هو السبيل لصناعة جيل جديد من حملة الفكر التنويري والعقلاني، المتشبع بروح المواطنة المنتجة، والمستعد دومًا للدفاع عن حريته ووطنه وأصالة قيمه.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

البرقع والخمار واستراتيجية الأنـوار البرقع والخمار واستراتيجية الأنـوار



GMT 14:20 2023 الإثنين ,18 أيلول / سبتمبر

العراق فاتحاً ذراعيه لأخوته وأشقائه

GMT 12:23 2023 السبت ,29 تموز / يوليو

أعلنت اليأس يا صديقي !

GMT 05:17 2023 الأربعاء ,05 إبريل / نيسان

اليمن السعيد اطفاله يموتون جوعاً

GMT 00:59 2022 الإثنين ,14 آذار/ مارس

بعد أوكرانيا الصين وتايون

GMT 11:30 2021 الإثنين ,20 كانون الأول / ديسمبر

عطش.. وجوع.. وسيادة منقوصة

GMT 19:57 2021 الجمعة ,12 آذار/ مارس

التراجيديا اللبنانية .. وطن في خدمة الزعيم

GMT 15:46 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

عائشة بن أحمد تشوق محبيها بعمل فني جديد
المغرب اليوم - عائشة بن أحمد تشوق محبيها بعمل فني جديد

GMT 19:02 2020 الجمعة ,01 أيار / مايو

أبرز الأحداث اليوميّة

GMT 07:08 2019 الأحد ,31 آذار/ مارس

شهر بطيء الوتيرة وربما مخيب للأمل

GMT 18:22 2021 الإثنين ,01 شباط / فبراير

يبدأ الشهر مع تنافر بين مركور وأورانوس

GMT 18:36 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

أعد النظر في طريقة تعاطيك مع الزملاء في العمل

GMT 19:17 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

يحاول أحد الزملاء أن يوقعك في مؤامرة خطيرة

GMT 16:39 2020 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

تعيش ظروفاً جميلة وداعمة من الزملاء

GMT 07:43 2020 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الجوزاء الجمعة 30 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:00 2017 الأربعاء ,15 شباط / فبراير

شركة "بورش" تعلن عن مركبتها المميّزة "باناميرا 2018"
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib